نقد الشعر... أين هو؟

نقاد هم في الحقيقة قراء لم يتزودوا بالعدة النظرية

نقد الشعر... أين هو؟
TT

نقد الشعر... أين هو؟

نقد الشعر... أين هو؟

لأفول نقد الشعر عندنا أسباب كثيرة، لا تقف عند حدود العملية الشعرية مما له علاقة بفورة الإبداع أو نضوبه وقوة المواهب أو ضعفها، بل تتعدى إلى النقاد أنفسهم وطبيعة قدراتهم في استيعاب المناهج ومواكبة جديدها والوعي بطبيعة تطبيقاتها، مؤدين وظائفهم النقدية في رصد النصوص الشعرية وتحليل بناها الداخلية والخارجية، مدركين موجهات القراءة وأساليب التصنيف وأطر التمثيل وعلاقة ذلك كله بأغراض الشاعر الذاتية والموضوعية في التعبير عن رؤية العالم.
وإذا أردنا تعداد أسباب الأفول؛ فإننا سنجد أن أكثرها وضوحاً وبروزاً هي تلك المتمثلة في غلبة الاهتمام بالنصوص الروائية والقصصية، لا بسبب الوقوف على النظريات السردية واستيعاب كل ما فيها من مفاهيم دقيقة ومصطلحات قارة، بل هي متاحات القراءة السردية نفسها التي تسمح لبعض القراء؛ لا سيما مدرسي الأدب والبلاغة الجامعيين وغير الجامعيين من الذين يجدون بغيتهم في قراءة روايات أو قصص ثم الكتابة عنها بأعمدة ومقالات انطباعية تُحسب على النقد وهي ليست منه، ويَحسَبون هم أنفسهم نقاداً بينما هم في الحقيقة قراء لم يتزودوا بالعدة النظرية، ولم يستندوا إلى منهجية معينة، اعتقاداً منهم أن الأمر لا يحتاج إلى الاعتماد على أي منظور أو مفهوم معين؛ بل هو اجترار ببغاوي لمفاهيم ومعلومات تحصلوا عليه من الوظيفة الجامعية، ظانين أن ألقابهم الأكاديمية كافية لجعلهم نقاداً للأدب، غير مقتنعين أن تدريس المناهج شيء وتطبيقها شيئاً آخر، فينكبون من ثم على التحليل بحسب أهوائهم وأمزجتهم، ملخصين أحداث الرواية أو القصة مسجلين بعض الانطباعات الشخصية السطحية والملاحظات الهامشية.
وبعكس هؤلاء النقاد الهواة، نجد نقاداً جادين يقفون عند القصائد الوقفة المطلوبة، أيا كان جنسها وطبيعة أغراضها؛ فيواجهونها مكتملي الأدوات متمتعين بذوق مثقف، ولديهم إمكانات تكفي لأن يكونوا نقاداً للشعر... بيد أن هذا النمط الجاد من النقاد يعزف - في الأغلب ـ عن نقد الشعر لعلمه أن نقد السرد أكثر حظوة بالاهتمام من لدن القراء ومن لدن وسائل النشر، ولأن نقد الشعر يستدعي جهازاً مفاهيمياً خاصاً... ولأن القصيدة لا تعين الناقد على تحليلها ما لم يكن مُعيناً هو نفسه بإضافة ما عنده من مفاهيم إليها بقصد المشاركة في إتمامها بالتفسير والتأويل والاستبطان فكاً لمغاليقها واستكناهاً لمخبوءات متنها.
ولا يعني تركيزنا على السبب أعلاه أننا نقلل من أهمية الأسباب الأخرى التي ساهمت في انزواء نقد الشعر وأفوله؛ وإنما هي الهيمنة التي صار السرد يتمتع بها بسبب جماهيرية موضوعاته التي لها علاقة بأحداث الساعة الساخنة، فضلاً عن محفزات أخرى؛ منها إعلامية ومنها ترجمية ومنها تسويقية حتى صار طبيعياً أن يكون نقدنا نقداً سردياً يتجه نحو الرواية بالدرجة الأولى ونحو القصة القصيرة بالدرجة الثانية.
ومع غياب نقد الشعر غدت القصيدة منسية ومنزوية ومقصية، فما الذي جعل القصيدة غير جاذبة للناقد العربي؟ ولماذا لم يعد هذا الناقد مكترثاً بقراءتها؟ ما الذي يريده من وراء انحيازه لقراءة السرد ونقده؟ ألأن تحليل الشعر يحتاج إلى الموهبة والدربة، أم لأن محدودية النص الشعري لا تسمح للقارئ بأن يستفيض في تلخيصه فيحجم من ثم عنه؟
لا نغالي إذا قلنا إن نقد الشعر ممارسة لا يتمكن منها من هو طارئ أو هاوٍ، على عكس نقد السرد الذي يمكن ممارسته من قبل الطارئين والهواة والغارقين في برك الإخوانيات والشللية أو الساعين إلى إعادة الفاعلية لألقابهم بعد فقدانها تلك الفاعلية بتقاعدهم من جامعاتهم.
وصحيح أن نقدنا ترك مهمة التقدير وحكم القيمة وتمسك بالرؤى الموضوعية والمنهجية العلمية التي جادت بها علينا النظرية البنيوية وما بعد البنيوية، بيد أن الانفتاح على الدراسات الثقافية كان قد سمح بتعدد المناهج من جانب والنكوص إلى مناهج عفا عليها الدرس النقدي كالمنهج الانطباعي من جانب آخر... الأمر الذي ساهم في ظهور طبقات من أنصاف النقاد أو من يمكن أن نسميهم «المتناقدين» الذين أساءوا فهم ماهية الدراسة الثقافية للنص الأدبي فضلاً عن فهم بعض النقاد هذه الماهية على أنها نقد ثقافي، وغالى بعضهم فراح يدعو إلى جعله بديلاً عن النقد الأدبي، متهماً الأخير بالموت بدعوى لا جدوى مناهجه العويصة ولا ضرورة لنظرياته الشائكة وما فيها من رطانة اصطلاحية... وهلم جرا من التقولات المتحاملة على النقد الأدبي وعلمية ميادينه.
ولا خلاف على أن النقد الثقافي هو نقد تغييب النصوص، بينما نقد الشعر يوجب التخندق عند جسد القصيدة عبر فحص كل خلية من خلاياها، وهو أمر لا يتأتى لكل مستطرق وطارئ على النقد أو عديم القدرة على الخوض في تفاصيل العملية الشعرية واستنباط جمالياتها.
إن الإشكالية إذن ليست في طبيعة النقد الأدبي كمناهج وموجهات وممارسات مفاهيمية واصطلاحية التي هي في العموم موضوعية في فرضياتها ودقيقة في تحصيلاتها، بل هي في اتخاذ النقد الثقافي تعلة عليها؛ يعلق القراء آمالهم في أن يكونوا نقاداً من جهة، ويدارون بها من جهة أخرى على خوائهم المنهجي وفقرهم العلمي وفراغهم النظري، محللين الروايات بحسب أهواء وأمزجة تطبيلية وتهليلية... صارت تسير بالنقد العربي الراهن مساراً خطيراً انزلق بسببه متحدراً ومتراجعاً نحو الانطباعية التي كانت أجيال من النقاد العرب قد بذلت جهوداً جبارة في التخلص من شرك الوقوع فيها حتى ساهمت بشكل فاعل في الانتقال بنقدنا نقلات نوعية أثرت في الناقد العربي ومدى أدائه وظيفته النقدية محللاً ومفسراً ومُؤولاً النصوص الأدبية، وقبل ذلك دقيقاً في انتقاء الملائم القرائي من هذه النصوص.
وإذ نعدُّ النقد الثقافي سبباً في انزواء نقد الشعر؛ فلأنه قلل من أهمية تحلي الناقد بالنظرية والمنهجية وشجَّع على لا جدوى المنهجية بأن وضع الانطباع محل المنهج ومنح الذاكرة مساحة، ومن ثم لم تعد قراءة القصيدة نقداً؛ إنما هي انطباع واستذكار. وإذا أردنا تصنيف الكتابات التي تسمى ثقافية وهي في الحقيقة انطباعية، فإننا سنصنفها في خانة تاريخ الأدب وليس النقد، لا لأن الناقد مؤرخ؛ وإنما هو الانطباع الذي به تسجل لحظة من لحظات التوثيق. والتوثيق والتسجيل فعلان لهما في الأرشفة مكان وموضع راسخان.
وإذا وقفنا عند نقد الشعر الذي يمارسه نقادنا المحترفون لوجدناه أيضاً قليلاً بالقياس إلى نقدهم الروائي والقصصي. وهم إذا نقدوا الشعر ركزوا على تجارب الشعراء الكبار من الرواد وما بعدهم وأهملوا تجارب شعراء آخرين بعيدين عن الأضواء وغير مكترثين بترويج شعرهم إعلامياً ولا مهتمين بلفت نظر النقاد إليهم. أما التجارب الشعرية الجديدة والفتية فلم تعد تلقى من النقد اهتماماً؛ سواء في الرصد والمتابعة، وفي غربلة المميز منها عن غيره.
وما يتعلق بنصوص الشعر نفسه التي صارت تتهافت من ناحية إيغالها في التهويم وتسطح محتواها؛ فإن له أسبابه أيضاً؛ منها ما هو كمي يتعلق بكثرة مدعي الشعر من المتكالبين على ترويج أسمائهم نقدياً، ومنها ما هو نوعي يتمثل فيما امتلكه الشعراء الكبار عرباً وأجانب من أبوة شعرية هيمنت على المشهد بالعموم فلم تدع مجالاً للكثرة من التجارب الشعرية الناضجة والناشئة بالظهور، أو لأن هذه التجارب هي بالأساس غير قادرة على تجاوز هذه الأبوة. وبسبب هذه الهيمنة الأبوية ترك بعض منهم كتابة الشعر واتجهوا يجربون حظهم في الرواية والقصة.
ومنها أيضاً فقر المرجعيات الثقافية لدى كثير من الشعراء الشباب؛ فلا هم يثقفون مواهبهم بالقراءة في الشعر العربي القديم وكلاسيكيات الشعر العالمي، ولا هم يعنون بإتقان لغات أخرى بها يتمكنون من مواكبة آخر التيارات والمدارس في كتابة الشعر، فضلاً عن جهل كثير منهم خصائص كتابة قصيدة النثر وطبيعة أنواعها وتقاناتها. وهو ما أدى بهم بشكل أو بآخر إلى كتابة السرد من دون أن يكونوا قاصدين إلى ذلك قصداً.
ومن الأسباب أيضاً النشاطات الثقافية المهتمة بالرواية، كالمؤتمرات والحلقات الدراسية والجوائز والمسابقات الأدبية - والتي كان لها دور غير مباشر في انحسار العناية بالنتاجات الشعرية... علماً بأن أي اهتمام ثقافي بالشعر إنما يكون في الغالب محصوراً وبشكل ملحوظ في قصيدة النثر والأنواع الجديدة المستحدثة كالومضة والهايكو والنص التفاعلي.
وإذا وقفنا عند المجلات وما صارت تعده في مناسبات معينة من ملفات شعرية أغلبها مخصص للكبار من الشعراء الراحلين، ثم وقفنا عند الصحافة الثقافية التي تنشر في العادة النصوص القصصية القصيرة والقصيرة جداً والمقالات الناقدة لها، فسندرك حجم التحيز للسرد على حساب الشعر ونقده.
إن ما يعانيه الشعر من ضائقة قرائية معها تقلصت مساحات نقده وقلَّ نقاده، يجعلنا أمام حاجة ماسة لإعادة الاعتبار لنقد الشعر بمختلف أجناسه، لا سيما إذا تذكرنا أن نشأة النقد العربي الحديث كانت قد انبنت على دراسة النصوص الشعرية قديمها وجديدها. وقد واصل النقد المعاصر المنوال نفسه، فعرفنا نقاداً مرموقين في نقد الشعر بأجناسه العمودية والتفعيلية والنثرية؛ نذكر مثلاً كمال أبو ديب وعبد السلام المسدي ومحمد بنيس وعبد الجبار عباس وعبد الجبار البصري وفاضل ثامر وحاتم الصكر وطراد الكبيسي ومحسن اطيمش ومالك المطلبي... كما أن من الضروري الاهتمام بالتجارب الشعرية الراهنة بالبحث عنها والتأشير على مستوياتها في التجريب الشعري وبما يضفي على شعرنا مسارات جديدة. ومن دون وجود نقد شعري، فلن يترسخ مسار القصيدة العربية الراهنة، وفي ذلك دليل على قصور النقد وعجزه عن القيام بما هو منوط به من مهام.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».