الدوري الإنجليزي يستعرض قوته المالية بينما تتواصل المعاناة في إسبانيا وإيطاليا

الأندية الكبرى في إنجلترا أنفقت 1.35 مليار جنيه إسترليني في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة

غريليش أول لاعب بريطاني يباع مقابل 100 مليون جنيه إسترليني (غيتي)
غريليش أول لاعب بريطاني يباع مقابل 100 مليون جنيه إسترليني (غيتي)
TT

الدوري الإنجليزي يستعرض قوته المالية بينما تتواصل المعاناة في إسبانيا وإيطاليا

غريليش أول لاعب بريطاني يباع مقابل 100 مليون جنيه إسترليني (غيتي)
غريليش أول لاعب بريطاني يباع مقابل 100 مليون جنيه إسترليني (غيتي)

بعد صيف شهد وساطة شركة «آي سي إم ستيلار سبورتس» في الصفقة التي جعلت جاك غريليش أول لاعب بريطاني يباع مقابل 100 مليون جنيه إسترليني، كانت الساعات الأخيرة من فترة الانتقالات الصيفية مشغولة للغاية، حيث تم الكشف عن انتقال دانييل جيمس إلى ليدز يونايتد قادماً من مانشستر يونايتد مقابل 24 مليون جنيه إسترليني، ووقع عميل آخر لهذه الشركة - الدولي الفرنسي إدواردو كامافينغا البالغ من العمر 18 عاماً - عقداً لمدة ست سنوات مع ريال مدريد.
ومع اقتراب الموعد النهائي لغلق فترة الانتقالات الصيفية، كان هناك أيضاً تأكيد على أن اثنين آخرين من عملاء الشركة – ساؤول نيغيز وأودسون إدوارد - قد أكملا انتقالهما إلى تشيلسي وكريستال بالاس على التوالي، لتكون بذلك أندية الدوري الإنجليزي الممتاز قد أنفقت نحو 1.35 مليار جنيه إسترليني على انتقالات اللاعبين منذ فتح نافذة الانتقالات في يونيو (حزيران)، وهو ما يعني الكثير بالنسبة لكرة القدم الإنجليزية، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبعد التداعيات المالية لتفشي فيروس كورونا.
ومنذ الأول من يناير (كانون الثاني)، كان يتعين على جميع اللاعبين الذين انتقلوا من دول الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا الحصول على موافقة من الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لكي يحصلوا على تصريح عمل، كما تم منع الأندية الإنجليزية من التعاقد مع لاعبين أجانب أقل من 18 عاماً. وقد أظهرت عودة المهاجم البلجيكي روميلو لوكاكو إلى تشيلسي مقابل 97.5 مليون جنيه إسترليني، وتعاقد مانشستر يونايتد المفاجئ مع النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، أن أندية القمة في الدوري الإنجليزي الممتاز لديها أموال أكثر من أي وقت مضى.
يقول جوناثان بارنيت، الذي أسس شركة «ستيلار» مع ديفيد ماناساه في عام 1993 وما زال يدير الشركة رغم بيعها لوكالة الترفيه «آي سي إم بارتنرز» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، العام الماضي: «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يُحدث فرقاً بالنسبة لنا. لقد كانت عملية سلسة، لكننا أكبر وكالة في العالم». ويضيف: «ربما أصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لبعض اللاعبين، لأنهم اعتادوا على التحرك أكثر قليلاً، وهو الأمر الذي أصبح أكثر صعوبة الآن. لكننا لم نواجه أي مشاكل، ولدينا لاعبون جيدون، وإذا كانوا مطلوبين هنا في إنجلترا فلا توجد أي مشكلة».
ووفقاً لعمر شودري، كبير مسؤولي المعلومات بشركة «تونتي فرست كلوب» للاستشارات التي تعمل مع العديد من الجهات الرائدة في أوروبا، تُظهر بيانات فترتي الانتقالات الأخيرتين في يناير الماضي وفترة الانتقالات الصيفية الأخيرة أن مستويات النشاط في الجزء العلوي من السوق مماثلة لما كانت عليه قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وقبل تفشي فيروس كورونا. ومع ذلك، كان هناك انخفاض ملحوظ في الجزء السفلي من السوق.
ويقول: «إذا نظرت إلى حجم صفقات اللاعبين التي تزيد على 20 مليون يورو أو 30 مليون يورو، فالأمر لم يختلف عما كان عليه من قبل، لكن كان هناك انهيار هائل في السوق أقل من ذلك - على وجه الخصوص في الصفقات حتى 10 ملايين يورو. يعود الأمر إلى أن الأندية الكبيرة لديها أموال أكثر، بالإضافة إلى أن الأندية الأصغر لديها حالة من الشك وعدم اليقين فيما يتعلق بعائداتها المالية المستقبلية. وإذا هبط أي نادٍ من الدوري الإنجليزي الممتاز، فمن الواضح أن دوري الدرجة الأولى لن يكون جذاباً للمشاركة فيه في الوقت الحالي، لأنه سيكون من الصعب للغاية الصعود منه مرة أخرى».
