آرسنال وأرتيتا يجنيان ثمار الرؤية الطويلة المدى

الفريق ومدربه يفكران بتمهل ويدرسان الأمور جيداً لاتخاذ قرارات تصب في مصلحة النادي

شجار بين أرتيتا وكلوب في ذهاب كأس الرابطة (إ.ب.أ)
شجار بين أرتيتا وكلوب في ذهاب كأس الرابطة (إ.ب.أ)
TT

آرسنال وأرتيتا يجنيان ثمار الرؤية الطويلة المدى

شجار بين أرتيتا وكلوب في ذهاب كأس الرابطة (إ.ب.أ)
شجار بين أرتيتا وكلوب في ذهاب كأس الرابطة (إ.ب.أ)

في أغسطس (آب) الماضي، ومع اقتراب الموعد النهائي لانتهاء فترة الانتقالات الصيفية، بدأ آرسنال يفكر بجدية في التعاقد مع الظهير الأيمن الواعد لبرشلونة، إيمرسون رويال البالغ من العمر 22 عامًا. وكانت المحادثات بين الطرفين قد وصلت إلى مرحلة متقدمة، وكان المدير التقني لآرسنال، إيدو، قد اتصل بالفعل باللاعب من إجل إقناعه بالقدوم إلى ملعب «الإمارات». لكن كانت هناك مشكلة وحيدة في هذا الأمر، وهي أن المدير الفني للمدفعجية، ميكيل أرتيتا، كان لديه بعض الشكوك حول قدرة اللاعب على تقديم الإضافة اللازمة للفريق.
وبغض النظر عن أن قسم التحليلات بالنادي قد درس أرقام اللاعب جيدا ووافق على ضمه، وبغض النظر عن أن النادي في ذلك الوقت كان يتذيل جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، وأن الجماهير كانت في حالة من الغضب الشديد، وأن الوقت كان ينفد قبل التعاقد مع الظهير الأيمن الشاب، وبغض النظر عن حقيقة أنه إذا أهدر آرسنال فرصة التعاقد مع رويال، فمن المؤكد أنه سينضم إلى توتنهام بدلاً من ذلك، فإن أرتيتا لم يكن مقتنعا بقدرات اللاعب، لذلك انسحب آرسنال من الصفقة.
وفي هذه الأثناء، استغل توتنهام فرصة حدوث هذا الانقلاب المفاجئ وانفض في اليوم الأخير من فترة الانتقالات الصيفية ليتعاقد مع اللاعب مقابل نحو 26 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ الذي قالت عنه صحيفة التلغراف إن «مصادر تزعم أن برشلونة لا يزال لا يصدق العرض الذي تقدم به توتنهام»! لا يهم ذلك، لكن توتنهام كان سعيدا وفخورا بفوزه في معركة التعاقد مع رويال، وبعناوين الصحف التي تتحدث عن ذلك!
وبعد مرور خمسة أشهر - ودون الرغبة في أن أكون حادا في الحكم على رويال، الذي لعب بشكل جيد للغاية مع ريال بيتيس الموسم الماضي على سبيل الإعارة - من الممكن ملاحظة أن مخاوف أرتيتا بشأن قدرته على التكيف مع كرة القدم الإنجليزية ربما كانت لها بعض المزايا. رويال لاعب جيد وذكي من الناحية الخططية، لكنه غير قادر على القيام بمهارتين أو أكثر في الوقت نفسه، بمعنى أنه من الصعب أن يركض ويرسل كرات عرضية، أو أن يطارد لاعب الفريق المنافس وينقض عليه ويستخلص الكرة، أو أن يسيطر على الكرة ويكون حائط صد أمام الفريق المنافس، وبالتالي فمن السهل أن ترى أنه يصاب بالارتباك والذعر سريعا، لأنه لا يستطيع التركيز سوى في شيء واحد فقط.
إنه ليس لاعبا سيئا، لكنه ليس من فئة اللاعبين الذين يستحقون أن تدفع 26 مليون جنيه إسترليني للتعاقد معهم، وليس من فئة اللاعبين الذين يمكنهم التألق تحت قيادة المدير الفني الإيطالي أنطونيو كونتي، أو من نوعية اللاعبين الذين يطمح توتنهام للتعاقد معهم، وهذا هو السبب في أن توتنهام مستعد الآن لدفع أموال أخرى لاستبدال أداما تراوري لاعب ولفرهامبتون به.
أما بالنسبة لآرسنال، فقد تعاقد بدلا من ذلك مع تاكهيرو تومياسو من بولونيا الإيطالي – ظهير أيمن يمتلك خبرات كبيرة ويتميز بالهدوء والتوازن، ولا يعرف الخوف، ويمتاز بقدرات هائلة في الكرات الهوائية، ويلعب بشكل بسيط وسلس. ويجب الإشارة هنا إلى أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يقرر فيها أرتيتا وآرسنال عدم اتخاذ الخيار السهل قصير المدى الذي يرضي الجماهير، لكنهما بدلا من ذلك يتخذان القرارات التي تصب في مصلحة النادي على المدى الطويل.
وسواء كان ذلك يتعلق بالاستراتيجية التي يتبعها النادي في انتقالات اللاعبين أو اختيار تشكيلة الفريق أو بقرار تجميد لاعبين كبار مثل مسعود أوزيل وبيير إيمريك أوباميانغ، فمن الواضح أن آرسنال يتبنى دائما وجهة نظر طويلة المدى، متجاهلا خطر السخرية من هذه القرارات على المدى القصير. وربما تكون هذه هي النقطة التي تعكس أكبر قدر من التناقض بين آرسنال وغريمه التقليدي في شمال لندن، توتنهام، والذي كان من المفترض أن يواجهه في الدوري الإنجليزي الممتاز يوم الأحد قبل أن يتم تأجيل اللقاء بناء على طلب من آرسنال نتيجة غياب عدد كبير من لاعبيه، سواء بسبب الإصابة أو فيروس كورونا أو الانضمام لمنتخبات بلادهم للمشاركة في نهائيات كأس الأمم الأفريقية. ومن الواضح للجميع الآن أن آرسنال يفضل اتخاذ الخيارات الصعبة التي تؤتي ثمارها على المدى الطويل، في حين يعتمد توتنهام على «العلاج بالصدمة» وردود الفعل المفاجئة والإصلاحات قصيرة المدى.
ويمتد هذا الاختلاف لما هو أبعد حتى من سوق انتقالات اللاعبين، وربما يكون أبرز مثال على ذلك هو أرتيتا نفسه، الذي يتولى قيادة آرسنال منذ عامين، في الوقت الذي تولى فيه تدريب توتنهام ثلاثة مديرين فنيين خلال هذه الفترة. لقد مر أرتيتا بفترات صعبة للغاية خلال السنتين اللتين قضاهما في منصبه، وتعرض آرسنال لثلاث هزائم متتالية في أغسطس (آب) الماضي في أسوأ بداية للفريق في أي موسم منذ عام 1954. ومع حلول فترة أعياد الميلاد في 2020 كان آرسنال يحتل المركز الخامس عشر ويُعتقد على نطاق واسع أنه يتجه نحو المراكز المؤدية للهبوط لدوري الدرجة الأولى. وفي كل مرة، كان الحل الأسهل يتمثل في إقالة أرتيتا، بحجة أنه لا يمتلك الخبرات الكافية وحتى يتم السيطرة على غضب الجماهير.
لكن بدلاً من ذلك، لم يدعم آرسنال أرتيتا فحسب، لكنه دعم رؤيته أيضا. وعلى عكس ما حدث مع رويال، تم التعاقد مع بن وايت وآرون رامسدال في الصيف بسبب إصرار أرتيتا على التعاقد معهما، ثم بدأ المدير الفني الإسباني في تجديد دماء الفريق بعد استبعاد عدد من اللاعبين الذين كانوا يلعبون بشكل أساسي، مثل ويليان وأوباميانغ وبيرند لينو وسياد كولاسيناتش. ومن المرجح أن يحدث الأمر نفسه مع ألكسندر لاكازيت وإدي نكيتياه في الصيف (ولم يتأثر أرتيتيا برحيل أبرز هدافي الفريق، في حين تأثر توتنهام كثيرا بسبب ما حدث مع هاري كين ورغبته في الرحيل). ولأول مرة منذ قدوم أرتيتا إلى ملعب الإمارات، بات هناك شعور بأن هذا هو الفريق الذي يريده المدير الفني الإسباني، حتى لو أدت الإصابات والمرض إلى غياب العديد من اللاعبين عن صفوف الفريق في الوقت الحالي.
وهذه هي النقطة الأساسية في هذا الصدد، حيث يعد آرسنال أحد الأندية القليلة التي يمكن أن تدخل نفسها في أزمة. في الواقع، هناك صناعة بأكملها تقوم على فكرة أن آرسنال في أزمة دائمة ويسعى باستمرار للبدء من جديد! وعلاوة على ذلك، فإن الهزيمة أمام نوتنغهام فورست في كأس الاتحاد الإنجليزي، والغياب المؤقت لتوماس بارتي ونيكولاس بيبي في كأس الأمم الأفريقية، والغموض المحيط بمستقبل نكيتيا ولاكازيت مع الفريق، تعد كلها عوامل يمكن أن تجعل أي ناد يفكر في التحرك بشكل سريع في فترة الانتقالات الشتوية الحالية، لكن آرسنال وأرتيتا يفكران بروية وتمهل ويدرسان الأمر جيدا من أجل اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة النادي على المدى البعيد.
إن أهم شيء يفعله آرسنال في الوقت الحالي هو أنه لا يفقد الثقة في نفسه أبدا. يمكن أن تكون النتائج خادعة، ويمكن أن يكون مركز آرسنال في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز لا يعكس المستويات الجيدة التي يحققها الفريق في الفترة الأخيرة، وما يبدو الحل الواضح الآن قد لا يبدو كذلك في مرحلة لاحقة، لكن الشيء الواضح للجميع الآن هو أن ما يفعله أرتيتا مع آرسنال هو الطريقة الحقيقية الوحيدة لبناء شيء يدوم على المدى الطويل. وعلى أقل تقدير، هناك شعور الآن بأن المدير الفني الإسباني الشاب يستحق القليل من الصبر!



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.