رياض محرز... من لاعب عانى كثيراً لإثبات وجوده إلى نجم ساطع في مانشستر سيتي

الصعود اللافت للجزائري يتواصل من موهبة خجولة في باريس إلى بطل يحمل الألقاب في إنجلترا

TT

رياض محرز... من لاعب عانى كثيراً لإثبات وجوده إلى نجم ساطع في مانشستر سيتي

قال محمد كوليبالي، الذي ما زال يعمل مديراً تقنياً في نادي سارسيل الذي بدأ فيه النجم الجزائري رياض محرز مسيرته في عالم كرة القدم، من دون دهشة «هذا رياض! فمنذ أن كان لاعباً شاباً كان يؤمن دائماً بموهبته ولا يخاف أبداً. وإذا وضعت أمامه هدفاً فسوف يحققه». لقد مر أكثر من 12 عاماً منذ أن جرب الشاب الجزائري النحيل، الذي عانى كثيراً من أجل إثبات نفسه في نادي سارسيل، حظه في تجربة مع نادي كيمبيه للهواة، على بُعد 600 كيلومتر على الساحل الأطلسي لفرنسا.
ومنذ ذلك الحين، حقق محرز طموحه في تمثيل منتخب الجزائر في كأس العالم، وفاز بجائزة رابطة اللاعبين المحترفين كأفضل لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز بعدما قاد نادي ليستر سيتي للفوز بلقب الدوري عام 2016. ولا شك في أن الأداء الاستثنائي الذي قدمه محرز في مباراتي الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان لن يكون آخر خطوة في رحلته نحو العظمة، بحسب مدربه السابق.
يقول كوليبالي «لست مندهشاً من وصوله إلى هذا المستوى؛ لأنه منذ سن الثامنة عشرة من عمره تحول إلى وحش. دائماً ما كان رياض يمتلك عقلية قوية للغاية ويثق دائماً في نفسه - وأصبح الآن لاعباً متكاملاً لا يخشى المسؤولية». قضى محرز ما يقرب من خمس سنوات في نادي سارسيل، الذي ينافس بالقرب من المكان الذي نشأ فيه محرز بضاحية شمالي العاصمة الفرنسية باريس التي لا تزال تشهد معدلات بطالة عالية. وكان والده، أحمد، قد سافر من الجزائر إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين من عمره في أوائل السبعينات من القرن الماضي لتلقي علاج في القلب ساعده على البقاء على قيد الحياة لما يقرب من ثلاثة عقود، لكنه توفي عندما كان ابنه يبلغ من العمر 15 عاماً.
يقول كوليبالي «في ذلك العمر، كان رياض صغيراً وخجولاً للغاية. لكنه كان طفلاً لا يريد القيام بأي شيء سوى لعب كرة القدم دائماً، ولا يزال كما هو حتى اليوم، فهذا جزء من شخصيته. وهناك الكثير من الشباب في سارسيل لديهم العقلية نفسها». ووصف أصدقاء محرز اللاعب الجزائري بأنه «مجنون بكرة قدم»، وغالباً ما كان يُشاهد وهو يعمل على تحسين مهاراته في الساعات الأولى من الصباح في حي «ليه سابلون» المحلي. وقال هايل مبمبا، الذي كان أيضاً مشرفه في الكلية، لوكالة الصحافة الفرنسية هذا الشهر «كان يلعب كرة القدم حتى من دون أضواء، ولم يكن بمقدور أحد أن يوقفه».
وقد أتى هذا التصميم ثماره، حيث انتقل إلى نادي كيمبيه ثم إلى لوهافر، ومنه إلى ليستر سيتي. وتألق محرز بشكل مثير للإعجاب وقاد ليستر سيتي للفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في عام 2016، وأصبح النجم الجزائري معشوقاً للجماهير لدرجة أن الحلاق المحلي، نسيم، تلقى طلبات لا حصر لها من زبائنه بأن يجري لهم «قصة محرز». وقال نسيم لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عام 2016 «شعبيته في سارسيل تعادل شعبية كريستيانو رونالدو. فإذا فعل رياض شيئاً، يقلده الجميع هناك». أما كوليبالي فيقول «كل الأطفال هنا فخورون جداً به. لقد كان يتحلى بشجاعة كبيرة، والكثيرون من هؤلاء الأطفال يرغبون في السير على الطريق نفسها. عندما كان رياض في السابعة عشرة من عمره، كانت الأمور صعبة للغاية عليه، لكنه الآن أحد أفضل اللاعبين في العالم. إنه يُظهر فقط أن كل شيء ممكن، حتى بالنسبة لشخص من سارسيل».
وتم افتتاح ملعب يحمل اسم محرز في مسقط رأسه، حتى قبل المستويات الأخيرة الرائعة مع مانشستر سيتي وقيادته منتخب الجزائر للفوز بكأس الأمم الأفريقية في عام 2019؛ وهو ما عزز مكانته كبطل في البلد الذي قضى فيه العديد من العطلات في طفولته. وبحسب الصحافي الجزائري ماهر مزاحي، فإن قرار المدير الفني لمنتخب الجزائر، جمال بلماضي، بمنحه شارة القيادة قبل المباراة الحاسمة أمام توغو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 قد غيرت الأمور للأفضل.
يقول مزاحي «لم تكن الأمور تسير بشكل جيد تحت قيادة المدير الفني السابق، وكانت هناك بعض الأسئلة الجادة بشأن ما إذا كان محرز يستحق التواجد في المنتخب من الأساس، حيث لم تكن الأمور على ما يرام. لكن قرار بلماضي بمنحه شارة القيادة في مباراة المنتخب الجزائري خارج ملعبه أمام توغو ساعدته حقاً في الانطلاق بقوة مع منتخب بلاده. لقد سجل هدفين وفزنا في تلك المباراة بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد، وكان بإمكانك أن ترى أنه تطور بشكل كبير خلال ذلك المعسكر».
ويضيف «والآن، أصبح محرز نموذجاً حقيقياً لبقية اللاعبين في المنتخب الوطني. إنه دائماً ما يكون على قدر التوقعات في المباريات الكبيرة. وكان الهدف الذي أحرزه من ركلة حرة مباشرة في الدقيقة الأخيرة من الدور نصف النهائي لكأس الأمم الأفريقية أمام نيجيريا خير مثال على تأثيره في المباريات الكبيرة». وعلاوة على ذلك، سجل محرز ثلاثة أهداف في مباراتي الذهاب والعودة للدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، ليقود مانشستر سيتي للوصول إلى المباراة النهائية للبطولة الأقوى في القارة العجوز للمرة الأولى في تاريخ النادي. كما سجل عندما حسم مانشستر سيتي لقب الدوري الإنجليزي الممتاز ضد برايتون في عام 2019، كما كان دائماً في الموعد عندما يكون الفريق في حاجة إلى جهوده. ولعب محرز دوراً بارزاً في فوز مانشستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم.
ومع ذلك، يرى كوليبالي أن هناك اختلافاً ملحوظاً في طريقة لعب محرز خلال الموسمين الماضيين، قائلاً «إنه يدافع بشكل أكبر عن ذي قبل. عندما كان محرز أصغر سناً، كان من الصعب جداً أن تجعله يساعد الفريق من الناحية الدفاعية، لكنك الآن تراه يعمل بجدية كبيرة مثل أي لاعب آخر. وأمام باريس سان جيرمان، لعب دوراً دفاعياً مهماً للغاية، كما لم يعد يلعب بالقدر نفسه من الفردية، وأصبح يلعب أكثر بشكل جماعي ومن أجل مصلحة الفريق».
في الحقيقة، يعد هذا دليلاً على الإدارة الرائعة من جانب المدير الفني جوسيب غوارديولا، الذي نجح في تطوير أداء محرز بهذا الشكل، بعدما بدا في مرحلة ما وأنه سيكون لاعباً مهمشاً في مانشستر سيتي. ولم يلعب محرز كثيراً في أول موسم له مع مانشستر سيتي بعد انضمامه إلى النادي قادماً من ليستر سيتي في صفقة قياسية في تاريخ النادي بلغت 60 مليون جنيه إسترليني في عام 2018، ولمح محرز قبل انطلاق بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى شعوره بالإحباط من الدور الصغير الذي قام به مع مانشستر سيتي الذي فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في ذلك الموسم.
لكن الأداء القوي الذي قدمه في كأس الأمم الأفريقية بمصر، وخلال فترة الاستعداد للموسم الجديد أقنع غوارديولا بأنه يمكنه أن يلعب دوراً محورياً في الفريق. وجاء الدليل على أن غوارديولا قد غيّر رأيه بشأن محرز في يناير (كانون الثاني) 2020 عندما أدلى بتصريح غريب قال فيه، إنه من المستحيل أن يتعرض محرز للإصابة «لأنه ليس لديه عضلات»، قبل أن يضيف «في الثلث الأخير من الملعب يقدم محرز مستويات مميزة للغاية، ويكون لدي شعور دائم بأنه قادر على التسجيل».
لقد لعب محرز دوراً مختلفاً قليلاً هذا الموسم عندما لعب مانشستر سيتي من دون مهاجم صريح، حيث كان ينطلق محرز من على الطرف الأيمن إلى عمق الملعب، لكي يخلق مساحة ينطلق فيها الظهير الأيمن كايل ووكر؛ وهو الأمر الذي أضاف بُعداً إضافياً للقوة الهجومية لمانشستر سيتي وترك رحيم سترلينغ على مقاعد البدلاء. يقول مزاحي عن نجاح محرز «إنها أخبار رائعة للغاية لنا في الجزائر. لم أر أبداً مثل هذه الإثارة بالنسبة للاعب من ناد خارجي. منذ فوز مانشستر سيتي على باريس سان جيرمان في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا والجميع يتحدثون عن محرز، سواء على جميع وسائل التواصل الاجتماعي أو في كل مكان تذهب إليه. وخلال احتفالات عيد الفطر الماضي، كان محرز الموضوع الرئيسي للنقاش عندما تجتمع العائلات».
وأكمل محرز عامه الثلاثين في فبراير (شباط) الماضي، ويعد أحد أكثر اللاعبين شهرة في العالم، لكن كوليبالي يؤكد أن محرز لم يتغير بعد هذه الشهرة، قائلاً «إنه لا يزال يحمل قلب طفل صغير. ولا يزال يحب اللهو مع أصدقائه من سارسيل، عندما يعود لزيارة تلك المنطقة. أهم شيء في محرز هو أنه يعشق كرة القدم، فهو لا يتعامل مع اللعب على أنه وظيفة، ولكن على أنه متعة». مؤخراً، وبالتحديد في بداية الشهر الماضي أكد محرز أنه ينوي البقاء مع مانشستر سيتي الموسم المقبل، وإنه لا يرى مستقبله خارج فريقه مانشستر سيتي رغم الشائعات التي تحدثت عن إمكانية رحيله عن ملعب الاتحاد. وأكد محرز في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إنجليزية على حبه لمانشستر سيتي. وقال محرز، رداً على سؤال بشأن مزاعم حول رغبه إدارة ناديه في وضعه على قائمة اللاعبين المعروضين للبيع «أنا مرتاح في السيتي وسأبقى إن شاء الله».
ويتبقى عامان في عقد محرز مع مانشستر سيتي. وقال اللاعب الدولي الجزائري، إنه ملتزم بعقده مع مانشستر سيتي ولا يزال لديه الكثير ليحققه مع المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا. وبسؤاله إذا أراد أن يصعد لمستوى أعلى في مسيرته قال محرز «أنا لا أرى ما هو أعلى من مانشستر سيتي، أنا أحب إنجلترا، كرة القدم الإنجليزية رائعة، لا أريد المغادرة. لا يزال لدي أهداف أحققها هنا». وعما إذا أراد مدربه غوارديولا الاعتماد عليه قال «التأقلم هنا لم يكن سهلاً، لكن علاقتنا جيدة، الجميع يعرف إنها رائعة».
وساعد محرز مانشستر سيتي على الفوز بلقبين في الدوري الإنجليزي الممتاز، ولقب في كأس الاتحاد الإنجليزي و3 في كأس رابطة المحترفين الإنجليزية، إلى جانب لقبين في كأس الدرع الخيرية. كما كان محرز حاسماً في صعود مانشستر سيتي للمباراة النهائية بدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي لكن الفريق خسر 0-1 أمام تشيلسي. وأبدى محرز، أسفه لعدم تتويج مانشستر سيتي بلقب دوري أبطال أوروبا بعد الخسارة أمام تشيلسي. وسجل محرز 39 هدفاً وصنع 37 خلال 142 مشاركة مع مانشستر سيتي.
وارتبط محرز بالرحيل عن مانشستر سيتي هذا الصيف، وفي مايو (أيار) الماضي صرح العديد من الوسائل الإعلامية، بأن مانشستر سيتي ينوي بيع محرز وزميله رحيم سترلينغ في السوق الصيفية. وأوضحت مصادر، أن مانشستر سيتي ينوي إجراء تغيير على تشكيلته للموسم المقبل، رغم التتويج بلقب الدوري الإنجليزي وكأس رابطة المحترفين الإنجليزية، وصعوده لنهائي دوري أبطال أوروبا. وأشارت إلى أن غوارديولا عازم على بناء فريق رائع بعد قيادة النادي للفوز بلقب الدوري الممتاز للمرة الثالثة في 4 سنوات، وتشمل التغييرات بيع محرز وسترلينغ، رغم تألق النجم الجزائري الموسم الحالي.
وكانت وسائل إعلام إسبانية ذكرت، أن مانشستر سيتي دخل في مفاوضات رسمية من أجل تحويل جناحه محرز إلى العملاق الإسباني برشلونة، خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية. وقالت وسائل الإعلام، إن الصفقة ستكون بمثابة هدية حقيقية للجناح الجزائري الذي يعدّ مشجعاً وفياً للفريق الكاتالوني، وكان يحلم بارتداء قميصه منذ سنوات مضت. وكشف «راديو كتالونيا»، عن أن إدارة مانشستر سيتي ونظيرتها في برشلونة تدرسان إمكانية إبرام صفقات تبادلية في الفترة المقبلة، من أجل تدعيم صفوفهما قبل الموسم الجديد.
وأوضح المصدر ذاته، أن مانشستر سيتي وضع اسم محرز، ورحيم سترلينغ، وإيمريك لابورت، على طاولة المفاوضات، مشيراً إلى استعداد الفريق الإنجليزي لدراسة جميع المقترحات المقدمة من الطرف الإسباني بشأنهم. ولكن وسائل إعلام إسبانية أخرى، استبعدت انتقال محرز أو حتى إتمام أي صفقة تبادلية بين برشلونة ومانشستر سيتي هذا الصيف. وأرجع المصدر سبب صعوبة إبرام أي صفقة تبادلية بين مانشستر سيتي وبرشلونة في الوقت الحالي، لارتفاع أجور نجوم «السيتي» المرتبطين بالانتقال إلى الفريق الكاتالوني، حيث تتجاوز بكثير الحد الأقصى للأجور الذي حددته رابطة الدوري الإسباني. فمحرز على سبيل المثال، يتقاضى حالياً في مانشستر سيتي أجراً سنوياً قدره 10.4 مليون يورو، وهناك 10 لاعبين حاليين فقط في برشلونة يتقاضون أكثر منه. وأشار المصدر، إلى أن برشلونة يعاني من مشكلة بسبب قانون اللعب المالي النظيف؛ وهو ما يجعله عاجزاً حتى الآن من تسجيل العقد الجديد لنجمه الأرجنتيني ليونيل ميسي.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.