لماذا يتعرض لاعبو كرة القدم للانتقادات لرفضهم تلقي لقاح فيروس كورونا؟

مع تأجيل بعض المباريات ترسخت فكرة أن اللاعبين خذلوا المجتمع رغم أن نسبة الملقحين منهم لا تختلف عن أي شريحة أخرى من الناس

TT

لماذا يتعرض لاعبو كرة القدم للانتقادات لرفضهم تلقي لقاح فيروس كورونا؟

نُشرت خلال هذا الأسبوع نتائج استطلاع رأي، أجرته مؤسسة «يوغوف» عن الأشخاص «الأكثر إعجاباً» على وجه الأرض، وتصدر قائمة الرجال باراك أوباما، أول رئيس أميركي من أصحاب البشرة السمراء. وجاء في المرتبة الثانية بيل غيتس، الذي تبرع بنحو 50 مليار دولار للأعمال الخيرية. لكن أكثر شخص تحسّن ترتيبه في هذه القائمة هو النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي جاء في المركز الثالث.
قد ينتقد البعض ذلك، خاصة أن رونالدو قد سبق كثيراً من الأسماء البارزة عالمياً من النشطاء وأصحاب الأعمال الخيرية. لكن النجم البرتغالي، على الجانب المقابل، يتمتع بقوام رشيق، ويمتلك سجلاً استثنائياً من حيث معدل الأهداف التي أحرزها بالنسبة للمباريات التي خاضها، فما الذي يجعل البعض ينتقد احتلاله لهذا المركز المتقدم في قائمة الأشخاص الأكثر إعجاباً على الكوكب؟
لكن القيمة الوحيدة لهذا النوع من الأشياء في الواقع هي توضيح مدى الارتباك الذي نعاني منه في الحكم على الأمور، فنجد من ينظر إلى لاعبي كرة القدم على أنهم فوق البشر أو أمراء، في حين ينظر إليهم آخرون على أنهم مجموعة من الوحوش أو الأشخاص المنحلين أخلاقياً.
إن احتلال رونالدو للمركز الثالث في قائمة أكثر الرجال إعجاباً في العالم يأتي وكأنه انعكاس لموجة أخرى من الشعور العام هذا الأسبوع، وهو أمر أكثر خطورة وجدية، لكنه متجذر في نفس الفئة الأساسية من الارتباك، ويتعلق هذا الأمر بالطبع بفيروس كورونا. فمع تكاثر الإصابات بالفيروس وتأجيل بعض المباريات، ترسخت الفكرة بأن لاعبي كرة القدم المحترفين يرفضون الحصول على اللقاح، وأنهم خذلونا ووقعوا فريسة لنظرية المؤامرة، والجهل، وبعض المفاهيم الاستثنائية الخاصة بهم.
لقد أصبح هذا الأمر حقيقة مقبولة الآن، ومادة ساخنة لكتابة مقالات رأي مدوية، أو انتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تلميحات وإشارات حول حماقة وجهل هؤلاء اللاعبين الأثرياء القادمين من فئات الطبقة العاملة. وهناك مطالبات بنشر أسماء اللاعبين الذين لم يحصلوا على اللقاح حتى الآن، بل حرمانهم من الحصول على رواتبهم في الفترات التي يغيبون فيها عن المباريات حال إصابتهم بفيروس كورونا، وإجبارهم على دفع نفقات أولئك الذين يخسرون بسبب إلغاء المباريات!
ربما يكون كل هذا جيداً، باستثناء حقيقة واحدة بسيطة تقوض كل هذا، وهي أن نسبة لاعبي كرة القدم الذين حصلوا على اللقاح ليست بعيدة تماماً عن نسبة الأشخاص العاديين الذين حصلوا عليه، فالحقيقة هي أن 68 في المائة من لاعبي كرة القدم قد حصلوا على جرعتين من اللقاح، وفقاً لآخر الإحصائيات، بما في ذلك الدوري الإنجليزي الممتاز.
وإذا نظرنا إلى الأمور بشكل أعمق، فسنجد أن هذه الأرقام هي نفسها للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً في المملكة المتحدة كلها. وبالتالي، فإن النتيجة النهائية هي أن لاعبي كرة القدم ليسوا متقاعسين، وليسوا حالة خاصة، لكنهم ببساطة مثل أي فئة أخرى في المجتمع.
بل ربما يمكننا أن نقول إن لاعبي كرة القدم يقومون بعمل أفضل من عامة الناس. فبعيداً عن كرة القدم، يعاني ربع الأشخاص في تلك الفئة العمرية من السمنة، وأقل من 20 في المائة بقليل يعانون من مشكلات صحية موجودة مسبقاً. لكن لا يوجد لاعبون يعانون من السمنة المفرطة، بل على العكس تماماً فهم أفضل فئة في البلاد من حيث اللياقة البدنية. وبالتالي، يكون من الطبيعي لهذه الفئة التي لا تعاني معظمها من مشكلات صحية أن تكون أقل رغبة من الفئات الأخرى في الحصول على اللقاح.
في ضوء ذلك، يحسب لهم أن نسبة حصولهم على اللقاح تعادل تقريباً نسبة حصول فئات المجتمع الأخرى على اللقاح. وبالتالي، فإن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو؛ متى يأتي الوقت الذي نتعامل فيه مع لاعبي كرة القدم على أنهم بشر مثل الآخرين؟
