التعامل برقّة ولين مع اللاعبين أحد مشكلات سولسكاير في مانشستر يونايتد

فيرغسون المعلّم العظيم لتلميذه النرويجي كان بارعاً في اتباع سياسة العصا والجزرة أو الترهيب والترغيب

TT

التعامل برقّة ولين مع اللاعبين أحد مشكلات سولسكاير في مانشستر يونايتد

يمكن وصف المدير الفني لمانشستر يونايتد أولي غونار سولسكاير بأنه ذلك «السيد اللطيف» الذي يقف بأناقة بجوار خط التماس، لكن هذا السلوك الهادئ للغاية يؤدي إلى نتائج عكسية، فلا يمكنك مثلاً أن تتذكر أي موقف لسولسكاير وهو يوبخ فيه أحد لاعبيه بسبب عدم قيامه بواجبه أو ارتكابه خطأ خلال إحدى المباريات. لكن ما أهمية ذلك؟ الإجابة بسيطة للغاية؛ وهي أن هذا السلوك يجعل اللاعبين - حتى من دون وعي - يتعاملون مع الأمور باستخفاف بعض الشيء، أو لا ينفذون التعليمات بالشكل المطلوب، لأنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أنه لن يلومهم أحد. لكن من الضروري أن يقوم أي مدير فني بإلقاء محاضرة قوية بين شوطي المباراة أو أن يتحدث بقوة ليثير الحماس والغضب في نفوس لاعبيه، وإلا سيتراجع الأداء.
لقد كان المعلم العظيم لسولسكاير، وهو السير أليكس فيرغسون، بارعاً جداً في اتباع سياسة العصا والجزرة، أو الترهيب والترغيب، لمساعدة لاعبيه في تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب، ولوضع اللاعبين المغرورين تحت السيطرة، للدرجة التي جعلته يُلقب بـ«مجفف الشعر» بسبب تعنيفه الشديد للاعبين في حال الخسارة أو ارتكاب أخطاء داخل الملعب. لقد كان المدير الفني الاسكوتلندي يعرف جيداً أنه إذا لم يتبع تلك الطريقة في التعامل مع لاعبيه وقت الحاجة فإنه قد يفقد السيطرة على الأمور: أولاً من اللاعبين، ثم من أعضاء مجلس الإدارة الذين سيبدأون في التفكير فيما إذا كان هو الرجل المناسب لهذا المنصب أم لا.
ويعد هذا الأمر مهماً للغاية بالنسبة لسولسكاير في الوقت الحالي، لأن مانشستر يونايتد قبل فترة التوقف الدولي قدم مستويات سيئة للغاية وخسر ثلاثاً من مبارياته الست السابقة؛ أمام يانغ بويز السويسري في دوري أبطال أوروبا، ثم أمام وستهام وأستون فيلا، كما تعادل مع إيفرتون، قبل أن يخسر مباراته الأخيرة أمام ليستر سيتي بأربعة أهداف مقابل هدفين.
وحمّل سولسكاير نفسه مسؤولية الأداء المتواضع أمام ليستر سيتي والبقاء دون فوز للمباراة الثالثة على التوالي في الدوري الإنجليزي. وكانت هذه أول خسارة ليونايتد خارج أرضه في الدوري بعد 29 مباراة متتالية، لتحوم الشكوك حول إمكانية المنافسة على لقب الدوري لأول مرة منذ 2013 عندما توج آنذاك مع المدرب المخضرم فيرغسون. وقال سولسكاير بعد مباراة ليستر: «عندما تنظر إلى المباراة، استقبلنا الأهداف الأربعة بشكل سيئ. بالنظر إلى طريقة لعبنا، فنحن لا نستحق مواصلة الحفاظ على السجل الخالي من الهزيمة خارج الأرض». وأضاف: «أنا أختار التشكيلة. هاري مغواير لم يكن يعاني من أي آثار للإصابة، وأنا أتحمل المسؤولية في حال أن الاختيار لم ينجح. من المحتمل أكون قد اتخذت بعض القرارات الخاطئة». وتابع: «في الفترة الأخيرة مستوانا ليس جيداً، وفقدنا كثيراً جداً من النقاط، وهذا الشيء يجب أن نحاول إصلاحه. ربما ينبغي علينا إجراء تغييرات، فهل نحتاج إلى مزيد من اللاعبين؟ ماذا نحتاج؟». وكان مغواير، الذي تعرض لإصابة في الساق خلال الخسارة أمام أستون فيلا الشهر الماضي، مرشحاً للغياب عن مواجهة ليستر، لكنه عاد إلى التشكيلة الأساسية وظهر بشكل متواضع ضد فريقه السابق.
ولم يظهر كريستيانو رونالدو بشكل جيد أيضاً وافتقر للمسة الحاسمة، كما أخفق جادون سانشو المنضم في صفقة ضخمة هذا الموسم في ترك بصمة، وخرج في الشوط الثاني واشترك ماركوس راشفورد بدلاً منه. ويعتقد سولسكاير أن صاحب الأرض استحق بالفعل الفوز. وقال المدرب النرويجي: «لن أتقدم بأي أعذار للفريق الذي أشركته. هم لاعبون من الطراز الرفيع ونحن لم نلعب بالشكل المطلوب. لم يكن الأداء جيداً ومن المحبط استقبال هدفين من ركلتين ثابتتين».
وفي مباراة إيفرتون، سجل أندروس تاونسند هدف التعادل بعد أخطاء دفاعية فادحة من كل من فريد ولوك شو وفيكتور ليندلوف وآرون وان بيساكا. ورغم ذلك، التقطت عدسات التلفزيون سولسكاير وهو يبتسم قرب نهاية هذه المباراة التي كانت نتيجتها سيئة، والتي جاءت أيضاً بعد الخسارة أمام أستون فيلا على ملعب «أولد ترافورد» بهدف دون رد، وهي النتائج التي ستؤثر كثيراً في قدرة الفريق على المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز، إذا كان يسعى حقاً لذلك!
وبعد ذلك، وجه سولسكاير الانتقادات للاعبيه، عندما قال إن مانشستر يونايتد كانت لديه «أعداد كافية» من اللاعبين (شو وليندلوف ووان بيساكا وفريد) لإيقاف تاونسند، معترفاً بأن فريقه افتقر أيضاً إلى الشراسة الهجومية. لقد كان المدير الفني النرويجي محقاً تماماً في ذلك، لكن لماذا لم يُظهر سولسكاير قلقه وانزعاجه خلال المباراة لكي يبعث برسالة واضحة للاعبيه بأنه لا يمكن القيام بهذا وأنهم المسؤولون عن هذا الهدف؟ لكن في هذه المباراة - كما الحال في جميع المباريات الأخرى - يظل سولسكاير جالساً في مقعده ولا يظهر أي رد فعل لبث الحماس في نفوس لاعبيه.
هذا لا يعني أنه لا يهتم بما يحدث داخل الملعب، لكنه يظل هادئاً طوال المباراة، ويجب أن يعرف أن أفضل المديرين الفنيين هم الذين يعرفون كيف يتعاملون مع كل موقف على حدة وقت حدوثه ولا يكون رد فعلهم ثابتاً في جميع المواقف. ومع ذلك، لا يبدو سولسكاير مرتاحاً في الملعب، ولا يبدو قادراً على توجيه لاعبيه وقت اللزوم، على غرار ما يقوم به المدير الفني لليفربول، يورغن كلوب، أو المدير الفني لمانشستر سيتي، جوسيب غوارديولا، على سبيل المثال.
ويعود السبب في ذلك إلى الطبيعة الشخصية للمدير الفني النرويجي، حيث تعتمد طريقته في التعامل مع لاعبيه على فكرة أنه من الممكن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من إمكانات اللاعبين إذا لعبوا بأريحية وبعيداً عن الضغوط. لقد أتت هذه الطريقة بثمارها مع كثير من لاعبي مانشستر يونايتد (بالإضافة إلى أولئك الذين لعبوا في السابق تحت قيادة سولسكاير في مولده النرويجي وكارديف سيتي)، وكانت النتيجة الطبيعية هي أن هؤلاء اللاعبين يحبون سولسكاير ويريدون القيام بأي شيء من أجله.
لكن المستويات والنتائج الأخيرة لمانشستر يونايتد تشير بوضوح إلى أن سولسكاير يجب أن يكون أكثر شراسة في التعامل مع لاعبيه. وهناك مثال آخر على ذلك في المباراة التي فاز فيها مانشستر يونايتد على فياريال على ملعب «أولد ترافورد»، قبل ثلاثة أيام من مواجهة إيفرتون، عندما تلاعب لاعب فياريال، أرنو دانغوما، بديوغو دالوت خلال الشوط الأول للمباراة.
لقد كان من الواضح للجميع أنه يجب استبدال دالوت بين شوطي المباراة بعد هذا الأداء الكارثي، لكن سولسكاير فاجأ الجميع بإشراك دالوت في الشوط الثاني، قبل أن يتلاعب به دانغوما مرة أخرى ويصنع هدفاً لباكو ألكاسير. إن عدم اتخاذ سولسكاير قراراً بإخراج دالوت من الملعب وتركه بهذا المستوى السيئ طوال المباراة، لا يقل سلبية عن إحجامه عن تعنيف لاعبيه في حال ارتكابهم أي أخطاء، وهي الأمور التي من المؤكد أن لاعبي الفريق يلاحظونها ويفهمونها جيداً.
من المؤكد أن سولسكاير شخص ماهر وذكي، وأن فيرغسون اختاره من بين عدد كبير من اللاعبين المميزين الذين تولى تدريبهم ورأى أنه الشخص القادر على قيادة نادٍ عملاق بحجم مانشستر يونايتد. لكن يبدو أنه يفتقد عنصراً حيوياً من شخصية المدير الفني الاسكوتلندي العظيم، وهي أن يتعامل مع اللاعبين بشراسة وقت اللزوم وأن ينفجر في وجوههم في بعض الأوقات حتى يقدمون الأداء المطلوب. وإذا كان سولسكاير قادراً حقاً على القيام بذلك، فربما يفعل ذلك في المنزل أو داخل غرفة خلع الملابس ولا نعلم نحن شيئاً عن ذلك! إننا لا نطالب سولسكاير بأن يغضب دائماً وأن يعامل لاعبيه بعصبية مفرطة، لكننا نطالبه بأن يقف في المنطقة الفنية ويوجه لاعبيه، كما يفعل كلوب وغوارديولا، لأن ذلك جزء أساسي من أسلحة أي مدير فني ناجح.
من المؤكد أن جميع مشاكل مانشستر يونايتد لن تحل إذا استمع سولسكاير إلى هذه النصيحة وقام بذلك، لكن بعد الخسارة أمام ليستر سيتي سيلعب الفريق مواجهات من العيار الثقيل على مدار ثلاثة أسابيع أمام أتالانتا وليفربول وتوتنهام وأتالانتا مرة أخرى ومانشستر سيتي. قد يفكر سولسكاير في هذا الأمر في مرحلة ما، لكن يتعين عليه أن يعرف أنه إذا لم يغير من طريقة إدارته للمباريات بمرور الوقت فإننا قد لا نرى هذا «السيد اللطيف» على رأس القيادة الفنية للشياطين الحمر قريباً!


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.