اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة من مفاصل الزمن في الشتات

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة  من مفاصل الزمن في الشتات
TT

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة من مفاصل الزمن في الشتات

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة  من مفاصل الزمن في الشتات

عن الشتات والمهجر كوطن بديل أو عابر، وما تتركه هذه الرحلة من ندوب وتشققات في منظومة الحياة الإنسانية، تدور رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني.
ترصد الرواية الصادرة حديثاً عن دار الشروق، عبر أبطالها الخمسة، تقلبات هذا المناخ، في أقصى لحظاته السارة والمؤلمة، وتعاود صاحبة رواية «هليوبوليس» هوايتها المفضلة في قنص اللحظات الإنسانية الرخوة المنفلتة من مفاصل الزمن، تدير من خلالها لعبتها الروائية حول عالم الهجرة وآثاره المتباينة اجتماعياً ونفسياً وثقافياً على حياة مجموعة من المصريين والعرب المقيمين في كندا.
يبرز الشتات كدلالة مركزية تشكل نواة لهذه الكتلة المبعثرة من البشر، ويلعب دوراً مهماً في إذابة الحدود والفواصل بين الأنا والهوية، كما يشد إيقاع الحكايات المروية عنهم بعين الكاتبة الراوية وعبر ضمير المتكلم الغالب، بما يوفره من إحساس بالتماهي والحميمية بين الأنا الساردة وأنا المسرود عنهم؛ ويصل الشتات إلى ذروته الدرامية حين يترسب في الداخل والخارج معاً، ويصبح بمثابة ضرورة وجود، كما تتعدد صوره في أماكن أخرى لها صلة بواقع الشخوص وهوياتهم وجذورهم تومض في خلفية المشهد والصورة، لنصبح إزاء شتات حروب وكوارث وأوبئة وواقع سياسي طارد، شتات أزمنة تدنو وتبتعد، تتكسر وتلتئم بقوة المصادفة أحياناً، وأحياناً أخرى بمفارقة الذكريات والعواطف الساكنة واستيقاظها المباغت في تداعيات الداخل والخارج، الحاضر والماضي معاً وكأنها العزاء الأخير لحياة متقلبة تقف دائماً على حافة طمأنينة مرتجفة.
يبرز هذا على نحو لافت في مشهد لقاء اثنين من أبطال الرواية؛ كمال المصري وكريم ثابت بالقطار ولأول مرة (ص15) وهو يخبره عن أنباء فيروس كورونا غير المبشرة بالصين وأن أصدقاءنا في الغربة هم عزاؤنا الوحيد. يقول كمال معلقاً على كلام زميله: «ما يقوله هذا الغريب حق. في الغربة نصنع لأنفسنا عائلات موازية من الأصدقاء والمقربين والأحباب، وتتراجع العائلة الكبيرة في خلفية المشهد. حدث هذا لي حين تركت بيت حدائق القبة وجئت إلى مونتريال، ثم حين هاجرت من داخل الهجرة من مونتريال إلى تورونتو، ثم منها إلى وندسور. في كل مرة تتغير علاقتي بفكرة وقيمة الأسرة. وتثقل على نفسي الزيارات الاجتماعية الثنائية. تلك التي يبرع في اختلاقها المتزوجون، وهم يتبارون في إبراز مدى تعلقهم بزوجاتهم وأبنائهم ومدى تماسك أسرهم السعيدة. في غمرة اللهاث والمسابقة على إثبات وتجديد الثقة تتلف الأسرة وتذوي ولا أحد يدري من أين يأتي العطب».
وبحسب الرواية، كمال وكريم مصريان وجاران في المنشأ القاهري وفي العمل بكندا منذ سنوات عديدة، الأول جاوز الستين ويعمل أستاذاً للأدب المقارن بجامعة وندسور، والثاني في الأربعين ويعمل بالجامعة نفسها أستاذاً بقسم الإعلام. وأيضاً زوجتاهما (ناهد ونورهان) مصريتان تعملان مسؤولتين بوزارة الصحة بتورونتو، وهما لاعبتان أساسيتان في الرواية، وكلاهما لديه ولدان. يستقل كمال وكريم القطار نفسه أسبوعياً لنحو أربع ساعات لقضاء العطلة مع الأسرة والأولاد في تورونتو، ولم يلتقيا إلا بمحض المصادفة والضرورة حين أراد كمال أن يبدل مقعدة بمقعد فارغ في الطاولة المجاورة ليتجنب الجلوس في عكس سير القطار الذي يصيبه بالدوار والغثيان. ينفر كمال من لقاء كريم ثانية بالقطار، رغم أنهما يتشابهان في التهام طبق «البامية باللحم والثوم المفروم» وملحقاته الذي تعده زوجتاهما ويكون في انتظارهما بالثلاجة.
