إشادات دولية بمنتدى التعاون المصري... وتوافق للبناء على المكاسب

هاني سنبل: جاء في الوقت المناسب تماماً وناقش موضوعات غاية في الأهمية

وزيرة التعاون المصرية رانيا المشاط خلال جلسات منتدى مصر للتعاون الدولي في القاهرة أمس
وزيرة التعاون المصرية رانيا المشاط خلال جلسات منتدى مصر للتعاون الدولي في القاهرة أمس
TT

إشادات دولية بمنتدى التعاون المصري... وتوافق للبناء على المكاسب

وزيرة التعاون المصرية رانيا المشاط خلال جلسات منتدى مصر للتعاون الدولي في القاهرة أمس
وزيرة التعاون المصرية رانيا المشاط خلال جلسات منتدى مصر للتعاون الدولي في القاهرة أمس

وسط إشادات دولية بمنتدى مصر للتعاون الدولي والتمويل الإنمائي في نسخته الأولى، اختتمت أعمال اليوم الثاني للمنتدى أمس بعدة جلسات مهمة، تناولت الشؤون الاقتصادية العربية والأفريقية والدولية... فيما صدرت توصيات ختامية تؤكد المضي قدما في البناء على ما تم التوصل إليه من نتائج ومكتسبات.
وقالت وزيرة الدولي المصرية الدكتورة رانيا المشاط في كلمتها الختامية إن انعقاد فعاليات المنتدى في نسخته الأولى تحت شعار «شراكات لتحقيق التنمية المستدامة»، يعكس إيمان الدولة المصرية وحرصها على دعم جهود التنمية على المستويين الإقليمي والدولي.
وأضافت: «على مدار يومين شهدنا انعقاد عدد من الجلسات الحوارية وورش العمل بمشاركة وحضور رفيع المستوى افتراضيًا وفعليًا لأكثر من 1500 مسئول حكومي ورؤساء مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية، وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني والأطراف ذات الصلة من جميع أنحاء العالم تبادلوا خلالها وجهات النظر والرؤى والتجارب والخبرات؛ لتعزيز الدور الذي يمكن أن يقوم به التعاون الدولي والتمويل الإنمائي للدفع بالأهداف الأممية للتنمية المستدامة».
وأوضحت أنه من خلال المناقشات الثرية وتبادل وجهات النظر خرجت النسخة الأولى للمنتدى بعدد من التوصيات الطموحة في الوقت نفسه للتأكيد على أهمية التعاون مُتعدد الأطراف لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز العمل المشترك بين جمبع الأطراف ذات الصلة، في مقدمتها التأكيد على أهمية متابعة الالتزامات والاتفاقات التي تم التوصل إليها في المحافل الدولية، والدفع نحو وضع إطار رقابي دولي لتتبع تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالتعاون الدولي والتمويل الإنمائي.
وأكدت أن «المؤتمر شدد على أن التعاون متعدد الأطراف هو السبيل الوحيد للتغلب على التحديات التي ظهرت عقب جائحة كورونا، فضلا عن التحديات القائمة، ولذا نلتزم باستمرار الجهود المشتركة مع شركائنا في التنمية لتعزيز آليات التعاون متعدد الأطراف في سبيل تحقيق تعاف شامل ومستدام».
وتضمنت توصيات المنتدى أيضا العمل على بناء شراكات فعالة ذات تأثير مستدام تضم جميع الأطراف ذات الصلة من الحكومات ومؤسسات التمويل الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني بهدف تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030. وشدد المنتدى على أهمية وضرورة استخدام الشراكات الدولية لتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية وقيامه بدور أكبر لتوفير الموارد المالية والدعم الفني وترسيخ المعايير البيئية والاجتماعية في كافة المشروعات التنموية.
وقالت الوزيرة إن توصيات المنتدى تضمنت أن التعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي عاملان رئيسيان لتعزيز التعاون متعدد الأطراف ومشاركة المعرفة والخبرات والتجارب، لاسيما بين دول القارة الأفريقية للمضي قدمًا نحو تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030 وأجندة قارة أفريقيا 2063.
كما أوصى المنتدى بضرورة قيام المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي بإعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص للقيام بدوره باعتباره شريكًا رئيسيًا في التنمية، ويمكن أن يقوم بدور حيوي لدعم الأهداف الأممية للتنمية. وتشكيل فرق عمل ومجموعات بين الأطراف ذات الصلة لتحديد الإصلاحات الهيكلية والسياسات الاقتصادية لتحفيز مشاركة القطاع الخاص وتطوير آليات تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وتضمنت توصيات المنتدى أن البنية التحتية من أبرز القطاعات التي ما زالت تعاني من فجوات تمويلية، وهو ما يستلزم حشد المزيد من الموارد من خلال التعاون الدولي والتمويل الإنمائي لدعم الجهود التي تقوم بها الدول الناشئة والنامية لتطوير بنيتها التحتية.
كما تضمنت التشديد على أهمية اتخاذ الإجراءات والإصلاحات اللازمة لتشجيع التحول الرقمي الذي يقوده الشباب في قارة أفريقيا لدعم قدرتها على مواكبة ركب الدول المتقدمة وتحقيق تنمية قائمة على الابتكار، كما تضمنت الدعوة إلى زيادة الاستثمارات الرقمية وتعزيز البنية التحتية التكنولوجية والالتزام بأجندة الاتحاد الأفريقي للتحول الرقمي.
وشهد المنتدى جلسات حوارية مهمة أكدت أنه نجح في نسخته الأولى في خلق منصة حوارية بين الأطراف ذات الصلة في الملف التنموي لمناقشة التحديات والفرص، والمساهمة في وضع خريطة طريق للدول لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، كما تم إطلاق العديد من المبادرات والمشروعات التنموية.
وأكد هاني سنبل، الرئيس التنفيذي للمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة (ITFC)، أن المؤسسة قدمت تمويلات بقيمة 60 مليار دولار حتى الآن، منها 25 مليار دولار لدول أفريقية، وأن المؤسسة تعمل بشكل أساسي على تحفيز وتشجيع التجارة.
وخلال مشاركته في ورشة عمل حول تفعيل آليات التعاون الإقليمي في ظل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية وتحديات التجارة الإلكترونية للقطاع الخاص، قال سنبل إن «المنتدى يأتي في الوقت المناسب تماما، ويناقش موضوعات في غاية الأهمية، حيث تعتبر التحديات التي تواجه عملية الرقمنة، من الأمور المهمة بالنسبة للمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة». وأشار إلى أن المؤسسة مُهتمة بتمويل كثير من المشروعات المتعلقة بهذا الأمر خاصة في مجال الزراعة، من أجل إدخال التكنولوجيات الحديثة والتحول الرقمي في هذا القطاع المهم.
وأضاف أن «الملف الزراعي جزء أساسي من عمل المؤسسة لأهميته الشديدة، حيث نهتم بتحسين البنية التحتية واللوجستيات، وتقديم الخدمات الاستشارية من أجل تعزيز تجارة السلع»، موضحاً أن المؤسسة لديها العديد من الشراكات مع المؤسسات الدولية، وهي جزء من منظمة التجارة الإلكترونية العالمية للجميع.
وأكد على أهمية دعم البنية التحتية التكنولوجية في البلدان من أجل تعزيز عمليات التجارة الإلكترونية، مشيرًا إلى أن التعاون الكبير بين المؤسسة ومصر في مجالات التحول الرقمي في ظل الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة المصرية من أجل زيادة الاعتماد على التكنولوجيا ودعم بنية الاتصالات والإنترنت.
وتوافق المشاركون في ورشة عمل بعنوان «الأمن الغذائي والتشغيل في أفريقيا في عصر الرقمنة»، وأدارها منغستاب هايلي المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لمنطقة جنوب أفريقيا، على أن قارة أفريقيا تمتلك إمكانات استثنائية تمكنها من تحقيق الأمن الغذائي بل وتأمينه للعالم، حيث تضم 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة ويعمل في القطاع الزراعي 60 في المائة من القوى العاملة في القارة وتوفر 16.5 في المائة من الناتج المحلي للقارة، وأنه يجب تحقيق الأمن الغذائي بما ينعكس بشكل مباشر على انخفاض معدلات الفقر وزيادة فرص العمل، وتحقيق العديد من أهداف التنمية المستدامة.
وخلال الجلسات، أشاد ممثلو مؤسسات التمويل الدولية بتجربة مصر في مطابقة التمويل الإنمائي مع الأهداف الأممية للتنمية المستدامة، والتي قامت بها وزارة التعاون الدولي، ونفذتها في إطار مبادئ الدبلوماسية الاقتصادية.
وعبرت إلينا بانوفا، المنسق المقيم للأمم المتحدة في مصر عن سعادتها بالمشاركة في مناقشة تجربة مصر في تعزيز التعاون الدولي والتمويل الإنمائي، وأكدت أنها تتطلع إلى تنفيذ كل ما يتعلق بالخريطة الواضحة التي وضعتها مصر كدبلوماسية اقتصادية لها في ربط التمويل بالتنمية المستدامة وشددت على أهمية التمويلات الإنمائية في تحقيق التنمية المستدامة.
