جادون سانشو... من اللعب في شوارع لندن إلى ثاني أغلى لاعب كرة قدم إنجليزي

زملاء ومدربو الجناح الموهوب يحكون قصة وصوله إلى النجومية بينما يستعد للانتقال إلى مانشستر يونايتد

لاعبون كثيرون فضلوا الرحيل عن الدوري الإنجليزي بعد انتقال سانشو إلى دورتموند (إ.ب.أ)
لاعبون كثيرون فضلوا الرحيل عن الدوري الإنجليزي بعد انتقال سانشو إلى دورتموند (إ.ب.أ)
TT

جادون سانشو... من اللعب في شوارع لندن إلى ثاني أغلى لاعب كرة قدم إنجليزي

لاعبون كثيرون فضلوا الرحيل عن الدوري الإنجليزي بعد انتقال سانشو إلى دورتموند (إ.ب.أ)
لاعبون كثيرون فضلوا الرحيل عن الدوري الإنجليزي بعد انتقال سانشو إلى دورتموند (إ.ب.أ)

يُعد النجم الإنجليزي الشاب جادون سانشو من أفضل المواهب الشابة في عالم كرة القدم اليوم، ويتفق كل من عرفوه منذ فترة طويلة على شيء واحد؛ وهو أنه متواضع للغاية. يقول ديفيد سيساي، زميل سابق لسانشو في أكاديمية واتفورد للناشئين الذي لعب مع نادي كراولي الإنجليزي الموسم الماضي: «إنه متواضع بشكل يثير الجنون». ويضيف: «شخصية جادون لم تتغير أبداً. وما زلنا نلعب بلاي ستشين أحياناً ونتحدث مثل الأصدقاء القدامى العاديين. لم يكن مغروراً على الإطلاق. والده يطالبه دائماً بأن يظل متواضعاً وأن يتذكر من أين أتى».
لقد مرت تسع سنوات منذ أن التقى سيساي بسانشو عندما انتقل الأخير إلى فئة عمرية أعلى للعب مع فريق نادي واتفورد تحت 13 عاماً بعد أن بدأ في التألق بأكاديمية هريفيلد للناشئين، التي تعمل في إطار شراكة مع نادي واتفورد. وكان هذا الصبي، الذي سيصبح ثاني أغلى لاعب إنجليزي عندما يوقع لمانشستر يونايتد، يعيش على الجانب الآخر من العاصمة البريطانية لندن مع عائلته في كينينغتون، وكان يزور سيساي بشكل منتظم في منزله بمنطقة هارو معظم ليالي الأسبوع.
يقول سيساي: «لقد اعتاد البقاء في منزلي قليلاً لأنه وجده أكثر متعة من الإقامة في النزل (منازل صغيرة للإيجار). ثم اعتدنا الذهاب إلى المدرسة في الصباح. وكانت والدتي تعد له الطعام وتنظف ملابسه - ودائماً ما كانت أمي وأختي تعبران عن فخرهما به». انضم سانشو إلى واتفورد في السابعة من عمره، بعد عامين فقط من إقناعه لمدير مدرسة كرامبتون الابتدائية في كينينغتون بأنه مقدر له أن يكون نجماً! وسرعان ما أُعجب لويس لانكستر، الذي درب سانشو في واتفورد، بعقلية هذا اللاعب الصغير.
يقول لانكستر: «أدركت منذ اليوم الأول أنني أعمل مع لاعب لديه طموحات كبيرة وشجاعة هائلة. عندما سألته ماذا تريد أن تفعل؟ ورغم أنه كان لا يزال في الثالثة عشرة من عمره، فقد نظر في عيني بجرأة وقال لي: أريد أن ألعب بقميص المنتخب الإنجليزي وأن أجعل عائلتي فخورة بي، وأريد أن ألعب مع أحد أفضل الأندية في أوروبا».
نشأ سانشو وهو يلعب في الملاعب القريبة من منزله، وهو الأمر الذي جعله يكتسب مهارات رائعة أقنعت مسؤولي مانشستر يونايتد في نهاية المطاف بالتعاقد معه. يقول لانكستر: «إن البيئة التي يلعب فيها الأطفال في الشوارع تكون أكثر قسوة من البيئة الموجودة في أكاديميات الناشئين». ويضيف: «جادون روى لي قصة عندما كانوا يلعبون في تلك الملاعب الصغيرة ذات يوم، وكان هناك كثير من اللاعبين، مفادها أنه إذا أخطأ أي لاعب في التمرير أو ارتكب أي خطأ داخل الملعب، فإنه يخرج على الفور ويشارك لاعب آخر بدلاً منه، وهو الأمر الذي كان يشكل ضغطاً كبيراً على اللاعبين الصغار في السن».
تألق سانشو بشكل مثير للإعجاب مع فريقي واتفورد تحت 14 عاماً و15 عاماً تحت قيادة لانكستر، على الرغم من أنه كان أصغر بسنة على الأقل من معظم اللاعبين الذين يلعب معهم، وسجل هدفاً استثنائياً من منتصف الملعب في مرمى ريدينغ، كما أحرز هدفاً آخر لا ينسى بمجهود فردي رائع بعد أن راوغ معظم لاعبي نادي ساوثإند. يقول سيساي: «كانت لديه دائماً ثقة كبيرة للغاية في نفسه، وهو الأمر الذي جعله يتألق بشكل لافت. كان من السهل أن ترى أنه ينتظره مستقبل مشرق».
وكان والد سانشو، شون، غالباً ما يصطحب لاعبي واتفورد لمشاهدة مباريات المنتخب الإنجليزي للشباب على ملعب «سانت جورج بارك»، وكان يقدم لهم تدريباً إضافياً أثناء بقائهم في جنوب لندن. يقول سيساي، الذي تم استدعاؤه لقائمة منتخب كينيا بعد تألقه مع نادي كراولي في دوري الدرجة الثالثة بإنجلترا: «كان والد سانشو يحاول دائماً أن يمنحنا الثقة، فإذا فعلنا شيئاً جيداً في التدريبات، كان يطالبنا بأن نعمل على تكرار هذا الشيء نفسه في المباريات. لقد كان يحفزنا دائماً. كان والد سانشو يأتي لمشاهدة جميع المباريات، وحتى عندما كنا نقوم بجولة في بلدان مختلفة كان يأتي لمشاهدة المباريات».
يقول لانكستر، الذي عمل في السابق مساعد مدرب في نادي يوتا رويالز في الدوري الأميركي لكرة القدم للسيدات بعد أن درب منتخب تايوان أيضاً: «والده رجل رائع، وكان بمثابة معلم جيد للغاية لسانشو. شون شخص هادئ جداً وكان يساعد نجله في أن يتحلى بالتواضع دائماً. لقد كان يقف بجوار نجله دائماً، ودائماً ما كان يتخذ القرارات الصحيحة».
رحل سانشو عن واتفورد وهو في الرابعة عشرة من عمره للانتقال إلى مانشستر سيتي، وفاجأ معظم الناس بعد أكثر من عامين بقليل عندما رفض في أغسطس (آب) 2017 عقداً قيمته 30 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع وفرصة اللعب تحت قيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا والانضمام إلى بوروسيا دورتموند. تم استبعاد سانشو من جولة مانشستر سيتي في الولايات المتحدة استعداداً للموسم الجديد.
يتذكر سيساي مناقشة هذا الأمر مع صديقه، قائلاً: «لقد واجهنا بعضنا وسألته عما يحدث، وما إذا كان سيرحل عن مانشستر سيتي، أم لا، فقال: نعم يبدو الأمر كذلك. أتذكر أنني قلت له إنه يتعين عليه الذهاب إلى المكان الذي يرغب في اللعب به. لقد ذكرنا عدداً قليلاً من الأندية التي لديها سجل جيد في جلب اللاعبين الشباب، بما في ذلك بوروسيا دورتموند، وفي غضون أسبوعين كان قد انتقل إلى النادي الألماني بالفعل».