وعلاوة على ذلك، فإن نقص السيولة في السوق بعيداً عن المستويات العليا يمثل تحدياً كبيراً للعديد من الأندية الإنجليزية، حيث يحصل العديد من اللاعبين في الدوريات الدنيا على عقود لفترات قصيرة الأجل بسبب التداعيات المالية لتفشي فيروس كورونا. يقول شودري: «هناك فجوة بين ما يعتقد البائعون أنه السعر المناسب لبيع هؤلاء اللاعبين وبين ما يمكن للمشترين دفعه. من الواضح أن البائعين مرتبطون بالأسعار التي اشتروا بها هؤلاء اللاعبين قبل تفشي فيروس كورونا، لكن السوق قد تغيّرت، ومن الواضح أن هذا يتسبب في هذا الانخفاض الهائل في حجم الصفقات. العقود قصيرة الأجل أصبحت سمة مميزة للأندية في دوري الدرجة الثانية ودوري الدرجة الثالثة، فحالة عدم اليقين المالي تعني أنه لا يمكنك الالتزام بصفقات طويلة الأجل. إنها مقايضة مستمرة مع تلك الأندية التي تحاول العثور على لاعبين جدد - لكن هذه ليست عملية مباشرة أبداً».
وبعد صيف شهد انتقال النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى باريس سان جيرمان لمدة عامين بقيمة تقديرية تصل إلى 25 مليون جنيه إسترليني في الموسم، بعد رحيله عن برشلونة الذي يعاني من ضائقة مالية شديدة، فإن محاولة ريال مدريد المتأخرة للتعاقد مع النجم الفرنسي الشاب كيليان مبابي قد أثارت دهشة بارنيت، الذي كان يمثل غاريث بيل عندما انتقل من توتنهام إلى ريال مدريد في عام 2013 في صفقة قياسية بلغت 85 مليون جنيه إسترليني. يقول بارنيت: «لقد تضررت أوروبا نفسها بشكل شديد، ولا توجد أموال في إسبانيا أو إيطاليا في الوقت الحالي بسبب المشاكل التي تواجهها كل الأندية هناك. لقد كانت إنجلترا محظوظة، لأن الدوري الإنجليزي الممتاز يدار بشكل جيد».
وكان من المتوقع أن تكون إحدى مزايا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي للأندية الأوروبية هي عدم قدرة الأندية الإنجليزية على التعاقد مع النجوم الصاعدين مثل سيسك فابريغاس، الذي انضم إلى آرسنال قادماً من أكاديمية برشلونة الشهيرة للناشئين وهو في السادسة عشرة من عمره. لكن شودري يعتقد أن نظام أكاديميات الناشئين في بريطانيا، الذي ساعد على تفريغ عدد من النجوم الشابة التي مثلت القوام الأساسي للمنتخب الإنجليزي الأول في كأس الأمم الأوروبية 2020 بقيادة المدير الفني غاريث ساوثغيت، قد ساعد على تخفيض حدة هذه الضربة.
ويقول: «لقد رأينا في السنوات القليلة الماضية قوة تطوير الدوري الإنجليزي الممتاز وجودة اللاعبين المنضمين إليه. قد يستغرق الأمر بعض الوقت لكي نشعر بآثار القواعد الجديدة للاعبين القادمين من بلدان الاتحاد الأوروبي، لكن إذا نظرت إلى الحالة المالية للأندية الأوروبية في الوقت الحالي، فإن الدوري الإنجليزي الممتاز لا يزال ثرياً للغاية بفضل صفقات البث التلفزيوني، لذلك لا أعتقد أنه سيتضرر بشدة من ذلك على المدى الطويل. وهناك وجهة نظر أخرى ترى أن القواعد الجديدة قد مكنت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز من الوصول إلى لاعبين شباب من أميركا الجنوبية وبقية أنحاء العالم التي لم تكن قادرة على الوصول إليها من قبل».
ومن بين المستفيدين من اللوائح الجديدة باتسون داكا وإينوك مويبو وفاشون ساكالا، حيث انتقل اللاعبون الثلاثة الدوليون في منتخب زامبيا إلى ليستر سيتي وبرايتون ورينجرز على التوالي خلال الصيف الجاري، رغم احتلال بلادهم المرتبة 87 في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). كان هذا يعني أنهم كانوا بحاجة للحصول على إعفاء خاص للحصول على تصريح عمل في ظل النظام القديم، لكن اللاعبين الثلاثة كانوا مؤهلين وبشكل مريح للانتقال إلى تلك الأندية بموجب النظام الجديد القائم على النقاط، بسبب لعبهم من قبل في أندية أوروبية: في الدوري النمساوي مع ريد بول سالزبورغ بالنسبة لداكا ومويبو، وفي الدوري البلجيكي مع نادي أوستند بالنسبة لساكالا.
أما بالنسبة لبارنيت، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس منتدى كرة القدم – وهو حركة دولية للوكلاء واللاعبين تأسست في عام 2019 - فيقول إن المشكلة الرئيسية الوحيدة تتمثل في بعض القيود الجديدة في عقد الصفقات مع الأندية الأوروبية. ويقول: «لقد تم منع وكلاء اللاعبين البريطانيين من العمل في بلدانهم، لكننا نغض الطرف عن ذلك ونسمح لأي شخص بالعمل هنا. إنه أمر سخيف، رغم أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لا يبدو مهتماً بهذا الأمر. لكننا لم نعد ضمن الاتحاد الأوروبي بعد الآن، لذا يتعين علينا الامتثال للوائح الجديدة».


