اجتماع أميركي ـ روسي في آيسلندا يسبق قمة بايدن ـ بوتين

واشنطن تدعو إلى «تجنّب عسكرة» القطب الشمالي... وموسكو ترد: «هذه أرضنا»

وزير الخارجية الأميركي (يسار) مع نظيره االكندي في ريكيافيك لحضور اجتماعات القطب الشمالي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي (يسار) مع نظيره االكندي في ريكيافيك لحضور اجتماعات القطب الشمالي (أ.ف.ب)
TT

اجتماع أميركي ـ روسي في آيسلندا يسبق قمة بايدن ـ بوتين

وزير الخارجية الأميركي (يسار) مع نظيره االكندي في ريكيافيك لحضور اجتماعات القطب الشمالي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي (يسار) مع نظيره االكندي في ريكيافيك لحضور اجتماعات القطب الشمالي (أ.ف.ب)

تشكل منطقة القطب الشمالي رهاناً جيوسياسياً جديداً يتمحور حوله الاجتماع الإقليمي لوزيري الخارجية، الأميركي والروسي، الأربعاء والخميس، في ريكيافيك بآيسلاند. لكن لا تُنذر التصريحات التي سبقت اللقاء بـ«خفض التصعيد» الذي تدعو إليه واشنطن وموسكو في وقت تُعتبر علاقاتهما في أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي حين بدا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن راغباً في أن يجعل من القطب الشمالي مختبراً لنوع من التعاون الموجّه نحو تحديات مشتركة مثل مكافحة الاحتباس الحراري، رفع نظيره الروسي سيرغي لافروف منسوب التوتر من خلال تصريحات مدوّية. وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس في بيان أن «الاجتماع الثنائي سيعقد بعد الحدث النهائي لمجلس القطب الشمالي مساءً، وسيوفر فرصة لاختبار اقتراح ما إذا كنا نستطيع تحقيق علاقة مع موسكو أكثر استقراراً ويمكن التنبؤ بها».
وذكرت وزارة الخارجية الروسية، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه تم ترتيب الاجتماع المباشر بين لافروف وبلينكن لبحث «قضايا رئيسية للعلاقات المتبادلة وجداول الأعمال الدولية». ويأتي اللقاء لتقييم عمق الفجوة بين القوتين المتخاصمتين، وتأكيد انعقاد قمة منتظرة جداً في يونيو (حزيران) بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين. وذكر البيت الأبيض أنه يتعين حل الخلافات بين واشنطن وموسكو قبل عقد مثل هذا الاجتماع، بينما قال «الكرملين» إنه يدرس احتمال عقد قمة. وقال «الكرملين»، أمس (الأربعاء)، إن الاستقرار الاستراتيجي ينبغي أن يكون على قمة جدول أعمال اجتماع محتمل بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي جو بايدن، إلى جانب بحث العلاقات الثنائية. وقال لافروف الاثنين متحدثاً عن المنطقة القطبية الشمالية: «كان من الواضح تماماً بالنسبة إلى الجميع منذ مدة طويلة أن هذه أرضنا» مدافعاً عن نوع من حصن روسي، ومندداً خصوصاً بالنزعات «العدائية» للدول الغربية في القطب الشمالي، من خلال حلف الأطلسي والنرويج. وأضاف أن «النشاط العسكري» الروسي في القطب الشمالي «قانوني وشرعي تماماً». ويرى أستاذ العلوم السياسية والخبير الفرنسي لشؤون القطب الشمالي ميكا ميريد أن الروس «يدلون دائماً (بهذه التصريحات) لمجرد إثبات الذات، لكن ذلك لا يمنع مواصلة عمل المجلس (مجلس المنطقة القطبية الشمالية) حول مواضيعه التوافقية التقليدية».
لكن التحذير الروسي أثار حتماً رداً من بلينكن الذي دعا الثلاثاء إلى «تجنّب عسكرة» القطب الشمالي، وأيضاً تجنّب الإدلاء بهذا النوع من «التصريحات» التي «تقوّض الهدف المشترك المتمثل بمستقبل سلمي» لهذه المنطقة الواسعة الواقعة حول القطب الشمالي والغنية بالموارد الطبيعية. وقال بلينكن: «لدينا مخاوف حيال مسألة زيادة بعض الأنشطة العسكرية في القطب الشمالي التي تعزز مخاطر حصول حوادث». وقبل بضع ساعات من اللقاء، ندّد بلينكن أيضاً في تغريدة «بتجاوزات روسيا في القرم»، معتبراً أن شبه الجزيرة التي ضمّتها موسكو عام 2014 «أوكرانية». وبالتالي بات معروفاً سياق اللقاء الثنائي بعد عشاء افتتاحي لـ«مجلس المنطقة القطبية الشمالية».
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركي مساء الثلاثاء في ريكيافيك إن اللقاء «سيسمح باختبار» ما إذا كان «بإمكاننا إقامة علاقة مع موسكو تكون مستقرة ويمكن التنبؤ بها». ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) يظهر الرئيس بايدن صرامة شديدة حيال روسيا برئاسة بوتين، الذي ذهب بايدن إلى حدّ وصفه بـ«قاتل»، ليُظهر بشكل أفضل اختلاف نهجه حيال روسيا عن نهج سلفه دونالد ترمب المتهم بالتراخي مع الرئيس الروسي.
وتبادلت موسكو وواشنطن اتهامات قاسية وعقوبات منذ بدء ولاية الرئيس الديمقراطي. لكن يؤكد البلدان أنهما يريدان نوعاً من التهدئة. وقال بلينكن من آيسلندا: «قلنا بشكل واضح جداً إن في حال اختارت روسيا اتخاذ تدابير غير مسؤولة أو عدائية ضد مصالحنا أو شركائنا وحلفائنا، سنردّ»، مضيفاً أن ذلك «ليس للسعي من أجل (إشعال) نزاع أو تصعيد، لكن لأنه لا يمكن تحدينا والإفلات من المحاسبة». إلا أنه اعتبر أن «من المهمّ التمكن من التحدث عن ذلك في لقاء ثنائي لرؤية ما إذا بالإمكان إقامة علاقة مستقرة ويمكن التنبؤ بها مع روسيا»، وكذلك إيجاد أرضيات مشتركة في مجالي المناخ أو نزع الأسلحة.
من أجل التوصل إلى ذلك، يبدو بايدن وبوتين متوافقين على عقد أول قمة لهما في يونيو (حزيران) في بلد أوروبي، على الأرجح على هامش اجتماعات قادة مجموعة السبع وحلف الأطلسي الذين سيعطون الأفضلية لإظهار جبهة مشتركة ضد موسكو. وقال وزير الخارجية الأميركي: «نعتقد أن (القمة) ستُعقد في الأسابيع المقبلة»، وقد يتمّ الإعلان عن مكان وزمان القمة في الأيام التي تلي اجتماع ريكيافيك. وقال بايدن إنه يرغب في عقد محادثات مع بوتين خلال زيارته لأوروبا في الشهر المقبل. وكان بايدن قد وصف بوتين في مارس (آذار) آذار بأنه «قاتل»، الأمر الذي دفع موسكو إلى استدعاء سفيرها في واشنطن للتشاور.



رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال شريف اليوم السبت في منشور على منصة «اكس»، «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى. ومع توقع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة، تستعد باكستان بعدها لتوقيع إلكتروني فوري لاتفاق السلام، تليه محادثات تقنية الأسبوع المقبل».

وأضاف «نشكر للولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية التزامهما المستمر خلال المفاوضات، ونعرب عن تقديرنا العميق لإخواننا في المنطقة على دعمهم. ونحن على ثقة بأن اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكل أساسا متينا لسلام دائم».

وبعد أسابيع من المراوحة في المفاوضات حول بنود مذكرة التفاهم، اعتبرت واشنطن وطهران في الايام الاخيرة أن التوصل الى توافق بات وشيكا جدا.

لكن الولايات المتحدة أعلنت أنها أسقطت في وقت مبكر السبت مسيرات ايرانية كانت تستهدف سفنا تجارية في مضيق هرمز.

من جهته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن وزير الخارجية عباس عراقجي قوله إنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة».

وتبذل باكستان جهوداً حثيثة منذ أشهر سعيا لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران، وخصوصا بعد إعلان وقف لاطلاق النار بينهما في ابريل (نيسان).

وكانت إسلام آباد استضافت مباحثات تاريخية بين البلدين لكنها لم تفض الى نتيجة ملموسة.


هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً