فيليب لام: غوارديولا... قائد أوركسترا يحصل على أفضل ما في كل آلة موسيقية

أسطورة بايرن السابق يصف كيف يبني المدرب الإسباني خططه على المهارات والإمكانات الفردية للاعبيه

فيليب لام: غوارديولا... قائد أوركسترا يحصل على أفضل ما في كل آلة موسيقية
TT

فيليب لام: غوارديولا... قائد أوركسترا يحصل على أفضل ما في كل آلة موسيقية

فيليب لام: غوارديولا... قائد أوركسترا يحصل على أفضل ما في كل آلة موسيقية

فيليب لام، أحد النقاد الرياضيين في صحيفة «الغارديان» والذي حقق عدداً كبيراً من الألقاب عندما كان لاعباً، مع فريقه بايرن ميونيخ والمنتخب الألماني، يكتب هنا عن المدير الفني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا والذي لعب تحت قيادته في بايرن ميونيخ:
أتذكر الكثير عن المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، الذي قال لي ذات مرة «إنني أختار أفضل تشكيلة لدي في المباريات المهمة». ويتعين علينا أن نمعن النظر في هذه الجملة؛ لأنها تلقي الضوء على جوهر ما تدور حوله كرة القدم، وهو الإمكانات الفردية للاعبين، فغوارديولا مدير فني قدير، ويحب أن يمتلك لاعبوه مهارات وقدرات هائلة. ويسعى بعض المديرين الفنيين لتقليل تعقيد كرة القدم، لكن غوارديولا يريد إتقان التعامل مع هذا التعقيد. ويمكن للمرء أن يشبه ما يقوم به غوارديولا بلاعب الشطرنج المحترف الذي يحرك قطع اللعبة بمنتهى البراعة، أو بقائد أوركسترا يحصل على أفضل ما في كل آلة موسيقية. لكن الاختلاف الوحيد هو أن فريق كرة القدم لا يلعب وفقاً لملاحظات موسيقية معينة، وأن مسارات لاعب كرة القدم أكثر تنوعاً من تلك التي تتبعها قطع الشطرنج. وبالتالي، من الصعب للغاية أن تتوقع ما سيقوم به لاعبو الأندية التي يتولى غوارديولا تدريبها داخل الملعب، بل ومن الصعب وصف ما يقومون به أيضاً.
إن أي مدير فني رائع يعرف بسرعة ما يمكن أن يقدمه كل لاعب من لاعبيه داخل المستطيل الأخضر، ثم يخبر كل لاعب بنقاط قوته ونقاط ضعفه، إلى جانب نقاط قوة وضعف المنافسين. ويعمل هذا المدير الفني على تطوير القدرات الفردية لكل لاعب من لاعبيه كل يوم. وفي الحقيقة، يقوم غوارديولا بكل هذا بشغف لم أشهده من قبل في أي شخص آخر، بل ويفعل ذلك أيضاً مع اللاعبين الذين لا يشاركون بشكل مستمر في المباريات، وهو الأمر الذي يعطي المدير الفني الإسباني سلطة مطلقة ويجعل لاعبيه يشعرون بثقة هائلة فيه.
من المؤكد أن أي فريق يحتاج إلى المساعدة، خاصة أثناء المباريات، لكن غوارديولا لا يتوقف عن تدريب لاعبيه بكل حماس ونشاط، وبالتالي يتمكن من قيادة فريقه للفوز في المباريات. ويتأثر اللاعبون البارزون، مثل كيفن دي بروين، كثيراً بأفكار غوارديولا وينقلونها إلى اللاعبين الآخرين. وعلاوة على ذلك، ساعد غوارديولا لاعباً مثل المدافع الإنجليزي كايل ووكر – الذي لا يعد من نوعية اللاعبين الذين يفضلهم غوارديولا من حيث التحرك والتنظيم داخل الملعب – على أن يكون أفضل وأفضل. ويثبت غوارديولا أنه مخلص للجميع، كما أنه يعطي الأمن والأمان للجميع.
ويجب أن نشير إلى أن النجم الألماني إلكاي غوندوغان من نوعية اللاعبين الذين يفضلهم غوارديولا طوال الوقت؛ نظراً لأنه يلعب دائماً من أجل مصلحة الفريق ولا يتوقف عن تقديم الدعم لزملائه داخل الملعب، كما أنه يتصرف دائماً بشكل صحيح، ويركض بشكل مثالي ويقوم بواجباته الدفاعية والهجومية على النحو الأمثل. وعلاوة على ذلك، فإنه يعرف جيداً متى يحتفظ بالكرة ومتى ينطلق بكل قوة نحو منطقة الجزاء. إنه يعرف في أغلب الأحيان أين ستنتهي الهجمة، وهذا هو السبب الذي يجعله يسجل الكثير من الأهداف. يحتاج غوارديولا إلى مثل هذه النوعية من اللاعبين. ويستفيد غوندوغان بشكل خاص من مديره الفني؛ لأنه يستوعب ويستمتع بالطريقة التي يعتمد عليها غوارديولا.
كل هذا يجعل الفريق يلعب كوحدة واحدة. في الحقيقة، يمكن لأي شخص أن يتعرف بسهولة وعلى الفور على الفرق التي يتولى غوارديولا تدريبها، حتى لو كانت الصور التلفزيونية عبارة عن مجرد لقطات بالأبيض والأسود، حيث يركض اللاعبون كثيراً وبشكل سلسل، ويمررون الكرات القصيرة كثيراً، ويتحركون بشكل رائع داخل منطقة الجزاء، وينجحون في مراوغة المنافسين والمرور منهم بسهولة، كما أن الفريق ينطلق للأمام كوحدة واحدة ويدفع اللعب بالكامل في نصف ملعب الفريق المنافس. إنه ليس شيئاً يمكن للمدير الفني تحقيقه ببساطة عن طريق إصدار تعليمات للاعبيه في غرفة خلع الملابس، بل يتعين عليه العمل بكل قوة كل يوم حتى يتمكن اللاعبون من تطبيق ذلك عمليا داخل الملعب.
وعندما تولى غوارديولا القيادة الفنية لمانشستر سيتي في عام 2016، أعاد بناء الفريق بالكامل. وبعد أن كان الفريق يحتل المركز الثالث في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز في الموسم السابق، قاده غوارديولا للفوز بلقب الدوري مرتين، قبل أن يحتل المركز الثاني في جدول الترتيب. والآن، عاد الفريق إلى القمة مرة أخرى ويغرد بعيداً عن باقي المنافسين. ويجب الإشارة إلى أن الأندية التي يتولى غوارديولا تدريبها لا تنخفض أبداً عن مستوى معين.
وبالنسبة للأندية الإنجليزية، فإن الدوري الممتاز هو المنافسة الحاسمة على أي حال، وهو البطولة التي تتدفق فيها الأموال بشكل كبير، وبالتالي تكون المنافسة شرسة للغاية. وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن الأندية الإنجليزية تشكل أكثر من نصف الأندية الـ11 الأعلى دخلا في العالم. كما أن كل نادٍ من أفضل ستة أو ثمانية أندية إنجليزية يضم على الأقل ثلاثة أو أربعة لاعبين من الطراز العالمي، وهو أمر فريد من نوعه لا يوجد في باقي الدوريات الأخرى.
وخلال السنوات العشرة الماضية، تمكنت خمسة أندية مختلفة من الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن مانشستر سيتي بقيادة غوارديولا كان الفريق الوحيد الذي تمكن من الاحتفاظ باللقب والفوز بالدوري مرتين متتاليتين خلال هذه الفترة، عندما فعل ذلك في عام 2019. وعلاوة على ذلك، قاد غوارديولا مانشستر سيتي للفوز بخمسة من أصل 10 كؤوس محلية.
لكن لكي تفوز بلقب دوري أبطال أوروبا، فإنك تحتاج إلى قليل من الحظ، سواء في القرعة أو في مباريات خروج المغلوب. وغالباً ما تكون الأندية العشرة الكبرى في أوروبا متواجدة في دور الستة عشر للبطولة كل عام. وإذا لم يكن جميع اللاعبين الكبار لائقين وجاهزين من الناحيتين الفنية والبدنية في أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، فسوف يكون الأمر صعبا. كما أن اللاعبين الموهوبين يلعبون دوراً مهماً للغاية. ففي برشلونة، كان لدى غوارديولا أربعة أو خمسة لاعبين يمكن وضعهم في التشكيلة المثالية لأفضل اللاعبين في العالم. لكن ليس لديه هذا العدد من اللاعبين العالميين في مانشستر سيتي، على الرغم من الاستثمارات الكبيرة التي يضخها النادي لتدعيم صفوف الفريق بلاعبين جدد.
وكما ذكر غوارديولا ذات مرة، لا يزال اللاعبون المذهلون مثل كيليان مبابي ونيمار يفضلون اللعب في المدن الكبرى مثل لندن وباريس أو الأندية ذات التاريخ العريق. وإذا ما قارنا مانشستر سيتي بغيره من الأندية الكبرى في أوروبا، فإنه لا يكون الأوفر حظاً للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا، خاصة بعد ابتعاد مهاجمه الأبرز سيرجيو أغويرو عن الكثير من المباريات وتراجع مستواه بسبب الإصابات التي لحقت به في الآونة الأخيرة. قبل أن يعود وعود معه تألقه أمام كريستال بالاس.
وإذا كنا لا نزال نضع في الاعتبار وصول غوارديولا للقمة مع برشلونة الإسباني، فإننا نرى أيضاً أنه يتكيف بشكل رائع مع الظروف المختلفة للأندية التي يتولى تدريبها. لقد كان برشلونة يضم كوكبة من اللاعبين الرائعين، الذين كان يمكنهم حسم نتيجة أي مباراة، وقد فاز هذا الفريق بدوري أبطال أوروبا في عامي 2009 و2011 تحت قيادة غوارديولا، وكان قادراً على «خنق» أي منافس مهما كانت قوته. لقد كان هذا الأسلوب ممكناً لأن النادي بأكمله يطبق أفكار يوهان كرويف فيما يتعلق بـ«الكرة الشاملة».
ويرى غوارديولا نفسه امتداداً لهذه الأفكار، فهو يتمنى أن يضم فريقه 11 لاعباً مثل اللاعب الإسباني السابق أندريس إنييستا. لكن في الأندية الأخرى، يتكيف غوارديولا مع الظروف القائمة ويقدم بعض التنازلات بمثاليته المعهودة. ففي بايرن ميونيخ كان يجعل النجمين فرانك ريبيري وأرين روبن يلعبان على الأطراف، على أن يتحرك ظهيراً الجنب إلى العمق لمساعدة الفريق على السيطرة على وسط الملعب والاستحواذ على الكرة.
لكن في الدوري الإنجليزي الممتاز الذي يتميز بالمنافسة الشرسة بين عدد كبير من الأندية، لم يتمكن غوارديولا من تحقيق المستوى نفسه من السيطرة التي كان يتمتع بها مع برشلونة وبايرن ميونيخ. والآن، يهتم مانشستر سيتي أكثر بالنواحي الدفاعية، ويعتمد على مدافعين أقوياء يجيدون ألعاب الهواء. وفي بعض الأحيان، يترك الفريق الكرة للفريق المنافس ويعود للخلف ويدافع من داخل منطقة الجزاء من أجل أن يلتقط اللاعبون أنفاسهم لبعض الوقت قبل أن يعودوا لشن الهجوم الشرس مرة أخرى.
لقد أدرك أيضاً أهمية إحراز الأهداف البسيطة من الركلات الركنية أو من التسديدات بعيدة المدى، وأدرك أيضاً أن هذه الأهداف جذابة ورائعة وليست مملة. باختصار، لم يعد غوارديولا يعتمد فقط على النقلات السريعة فيما يعرف بـ«التيكي تاكا». وبدلاً من ذلك، يعمل غوارديولا على تطوير قدرات لاعبيه الدفاعية والهجومية على حد سواء. لقد كنت ألعب كمدافع لكنني كنت أجيد القيام بالمهام والأدوار الهجومية، وربما يكون هذا هو السبب في أنني تعايشت بشكل جيد مع غوارديولا. وتحت قيادة غوارديولا، ينظم مدافعو مانشستر سيتي الأمور الدفاعية بشكل أكثر دقة. وحتى جيروم بواتينغ قال إن غوارديولا علمه دروساً مهمة للغاية. إننا كلاعبين في بايرن ميونيخ قد تعلمنا الكثير والكثير من غوارديولا، سواء في النواحي الفردية أو الجماعية.
ويتعين على جميع اللاعبين الذين يلعبون تحت قيادة غوارديولا أن يلعبوا من أجل مصلحة الفريق وأن يساعدوا بعضهم بعضاً داخل المستطيل الأخضر. ووصل الأمر لدرجة أن غوارديولا «يخترع» مراكز داخل الملعب للاعبين الاستثنائيين، وهو ما حدث بالضبط مع النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي تحول إلى أسطورة تحت قيادة غوارديولا، عندما أعاد تغيير مركزه حتى يكون أقرب من المرمى. ويدرك غوارديولا جيداً أن اللاعبين الكبار هم من يحسمون المباريات الكبيرة، كما يعرف أن الإبداع داخل الملعب أهم من الخطط الفنية. إن كرة القدم التي يقدمها غوارديولا تعتمد على النواحي الفردية للاعبين. وبالتالي، يشيد غوارديولا بلاعبيه ولا يرفع نفسه ولا طرق اللعب التي يعتمد عليها – سواء 4 - 3 - 3 أو 3 - 5 - 2 - فوق لاعبيه!



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.