2021... الأغلبية الصامتة بكرة القدم وجدت صوتها أخيراً

أظهرت الاحتجاجات ضد بطولة دوري السوبر الأوروبي أنه عندما يتحد المشجعون واللاعبون فلا يمكن لأحد إيقافهم

جماهير مانشستر يونايتد احتشدت ضد ملاك النادي الداعمين لدوري السوبر (أ.ف.ب)
جماهير مانشستر يونايتد احتشدت ضد ملاك النادي الداعمين لدوري السوبر (أ.ف.ب)
TT

2021... الأغلبية الصامتة بكرة القدم وجدت صوتها أخيراً

جماهير مانشستر يونايتد احتشدت ضد ملاك النادي الداعمين لدوري السوبر (أ.ف.ب)
جماهير مانشستر يونايتد احتشدت ضد ملاك النادي الداعمين لدوري السوبر (أ.ف.ب)

من اللافت للنظر أن الموقع الإلكتروني الخاص ببطولة دوري السوبر الأوروبي لا يزال موجوداً ويعمل حتى الآن. فبعد ثمانية أشهر من إلغاء تلك المسابقة حتى قبل أن تبدأ، قد تعتقد أن مقترحيها سيكونون على استعداد لمحو كل آثار غطرستهم والإهانة التي تعرضوا لها بعد فشل مشروعهم. لكن لا يزال الموقع الإلكتروني للمسابقة يعمل حتى الآن ومكتوب عليه عبارة: «دوري السوبر الأوروبي هو مسابقة أوروبية جديدة بين 20 فريقاً كبيراً يتألف من 15 مؤسساً وخمسة أندية أخرى تتأهل من خلال التصفيات». حسناً، حظاً سعيداً مع هذا!
هناك بالطبع نظرية بديلة. فرغم كل شيء، لم تمت بطولة دوري السوبر الأوروبي تماماً بالمعنى التشريعي، ولا يزال الأمر كذلك بالتأكيد إذا كنت تصدق الاعترافات الصاخبة والمستمرة من قبل أندريا أنييلي في يوفنتوس، وخوان لابورتا في برشلونة، وفلورنتينو بيريز في ريال مدريد، وهم الرجال الثلاثة المتبقون الذين لا يزالون يفكرون في كيفية إعادة الحياة إلى البطولة من جديد.
في غضون ذلك، لم تختفِ الدوافع التي كانت وراء اقتراح إقامة بطولة دوري السوبر الأوروبي من الأساس - الجشع، وعدم المساواة، والنماذج المالية المتغيرة، وفيروس كورونا. وعندما نفكر في الأمر جيداً، ربما ندرك أن الموقع الإلكتروني للمسابقة لا يعمل سهواً، ولكنه بمثابة تحذير لنا جميعاً.
ربما كانت لعبة دوري السوبر الأوروبي لحظة نادرة من الانسجام في لعبة سامة من التعصب والطمع - وفي الحقيقة، يتطلب الأمر بعض الجهد لتوحيد المحللين واللاعبين والمديرين الفنيين وجهات بث المباريات والغالبية العظمى من الأندية وغالبية المشجعين، وتجعلهم في حالة من الاشمئزاز تجاه المنتج الذي كنت تعتزم تقديمه. لكن في الأيام والأسابيع التي تلت ذلك، تحدث المشجعون علناً عن ميثاق جديد في كرة القدم يكون أكثر إنصافاً ويضع المشجعين والمجتمعات في صميم تفكيره وعمله. ومع اقترابنا من نهاية واحدة من أكثر الأعوام صخباً وحقداً في تاريخ كرة القدم، كيف تسير الأمور؟
للإجابة عن هذا السؤال، دعونا نبدأ من نادي أولدهام، الذي منع ثلاثة من مشجعيه من دخول ملعب «باوندري بارك» بسبب «الترويج للكراهية» ضد مالك النادي، عبد الله لمساكم، قبل التراجع عن قراره وسط رد فعل عنيف واسع النطاق. وخلال السنوات الثلاث التي قضاها في منصبه، غير عبد الله تسعة مديرين فنيين، وتراجع النادي إلى المركز 23 في دوري الدرجة الثالثة. وخلال شرح الأسباب وراء قراره بمنع المشجعين الثلاثة (القرار الذي اتخذ من منزله في دبي)، قدم عبد الله هذا المنطق: «إذا لم يتصرفوا مثل أي شخص يشاهد المباراة فقط، فإنهم يستحقون المنع. إذا كنت تريد الاحتجاج، فلا أحد يستطيع إيقافك. لكن لماذا لا يمكنني حظرك أيضاً؟».
بطريقة ما، هذا هو الخطأ الآيديولوجي الأساسي لكرة القدم الحديثة: ما هو نادي كرة القدم وإلى من ينتمي؟ سيجيب أي شخص رومانسي عن هذا السؤال قائلاً إن النادي هو عبارة عن جمهوره وتاريخه، وما يقدمه اللاعبون والمدربون، لكن المشجعين يظلون في القلب من ذلك، وإن المُلاك ليسوا أكثر من مجرد مسؤولين يحافظون على المؤسسة للجيل القادم. قد يشعر المشجعون الثلاثة، الذين تم منعهم من دخول الملعب لفترة وجيزة قبل التراجع عن القرار، أن أولدهام هو ناديهم أكثر مما هو نادي الرئيس. لكن سجلات النادي ستحكي قصة مختلفة تماماً.
هذا هو السبب في أن أي محاولة لوضع إطار لاختلال توازن القوى في كرة القدم بين أحد الأندية الكبيرة ضد أحد الأندية الأصغر، أو حتى البطولات الكبيرة بالمقارنة بالبطولات الأصغر، غالباً ما تحجب كثيراً من الأشياء بقدر ما تكشف عنه. لقد كان جزء من المعارضة الآيديولوجية لبطولة دوري السوبر الأوروبي قائماً على فكرة كرة القدم كهرم: قيادة مترابطة، ليس فقط فيما يتعلق بالاستثمار ولكن أيضاً فيما يتعلق بالطموح والأمل. لكن ضمن هذا الإطار، يتم خوض جميع أنواع المعارك المعقدة الأصغر: بين مشجعين ومالكين، ومشجعين ومشجعين آخرين، ولاعبين وهيئات إدارية، وأندية ووكلاء لاعبين، وأندية وجهات بث المباريات، وجهات بث المباريات والمشجعين.
ويشير الخبير الاقتصادي بول ماسون إلى أن كرة القدم ليست هرماً بقدر ما هي «صراع طبقي» بين المشجعين واللاعبين من جهة، وصفوف الملاك وجهات بث المباريات والقطاع المالي والتكنولوجيا الكبيرة من جهة أخرى. فإذا كان أحد الأطراف يمتلك معظم الحماس والموهبة والعاطفة الإنسانية، فإن الجانب الآخر يمتلك كل شيء تقريباً. وبالنسبة للرأسمالية الحديثة، تعد كرة القدم في الأساس منتجاً يتم بيعه وتوليده وتنميته ونشره. أما أي شيء يصرف الانتباه عن هذا الهدف الأساسي - رفاهية اللاعبين، مشاعر المشجعين، انطلاق المباريات عند الساعة الثالثة مساء - فيجب منعه بالتبعية!
وكانت بطولة دوري السوبر الأوروبي تبلور وتجسد هذه الرؤية تماماً، من خلال التأكيد صراحةً عن النية لتحويل 65 عاماً من تاريخ كرة القدم الأوروبية إلى نوع من تدفق المحتوى القابل للاستبدال عند الطلب فيما يشبه «السيرك المغلق»، وهو الأمر الذي لم يرعب فقط المشجعين الموالين لـ«الإرث» القديم، ولكنه أثار الرعب أيضاً في نفوس المدافعين عن الوضع الراهن. لقد كان الرجوع للخلف متواضعاً، لكنه كان مهماً، حيث سيجتمع أول مجلس استشاري لمشجعي مانشستر يونايتد في يناير (كانون الثاني) بحضور جويل غليزر، كما أعلن ليفربول وتشيلسي عن خطط مماثلة. ولم يكن من الممكن أن يحدث أي شيء من هذا لولا الاقتراح المثير للجدل بإقامة بطولة دوري السوبر الأوروبي!
فهل هذه لحظة حاسمة؟ وهل شهد أصحاب أكبر الأندية تحولاً جذرياً إلى الديمقراطية؟ أم أنها كانت مجرد محاولة لدرء الإصلاحات بعيدة المدى التي اقترحتها المراجعة الحكومية التي قادها الجمهور، والتي تم الكشف عنها الشهر الماضي وتضم مقترحات لتشكيل هيئة تنظيمية مستقلة وفرض ضريبة على رسوم انتقالات اللاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز؟
إن رد الفعل العنيف على المقترحات الأخيرة من بعض ملاك الأندية - وصفها الرئيس التنفيذي لليدز يونايتد، أنغوس كينير، بأنها «ماوية» - يشير إلى أن أي تغيير ذي مغزى في اللعبة سوف يحدث بعد مقاومة شديدة. إلى جانب ذلك، ما الوسائل المتاحة للتغيير؟ الاتحاد الدولي لكرة القدم؟ الحكومات الوطنية؟ المقاطعة من قبل الجماهير؟ حظاً سعيداً مع أي من ذلك!
