موهبة محمد صلاح الاستثنائية... هل تستحق إعادة تقديرها؟

أمام ليفربول خياران: التمسك بهيكل الأجور أو الحافظ على اللاعب ومخالفة استراتيجيته

صلاح تلاعب بدفاع سيتي وهز شباكه وأنقذ فريقه من الهزيمة (إ.ب.أ)
صلاح تلاعب بدفاع سيتي وهز شباكه وأنقذ فريقه من الهزيمة (إ.ب.أ)
TT

موهبة محمد صلاح الاستثنائية... هل تستحق إعادة تقديرها؟

صلاح تلاعب بدفاع سيتي وهز شباكه وأنقذ فريقه من الهزيمة (إ.ب.أ)
صلاح تلاعب بدفاع سيتي وهز شباكه وأنقذ فريقه من الهزيمة (إ.ب.أ)

قبل وقت قصير من إحراز مانشستر سيتي هدف التعادل في مرمى ليفربول عن طريق فيل فودين في الدقيقة الـ69 من عمر اللقاء الذي أقيم على ملعب «آنفيلد» - في المرحلة السابعة من بطولة الدوري الإنجليزي قبل فترة المواجهات الدولية - لتصبح النتيجة التعادل بهدف لكل فريق، كان مانشستر سيتي يسيطر على المباراة تماماً، من حيث عدد التسديدات والتمريرات والكرات العرضية والمراوغات، لكنه كان عاجزاً عن الوصول لمرمى «الريدز».
وفي خضم كل هذا؛ كان هناك شعور معتاد بأن لاعباً واحداً في صفوف ليفربول يمكنه دائماً قلب الطاولة على الجميع وتغيير نتيجة اللقاء في أي وقت، وهو النجم المصري محمد صلاح، الذي قدم مستويات مذهلة في هذه المباراة. لقد كان هذا اللقاء مهماً من جوانب أخرى، حيث صادف الأسبوع الذي أقيمت فيه المباراة الذكرى السنوية السادسة لتعيين المدير الفني الألماني يورغن كلوب على رأس القيادة الفنية لليفربول. وبحلول نهاية العام الحالي، سيكون كلوب قد قضى في قيادة ليفربول فترة أطول من جميع المديرين الفنيين الذين تولوا تدريب ليفربول منذ الحرب العالمية الثانية، باستثناء بوب بيزلي وبيل شانكلي.
في الحقيقة؛ تعدّ الشراكة بين كلوب وليفربول ناجحة للغاية، خصوصاً أن المدير الفني الألماني قد نجح في تحقيق العديد من الإنجازات في الوقت الحاضر، في الوقت الذي لا يزال يميل فيه إلى تمجيد الماضي! وقدم صلاح لمحة استثنائية في الدقيقة الـ76 من عمر اللقاء، عندما أحرز هدفاً مذهلاً. لقد تسلم صلاح الكرة من كورتيس جونز بالقرب من خط التماس ناحية اليمين، وكان أول شيء يتعين عليه هو الهروب من جواو كانسيلو، الذي انقض على صلاح بقوة لاستخلاص الكرة، وهو يفكر ربما في شن هجمة مرتدة سريعة بمجرد استخلاص الكرة، لكن يبدو من الواضح أن كانسيلو لم يقدر قوة صلاح كما ينبغي، حيث راوغه اللاعب المصري ومر منه.
ورغم أن صلاح ليس لاعباً طويلاً؛ إذ يصل طوله إلى 1.75 متر فقط، فإنه يتحلى بقوة بدنية كبيرة ولا يخسر مثل هذه التدخلات في كثير من الأحيان، ويفعل ذلك بذكاء كبير، بدليل أنه لم يحصل إلا على بطاقة صفراء واحدة الموسم الماضي. تسلم صلاح الكرة بشكل رائع، واستدار ليصبح في مواجهة المرمى، ثم قدم لمحة استثنائية، حيث سحب الكرة بقدمه ليمر بطريقة سحرية من برناردو سيلفا في مساحة ضيقة للغاية، وهو الأمر الذي يعكس مهارة صلاح وقوته البدنية في الوقت نفسه. ومع ذلك؛ كان لا يزال هناك 4 قمصان زرقاء بين صلاح ومرمى مانشستر سيتي، لكن اللاعب المصري كان يتحرك الآن، وبدأ الجمهور في المدرجات يتفاعل ولديه شعور بأن شيئاً استثنائياً على وشك الحدوث.
سيكون صلاح في الثلاثين من عمره الصيف المقبل، وسيتبقى له عامان على عقده مع ليفربول، والذي يخضع حالياً للمراجعة. وسجل اللاعب المصري 9 أهداف وصنع 3 أهداف أخرى هذا الموسم. وخلال مسيرته مع ليفربول، سجل 135 هدفاً، وصنع 43 هدفاً، في 212 مباراة، وحصل على «الحذاء الذهبي» هدافاً للدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، كما أنه أفضل لاعب في تاريخ ليفربول منذ الحرب العالمية الثانية من حيث نسبة الأهداف في كل مباراة. لقد تحول اللاعب المصري إلى آلة لا تتوقف عن إحراز الأهداف.
وتشير تقارير إلى أن ممثلي صلاح يطالبون بالتكافؤ في الأجور مع نجوم وسط مانشستر سيتي؛ فعلى سبيل المثال يحصل النجم البلجيكي كيفين دي بروين على 380 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع، بينما يحصل جاك غريليش على 300 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع. وفي المقابل، يحصل صلاح، الذي كان أحد أهم أسباب فوز ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، على 200 ألف جنيه إسترليني فقط في الأسبوع. ويعدّ المدافع الهولندي فيرجيل فان دايك أعلى لاعبي ليفربول أجراً بـ220 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع.
قد تكون هذه المبالغ غريبة بمعزل عن غيرها، لكن اللاعبين الموهوبين دائماً ما يكونون محط أنظار واهتمام الجميع في السوق. والآن؛ يتعين على ليفربول أن يختار: إما يؤكد على أن لديه استراتيجية واضحة وهيكلاً للأجور لا يمكن المساس به أو تجاوزه، وإما يحتفظ بصلاح ويخالف هذه الاستراتيجية. لكن ليفربول يفكر أيضاً في أن الموافقة على طلبات صلاح سوف تؤدي إلى تسارع زيادة الأجور داخل النادي، ويرى أيضاً ما حدث لنادٍ مثل برشلونة نتيجة لذلك، كما يضع في الحسبان تقدم صلاح في العمر والتراجع المفترض في مستواه خلال السنوات القليلة المقبلة.
لكن هناك أنواعاً أخرى من المنطق أيضاً، فيجب ألا ننسى أن صلاح ظاهرة غريبة ولاعب مختلف عن الآخرين، بالإضافة إلى أنه أفضل لاعب في صفوف ليفربول في تلك السنوات الست التي تولى فيها كلوب قيادة الفريق، لدرجة أنه يمكن أن نطلق على هذه الفترة اسم «عصر صلاح». في الحقيقة، من الصعب للغاية تذكر لاعبين آخرين كان لهم مثل هذا التأثير الهائل على أنديتهم. لقد كان لدى المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد، السير أليكس فيرغسون، لاعب فذ مثل إريك كانتونا، كما أدى وصول يايا توريه إلى مانشستر سيتي إلى تحويل النادي من مشروع يبعث على الأمل إلى ناد يمتلك ثقافة النجاح. لقد كان الموسم الأول لصلاح في ليفربول هو الموسم الثالث لكلوب على ملعب «آنفيلد»، لكن اللاعب المصري قلب الأمور رأساً على عقب فور وصوله وقاد النادي في أول مواسمه للتقدم من المركز الثامن إلى المركز الرابع في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز.
وفي العام الأول لصلاح في ملعب «آنفيلد»، سجل ليفربول 135 هدفاً، ووصل إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا. وفي ثاني مواسمه، حصل ليفربول على 97 نقطة في الدوري الإنجليزي الممتاز، وفاز بلقب دوري أبطال أوروبا. وفي الموسم الثالث، فاز ليفربول بلقب الدوري. وفي الموسم الرابع، انهار الفريق في وسط الموسم، لكن صلاح حافظ على تألقه وأحرز 31 هدفاً، وقاد الفريق لإنهاء الموسم في المركز الثالث في جدول الترتيب. لقد كانت هناك رغبة في الأيام القليلة الماضية للإشارة إلى أن صلاح لم يتم تقديره كما ينبغي رغم تحقيقه كل هذه الإنجازات، لكن الحقيقة هي أن كل من يشاهد اللاعب المصري يدرك على الفور أنه لاعب استثنائي.
وبالعودة إلى الهدف الاستثنائي الذي أحرزه صلاح في مرمى مانشستر سيتي، فقد تلاعب اللاعب المصري بدفاعات «السيتيزنز»، خصوصاً إيمريك لابورت، حيث تظاهر صلاح بأنه سيسدد الكرة قبل أن يراوغ المدافع الفرنسي بطريقة رائعة. لقد تلاعب صلاح بأربعة مدافعين من مدافعي مانشستر سيتي وأخرجهم من اللعب تماماً في غضون 5 ثوانٍ لمس خلالها الكرة 9 مرات في مسافة تصل إلى 20 ياردة.
وفجأة، أصبح إيدرسون هو العقبة الوحيدة المتبقية عندما اقترب صلاح من حافة منطقة الست ياردات، ثم أخذ صلاح خطوتين سريعتين للحفاظ على توازنه. لقد سدد صلاح الكرة بقوة بقدمه اليمنى لتتجاوز إيدرسون وتهز الشباك. لقد تجاوز صلاح 4 لاعبين والمباراة تقترب من نهايتها، لكنه كان لا يزال يمتلك القوة البدنية والذهنية التي تمكنه من تسديد الكرة بكل قوة بقدمه اليمنى الضعيفة.
وبالتالي؛ فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن هو: ما الذي يجب القيام به مع هذا النوع من المواهب، ومع المشاعر التي تنتابنا ونحن نشاهده يتألق داخل المستطيل الأخضر؟ وكيف نقيم ذلك؟ لقد تلقى كلوب إشادات هائلة من كشافة النادي بشأن صلاح قبل أن يتعاقد معه ليفربول. لكن حتى خلال تلك الأشهر القليلة الأولى لصلاح في ملعب «آنفيلد»، كانت المستويات الاستثنائية التي يقدمها اللاعب المصري بمثابة مفاجأة للجميع. وكان كثيرون يعتقدون أن هذه المستويات المذهلة لن تدوم طويلاً وأنها ستنتهي بطبيعة الحال، لكن اللاعب المصري حافظ على تألقه وظل يقدم هذه المستويات حتى الآن.
لقد وضع ليفربول استراتيجيته المتعلقة بالعقود على افتراض أن مستوى لاعبي كرة القدم سوف يتراجع بعد سن الثلاثين، وأنه سيكون من غير الجيد منح راتب مرتفع للاعب يتراجع مستواه. لكن لماذا يتم تطبيق هذه القاعدة على صلاح؟ إنه يقدم مستويات مذهلة بشكل مخيف، ويعيش حياة رياضية مثالية. لقد تطور مستوى صلاح بشكل جيد للغاية، حيث أصبح أفضل فيما يتعلق باللمسة الأخيرة، ومستوياته الفنية، وتسديداته، ورؤيته للمساحات الخالية، وهو أمر مثير للإعجاب.
وفي الوقت الحالي، يظل صلاح لاعباً مؤثراً للغاية؛ سواء عندما يلعب على ملعب فريقه وخارجه، وفي الدوري وفي الكأس، وفي أي مسابقة أخرى. ويدرك الجميع أن ما يقدمه صلاح على مدار 4 سنوات، خصوصاً بأهدافه الحاسمة، قد لعب دوراً أساسياً في الحفاظ على سفينة النادي في بر الأمان، حتى عندما كانت تبدو في مهب الريح!
لا يزال ليفربول في حالة توازن جيد، وتشير الإحصاءات إلى أن صافي الإنفاق على التعاقدات يقترب من الصفر منذ الموسم الذي أنفق فيه النادي بشكل كبير على تدعيم صفوفه قبل 3 سنوات. لكن ليفربول لم يخسر منذ خسارته خارج ملعبه أمام ريال مدريد في بداية أبريل (نيسان) الماضي، وما زال النادي ينافس في 4 بطولات. وبالتالي؛ يمكن لهذا الفريق المتمرس أن يسعى لتحقيق المجد دون ضغط أو خوف مع دخولنا العام السابع من ولاية كلوب. لكن يبقى صلاح هو المحفز الأساسي لهذا الفريق. وإذا كان لدى مالكي ليفربول أي فهم لهذه اللعبة، فسوف يفعلون كل ما في وسعهم للحفاظ على هذا اللاعب، الذي أدى وجوده إلى تحديد حقبة من نجاح النادي وعودة السعادة إلى أركانه، كما كان خير عائد للاستثمارات المالية للنادي.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.