مشهد يتكرر بحذافيره في الفصلين الأول والثاني من الرواية وينطوي على دلالة ما، لكنها تظل أبعد من فكرة التشابه في العادات والتقاليد، بل تتعلق بطبيعة العلاقة مع الآخر في الغربة، وأنها تتجاوز أحياناً فكرة التشبه به، وتصبح كأنها ظل له، يجب التحسب منه ومطاردته أحياناً بمنطق الإزاحة أو راحة البال.
في هذه الدوائر القلقة المضطربة تتحرك مسارات الرواية في طبقات سردية تتقاطع وتتجاور صعوداً وهبوطاً في فضاء قماشة روائية تربو على مائتي صفحة... شخوص عارية وواضحة في عواطفها ومشاعرها وانفعالاتها، بعضهم هرب من بلده وهاجر كلاجئ حرب، مثل بسام الحايك، السوري الحلبي الذي شهد مجزرة حماة ومن قبلها كارثة أيلول الأسود. شخوص مثقلة بالمآسي والحزن تفتش عن شغف جديد بالحياة، داخل الكتلة وخارجها. شغف ينفلت من قبضة العادة والمألوف المتكرر يومياً إلى حد السأم والرتابة، سواء في فضاء العائلة أو العمل، أو نمط الحياة. تلهث الذات الساردة وراء هذه اللحظات الرخوة، وتتلصص عليها من ثقوب الماضي والذكريات والأحلام، فهي الأكثر إثارة وحساسة في فضاء الروح والجسد. كما أن الشخوص نفسها تبدو متوترة مشغولة دائماً بلحظة ما، كأنها تقطير لجذرية حياة وزمن فرا من بين أصابعهـم أو سرقهم فجأة، فلا شيء دون هذا العناء يكمل الصورة، ويجعل للذكريات والحنين معنى سواء في الماضي أو الحاضر. لذلك يظل الصراع مشدوداً في الرواية لمحاولة القبض على تلك اللحظة الهاربة، وكأنها طوق الخلاص من وجود وشائك وملتبس، تعيشه الشخوص بحكم الضرورة، بل تستسلم له وتتكيف معه، كنوع من صيانة الذات وتحسين سبل العيش.
يستدعي بسام بروح البطل المنكسر صدى حواراته مع الطبيبة النفسية التي عينتها وزارة الهجرة الكندية لمتابعة حالته كلاجئ حرب، وهي تستحثه على أن يكتب الحرب كيوميات أو مذكرات لمساعدته في العلاج والاندماج في واقعه الجديد (ص166): «ثمانية وثلاثون عاماً على الهجرة وما زلت أفتقد الناس والأماكن، ناس هناك، وأماكن هناك، ليس من ألتقي بهم في الشتات وقد تشوهت أرواحهم مثلي. تأقلموا وصارت لهم عادات هجينة، مثلي. أفتقد روائح السوق القديمة وأصوات الناس في الساحات ودعسة القدم على تراب شوارعنا. أفتقد الأهل من الأموات، أبي وأمي وأخوي علي وحسين. أحتفظ بصورة لأبي وأمي وهما يحملاني بعد مولدي بعدة أشهر، هي كل ما تبقى لدي من أثر».
يشتبك بسام مع معظم الحكايات في الرواية، تجمعه علاقة عاطفية مع نورهان وهي شابة في العشرين قبل أن تتزوج، حيث كان يعمل محرراً في صحيفة كان يمتلكها أبوها، ورغم عاصفة العلاقة ظل يحرص على ألا تعزله عن ابنته وزوجته المريضة، وبعد موتها يتزوج داينا سليمان، مصورة فوتوغرافية سورية، ويعيشان في مدينة أميركية صغيرة على التخوم مع كندا.