لكن الشيء المؤكد هو أن هناك رغبة في التغيير. فلم يعد كسر نموذج كرة القدم التقليدي للتشبع والنمو اللامتناهي رأياً فردياً، بل أصبح رأياً سائداً. وقال المدير الفني لريال مدريد، كارلو أنشيلوتي، في مقابلة أجريت معه مؤخراً: «كرة القدم يجب أن تتغير بسرعة. لقد انخفضت جودة العرض كثيراً. ولا يمكن للاعبين الوصول إلى مستويات أعلى بعد الآن. هناك حالة من الإرهاق والإصابات والمباريات التي تنتهي بنتيجة عشرة أهداف مقابل لا شيء. يجب أن ينتهي كل هذا، فقد طفح الكيل!»ـ، لقد أدلى أنشيلوتي بهذه التصريحات منذ فترة قصيرة، وليس قبل 20 عاماً أو حتى خمس سنوات!
لكن بالطبع يتفق الجميع على الحاجة إلى التغيير، لكن الاختلاف يتمثل في الاتجاه الذي يجب أن يذهب إليه هذا التغيير. فبالنسبة لأشخاص مثل بيريز، رئيس النادي الذي يعمل به أنشيلوتي، فإن الحل لعدم وجود منافسة قوية بين الأندية يتمثل ببساطة في أن يتوقف ريال مدريد عن اللعب أمام فرق مثل إلتشي وليغانيس، حيث قال بيريز في مقابلة صحافية في أبريل (نيسان) الماضي: «لا أعتقد أنه من الأكثر جاذبية مشاهدة فرق غير مألوفة». أما حل مشكلة إجهاد اللاعبين فتتمثل في تقليل زمن المباريات إلى 45 أو 60 دقيقة، مع كثير من الفواصل الإعلانية لجهات بث المباريات!
ربما تكون مسابقة دوري السوبر الأوروبي قد هُزمت، لكن أفكارها تواصل الانتصار في كل مكان. ففي أبريل الماضي، مرر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بهدوء اقتراحه بالشكل الجديد لدوري أبطال أوروبا الذي يضم 36 فريقاً والذي يوفر شبكة أمان أكبر للأندية الكبرى. ورغم أن يوفنتوس وباريس سان جيرمان فشلا في الحصول على لقبي الدوري في إيطاليا وفرنسا الموسم الماضي، فإن الأندية العملاقة في بلدان أخرى قد حصلت على الألقاب المحلية وبددت أي فكرة كانت تشير إلى أن تداعيات تفشي فيروس كورونا قد تؤدي إلى إزالة الفوارق ولو بشكل مؤقت بين الأندية.
لقد فاز نادي شريف تيراسبول بلقب الدوري في مولدوفا ستة مواسم متتالية، كما فاز ريد بول سالزبورغ بثمانية ألقاب على التوالي في النمسا، وبايرن ميونيخ بتسعة ألقاب على التوالي في ألمانيا، ولودوجوريتس بعشرة ألقاب على التوالي في بلغاريا. وفي جميع أنحاء أوروبا، تتعاون الأندية مع شركات العملات المشفرة بهدف وحيد هو زيادة الحصول على الأموال من المشجعين. وفي إنجلترا، تُجبر الأندية المصاب لاعبوها بفيروس كورونا على اللعب ثلاث مباريات في الأسبوع، لأنه لا يوجد شخص شجاع بما فيه الكفاية لكي يوقف هذه المهزلة!
ومع ذلك، وحتى في هذه الأيام القاتمة من منتصف الشتاء، ما زال من الممكن رؤية شيء أفضل، حيث أظهرت الاحتجاجات ضد فكرة إقامة بطولة دوري السوبر الأوروبي أنه عندما يتحدث المشجعون واللاعبون وعشاق كرة القدم الحقيقيون بصوت واحد، فلا يمكن حتى لأقوى الرجال في اللعبة التغلب عليهم.
وبعد ثمانية أشهر، ربما يكون كثير من تلك الطاقة الأولية قد انتشر وتبدد، لكن الإرادة لتغيير كرة القدم للأفضل لم تهدأ. وبمرور الوقت، قد نعود لننظر إلى عام 2021 باعتباره العام الذي وجدت فيه الأغلبية الصامتة لكرة القدم صوتها أخيراً.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.