ومنذ ذلك الحين، سار 13 لاعباً إنجليزياً على نفس طريق سانشو وانتقلوا للعب في الدوري الألماني الممتاز - وهو الاتجاه الذي يعتقد لانكستر أن سانشو يستحق كثيراً من الثناء عليه. يقول لانكستر: «لقد قال سانشو: حسناً، هذا المسار ليس مناسباً لي، لذا سأسير في طريق مختلفة تناسبني».
وفي دورتموند، عاش سانشو في شقة مع والده بالقرب من ملعب «سيغنال إيدونا بارك» معقل نادي بوروسيا دورتموند. وما يعكس أهمية سانشو لبوروسيا دورتموند أن النادي الألماني قد رتب كل الأمور لإعادة سانشو من المشاركة مع منتخب بلاده في كأس العالم تحت 17 عاماً للمشاركة مع الفريق بالدوري الألماني الممتاز. سجل سانشو ثلاثة أهداف مع المنتخب الإنجليزي خلال دور المجموعات، وكان يلعب بجانبه آنذاك زميله السابق في مانشستر سيتي فيل فودين، ولاعب تشيلسي كالوم هودسون أودوي.
وغاب سانشو عن أدوار خروج المغلوب في البطولة التي توج المنتخب الإنجليزي بلقبها بعد الفوز على إسبانيا في المباراة النهائية بخمسة أهداف مقابل هدفين. لقد عوض سانشو خيبة الأمل التي شعر بها بسبب غيابه عن الأدوار الإقصائية للمونديال بالتألق مع نادي بوروسيا دورتموند وتسجيل 37 هدفاً وصناعة 45 هدفاً خلال المواسم الثلاثة التي لعبها في الدوري الألماني الممتاز، محطماً عدداً من الأرقام القياسية التي ظلت صامدة لفترة طويلة.
يقول لانكستر: «الشيء الأكثر إثارة بالنسبة لي هو الطريقة التي يدافع بها، لأننا لم نعمل على ذلك مطلقاً. إنه يتحرك بشكل مثالي داخل الملعب ويستخلص الكرات من لاعبي الفريق المنافس، ويعمل بكل قوة من أجل مصلحة الفريق. لقد تعلم من الشارع أن يوظف نقاط قوته لمصلحة الفريق وأن يعمل على التخلص من نقاط ضعفه». ويضيف: «كان لدى جادون دائماً تلك الشخصية التي تجعله يلعب من أجل تحطيم الأرقام القياسية. فإذا أخبرته مثلاً أنه لم ينجح أي لاعب من قبل في تسجيل 20 هدفاً في موسم واحد بالدوري، فسيضع نصب عينيه تحطيم هذا الرقم. إن الطموح والموهبة اللذان يتمتع بهما جادون تجعله يضع نصف عينيه تحقيق هدف آخر، وقد نراه يوماً ما يفوز بجائزة الكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم».
أما بالنسبة لسيساي، فليس لديه أدنى شك في أن سانشو لن يتغير أبداً رغم انتقاله إلى مانشستر يونايتد بهذا المقابل المادي الكبير، قائلاً: «لقد فعل بالضبط ما خطط له - كان يقول دائماً إنه يريد اللعب مع أحد أفضل الأندية في العالم. لقد علمت بمجرد أن أتيحت له الفرصة أن ثقته ستأخذه وتدفعه إلى ما هو أبعد من ذلك. والآن فإنه يفعل ما كان يفعله معنا عندما كنا نلعب معاً ونحن أقل من 15 عاماً، ولكن على مستوى أعلى بكثير».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.