مقالات ذات صلة

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

رياضة عالمية مانشيني (الشرق الأوسط)

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

كشفت تقارير إعلامية إيطالية توقيع المدرب مانشيني عقداً مع الاتحاد الإيطالي لتولي منصب المدير الفني.

«الشرق الأوسط» (روما)
رياضة عالمية منتخب آيرلندا سيواجه إسرائيل خارج البلاد (رويترز)

«دوري الأمم الأوروبية»: آيرلندا ستواجه إسرائيل في ملعب محايد دون جمهور

قال الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم، الجمعة، إن منتخب آيرلندا سيخوض مباراته المقبلة في دوري الأمم الأوروبية أمام إسرائيل على ملعب محايد ودون حضور جمهور.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
رياضة عالمية النجم الدنماركي كريستيان إريكسن (يسار) في ودية أوكرانيا (إ.ب.أ)

إريكسن: ما تعرضت له مختلف عن أزمة 2021

أكد النجم الدنماركي كريستيان إريكسن على أنه بخير، مضيفا أنه بدأ برنامج التعافي بعد خروجه من المستشفى بعد أقل من 24 ساعة من سقوطه خلال مباراة ودية أمام أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك (رويترز)

الدنماركي إريكسن يتعافى في منزله

قال كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك إنه عاد إلى منزله، الاثنين، وإنه يتعافى بشكل جيد مع عائلته.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية إيطاليا هزمت اليونان وديا (أ.ب)

إيطاليا تهزم اليونان وديّاً استعداداً لدوري الأمم الأوروبية

فاز المنتخب الإيطالي على نظيره اليوناني 1/صفر، مساء الأحد، في مباراة ودية دولية.

«الشرق الأوسط» (هيراكليون)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.