وقدم ألفريد أباد، الممثل الإقليمي لبنك الاستثمار الأوربي بمصر التهنئة إلى مصر ووزارة التعاون الدولي بمناسبة مطابقة التمويلات الإنمائية مع الأهداف الأممية للتنمية المستدامة. وأعرب عن اعتقاده بأن ذلك يمثل أهمية كبيرة، وخصوصا أن تستخدم الحكومات تلك المعلومات لتحديد أولويات العمل وخاصة إذا كان ذلك مصحوبا بضخ معلومات وأن يتم توجيه التمويل في اتجاهه وقال إن «رسم مثل تلك الخرائط يساعدنا في تحديد كيف نوائم بشكل دقيق وجاد بين التمويل وسبل تحقيق التنمية المستدامة». وأضاف أن النقطة المهمة هي وجود طرق ومناهج أخرى، ومهم أن تكون الأرقام والبيانات صحيحة، لافتا إلى أن منهجية وزارة التعاون الدولي أمر يستحق الثناء.
كما أكد المشاركون في ورشة عمل «تفعيل آليات التعاون الإقليمي في ظل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية وتحديات التجارة الإلكترونية للقطاع الخاص» على أن أهم التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية، وحركة التجارة عبر الحدود هي البنية التحتية.
وقال المشاركون في الجلسة التي أدارتها مالين بلومبرغ، نائبة المدير العام لشؤون شمال أفريقيا والممثلة المقيمة في مصر لمجموعة بنك التنمية الأفريقي، إنه من المهم أن تتعاون الدول من أجل تعزيز بنيتها التحتية فيما يتعلق باللوجستيات والتشريعات والتكنولوجيا للاستفادة بشكل حقيقي من اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية.
من ناحيته قال إبراهيم باتل، وزير الصناعة والتجارة بجنوب أفريقيا، إن أفريقيا تمثل 17 في المائة من سكان العالم، وحوالي 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وإن دول القارة في حاجة للتركيز على دعم الصناعة والإنتاج في البلاد، وفتح الحدود أمام حركة التجارة.
وذكر ستيف لوتس، نائب الرئيس لشؤون منطق الشرق الأوسط بغرفة التجارة الأميركية، أن الغرفة تقوم بمشروعات كثيرة مع مصر والدول الأفريقية، وأنها تعمل على توضيح كل الفرص المتاحة للشراكة مع الولايات المتحدة. وأضاف أن أميركا ملتزمة بتشجيع الإصلاحات الاقتصادية التي تحدث في مصر وأفريقيا، ودعم عمليات التحول الرقمي. وقال إن منتدى مصر للتعاون الدولي يوضح مدى التزام مصر بدعم الاقتصاد الأفريقي والاستفادة من منطقة التجارة الحرة الأفريقية.
وأشار جيمس هاوي، كبير مستشاري مركز التجارة العالمية، إلى إن هناك الكثير من التحديات في الدول الأفريقية التي تحتاج إلى حلول من أجل تعزيز حركة التجارة العابرة للحدود. وأوضح أن الدفع النقدي من الأمور التي لا تسهل حركة التجارة، وأنه من المهم العمل على وجود منصات دفع إلكتروني بما يسمح بزيادة حركة التبادل التجاري بين دول القارة.


مقالات ذات صلة

مصر: انتهاء حفر بئر بالصحراء الغربية خلال شهر

الاقتصاد وزير البترول المصري كريم بدوي خلال زيارته الميدانية لتفقد مواقع الإنتاج بالصحراء الغربية (وزارة البترول المصرية)

مصر: انتهاء حفر بئر بالصحراء الغربية خلال شهر

أعلنت وزارة البترول المصرية، الأحد، انتهاء واكتمال أعمال حفر البئر التنموية «شمال لوتس العميق 2» بمنطقة مليحة بالصحراء الغربية خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مدينة جديدة بتكلفة 27 مليار دولار شرق القاهرة

أعلنت «مجموعة طلعت مصطفى» المصرية أنها ستبني مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه (27 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

رغم تحسّن مستوى الجنيه أمام الدولار، فإن ذلك لن ينعكس قريباً على الأسعار، ولن يُبدد المخاوف من الهزات الاقتصادية، حسب متخصصين.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)

«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

كثفّت هيئة الدواء المصرية إجراءاتها لضبط الأدوية المغشوشة خلال الأيام الماضية، وسط مخاوف من اتساع تداول العقاقير عبر منصات وجهات غير رسمية.

أحمد جمال (القاهرة)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.