لقد أشار الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول إلى أنه لن يقدم على التعاقد مع أي لاعب يرفض تلقي التلقيح، كونه يشكل خطراً صحياً، وسار على دربه كل من ستيفن جيرارد مدرب أستون فيلا، ونظيره في كريستال بالاس باتريك فييرا، مؤكدين أنهما سيضعان في الاعتبار عند التعاقد مع لاعبين جدد أنهم لا يرفضون فكرة التلقيح. هذا هو رأيهم، لكن هل يجب أن نقف ضد كل من هو رافض للقاح؟ قال كلوب: «فكرت في الأمر وهذا الجانب (اللقاح) سيكون محورياً بالتأكيد حال أقدمنا على التعاقد مع أي لاعب جديد... في حالة وجود لاعب لم يحصل على أي جرعة من اللقاح فإنه يشكل تهديداً مستمراً لنا جميعاً، في مثل هذا الموقف سيكون الأمر صعباً للغاية». وأشار إلى أن التطعيم ضد الفيروس يجب أن يكون إلزامياً «من الناحية الأخلاقية».
كما صدر تحذير تهديدي بأن أندية الدوري الإنجليزي الممتاز تخشى أن تفرض الحكومة حظراً على اللاعبين غير الملقحين، في وقت حثّ فيه السلوفيني أليكسندر سيفرين، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، لاعبي الأندية والمنتخبات بالقارة على التلقيح ضد فيروس كورونا.
وقال سيفرين: «يتعين علينا دعم الحصول على اللقاح وسنقوم بذلك. ليست لدينا القوة لإجبار أي شخص على التطعيم، لكن سنروج للأمر لشرح سبب أهمية اللقاح والتأكيد على ندرة آثاره الجانبية». وذكرت تقارير أن نادي بايرن ميونيخ، حامل لقب الدوري الألماني في المواسم التسعة الأخيرة، اتخذ موقفاً متشدداً بشكل خاص ضد اللاعبين غير الملقحين، مع ادعاءات بأنه سيخفض أجور أي شخص اضطر للخضوع للحجر الصحي، ولم يكن محصناً. وتردد أن 5 من لاعبي بايرن، من بينهم جوشوا كيميتش، تأخروا في تلقي اللقاح، بينما ظهر تقرير في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي يشير إلى أن كثيراً من أعضاء المنتخب الإنجليزي ما زالوا غير ملقحين.
ورضخ كيميتش الذي سبق أن أعلن إصابته بالفيروس للضغط، وأعلن أنه سيتلقى التطعيم قريباً.
أنا مؤيد تماماً للحصول على كل اللقاحات، ومع تناول كل الأدوية اللازمة للعلاج من المرض، لأنني لا أحب أن أموت مريضاً، وبالتالي سأحصل على أي لقاح أو دواء يحميني من الأمراض. لكنني رغم ذلك، أمضيت 30 عاماً وأنا أشرب الخمر وأدخن، وأغلقت شراييني بلحوم الحيوانات التي تتغذى على الستيرويد، فضلاً عن الهواء السام الذي نستنشقه، والطين الصناعي، والمواد البلاستيكية الدقيقة التي تدخل أجسامنا! فلماذا نرفض إذا تناول جرعة من لقاح تقول الهيئات الصحية إنه سوف يحمينا من المرض؟
إذا، ما الذي نستخلصه من كل هذا؟ أولاً، قد يكون من الجيد التوقف عن اعتبار لاعبي كرة القدم أنهم فوق البشر، لكن في نفس الوقت لا يجب اتهامهم بسبب الغضب من رفض بعضهم الحصول على لقاح فيروس كورونا بأنهم مجموعة من البلطجية أو الأغبياء أو العمال الذين يحصلون على مبالغ مالية طائلة، أو أن نوجه لهم انتقادات غير عادلة، بل يجب علينا أن نتعامل معهم على أنهم مجموعة عادية مثل بقية الناس.
وأخيراً، فإن كرة القدم جيدة في تعليمنا أشياء أخرى، مثل أنه من السيئ للغاية أن تتخذ موقفاً عدائياً أو منحازاً في أي قضية. وعندما نفكر في الأمر جيداً، سنجد أنه من المثير للسخرية أن نحكم على مجموعة من الأشخاص يطلق عليهم اسم «لاعبي كرة القدم» (السمة المشتركة الوحيدة بينهم هي أنهم يجيدون لعب كرة القدم)، ولا نتعامل معهم على أنهم مجموعة من البشر مثلنا جميعا!
إن ما تخبرنا به هذه البيانات هو أن لاعبي كرة القدم، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً، قد وقعوا ضحية لموجة من المعلومات المحيرة. وفي أثناء كل هذا، خاطر اللاعبون للترفيه عنا، وبذلوا أقصى جهد لديهم داخل الملعب وركضوا بلا هوادة في فترة طوارئ عالمية لأمراض الرئة والقلب! هل هذا يبدو معقولاً؟ هل هناك أي فهم حقيقي للمخاطر على المدى الطويل؟ بالطبع لا! وبالتالي، يجب أن يكون هؤلاء اللاعبين محل تقدير وإعجاب لما يقدمونه!


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.