تبدو حكايات «الحب المسروق» ابن التشققات البينية، وكأنها أحد أشواط اللعبة الروائية فمعظم الأبطال يقعون فيه بقوة المصادفة والشغف إلى حد الجنون وكأنهم يستعيدون طفولة الروح والجسد معاً، أو على الأقل يمنحونها استراحة مؤقتة من قسوة الغربة والظروف.
تلعب المصادفة دوراً مهماً في تنويع مسارات السرد في الرواية، لكنه يبقى مجرد فعل خاطف، على عكس فعل الهجر، حيث السعي لتأسيس كينونة لحياة بديلة. كما نجد فيها مزيجاً من أدب السيرة الذاتية، حيث تسرّب الكاتبة في طيات السرد ملامح وصوراً بها قدر من التوثيق العفوي للحياة في الغربة؛ روائح البشر وانفعالاتهم وعاداتهم، طرق معيشتهم وطقوسهم التي تنشأ داخل المكان. وفيها طرف من أدب الاعترافات، فالشخصيات تمارس نوعاً من البوح الشفيف، تنكشف في غباره قصصهم العاطفية الخاصة، في قبضة تلك اللحظات الرخوة المسروقة. وثمة خيط شفيف من أدب اليوميات، فالسرد يلاحق حياة مشتتة ومبعثرة، مفتوحة على جغرافيا المكان وشخوص لا تكف عن السفر.
يتجسد هذا على نحو شديد العذوبة جمالياً، حيث ينهض الوصف على التضافر بين المشهد في إيقاعه البصري والسردي، ما يجعلنا أمام كتلة حية تشغي بالحركة ومباغتة الضوء والانكشاف. يبدو هذا جلياً منذ السطور الأولى في الرواية في مشهد القطار وهو واقف بالمحطة مشكلاً كتلة بصرية لافتة، سرعان ما تنحل وتتحول إلى كتلة سردية مباغتة حين يسير القطار ويلتقي كمال وكريم.
وبإيقاع آخر تطالعنا ملامح من جماليات التبعثر وتشظي الكتلة داخل المكان، في المشهد الاستهلالي للفصل الذي يحمل اسم «نورهان عبد الحميد». حيث تتحول عين الساردة إلى كاميرا متخفية ويتراجع ضمير المتكلم قليلاً لصالح ضمير المخاطب: «الخميس السابعة صباحاً، مطار لستر بيرسون بتورونتو. حركة المطار هادئة. يتناثر عدد من المسافرين بين طاولات المقاهي المنتشرة في الساحات والممرات المفضية لبوابات الإقلاع. السترات داكنة، زرقاء أو رمادية، والقمصان بيضاء وزرقاء ولبنية، أربطة العنق أنيقة والإيشاربات باذخة الألوان، الأحذية لامعة، تعلو كعوبها للنساء، وحقائب السفر مصنوعة من الفايبر الفاخر. يدارون التعب تحت الثياب الملساء والابتسامات المقتضبة والخطوات الواثقة. موظفون وموظفات، رجال ونساء أعمال، رجال ونساء سياسة. يسافرون في رحلات قصيرة ويعودون منها منهكين، مثلي. لكني لا أشبههم ولا يفوتهم أني غريبة».
لا ينفصل زمن الرواية عما يحدث في العالم: كورونا والانتخابات الأميركية، والوضع في سوريا وفي فلسطين، فيما يشكل الركض الخائف اللاهث على مسرح كورونا المكشوف والبحث عن ملاذات آمنة وطرق بديلة للسفر لطشة النهاية المفتوحة على شتات آخر، حيث يلتقي أبطال الرواية: الأزواج والزوجات والعشيقات، ووجوه أخرى أضافت للكتلة لمسة خاصة بحضورها.
لقد كتبت مي التلمساني المشهد بكل رقته وشجنه في رواية ممتعة، وأفردت لخمسة من أبطالها فصولاً خاصة تحمل أسماءهم عدا «ناهد غانم» زوجة كمال المصري، اكتفت بالتخفي وراءها ليس كقناع وإنما لحماية روح الذات الساردة من عطب الشتات والتبعثر. فـ«الكل يقول أحبك»... كتلة جميلة إنسانياً لكنها لا تخفي عورة المنظر.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي