دونا شتاين... الجندي المجهول في متحف طهران للفن المعاصر

إمبراطورة إيران فرح ديبا ساعدت في تأسيسه

دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)
دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)
TT

دونا شتاين... الجندي المجهول في متحف طهران للفن المعاصر

دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)
دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)

على حافة حديقة شاسعة في طهران أقيم هيكل خرساني بتصميم يعرف بـ«العمارة القاسية» بلون الرمال، بداخله أحد أرقى مجموعات الفن الغربي الحديث في العالم.
يدخل الزائر إلى «متحف طهران للفن المعاصر» من خلال ردهة تدور بشكل حلزوني نحو الأسفل وكأنه نسخة مقلوبة من «متحف غوغنهايم» لفرانك لويد رايت، لتجد صور آية الله الخميني، والد ثورة 1979 الإيرانية، وآية الله علي خامنئي، الذي خلفه في منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، تتصدر المكان.
تحت الأرض ستجد في انتظارك سلسلة من صالات العرض حيث لا شيء يضاهي الشعور بالوقوف وجهاً لوجه لأول مرة أمام أكثر التحف الفنية إثارة، وهي لوحة جدارية لجاكسون بولوك تعود لعام 1950 تحمل عنوان «جدارية على أرض حمراء»، وهي لوحة من القماش بطول 6 أقدام وعرض 8 أقدام، رُسمت باللون الأحمر الصدئ وبها طبقات سميكة من الطلاء المقطر، وتعتبر أحد أفضل أعمال الرسام في تلك الفترة المهمة.
يضم المتحف أعمالاً لفنانين مثل مونيه، وبيسارو، وتولوز لوتريك، وديغا، ورينوار، وغوجان، وماتيس، وشاغال، وكليي، وويسلر، ورودين، وفان جوخ، وبيكاسو، وكندنسكي، وماغريت، ودالي، وميرو.
تولت تصميم المتحف الإمبراطورة فرح ديبا بهلوي، زوجة الشاه محمد رضا بهلوي، وافتُتح لينال شهرة دولية في عام 1977. غير أنه بعد 15 شهراً فقط غادر الزوجان البلاد إثر انتفاضة شعبية ضخمة فيما اعتبر لاحقاً يوم «عطلة» رسمية في البلاد بعدما استبدلت الثورة النظام الملكي بجمهورية إسلامية في غضون أسابيع.
كان بإمكان النظام الجديد بيع أو تدمير روائع الفن الغربي. وبدلاً من ذلك، أُغلق المتحف وأخفيت كنوزه في قبو خرساني، وجرى الحفاظ على قصور الشاه وتحويلها في النهاية إلى متاحف. ولسنوات عديدة، ظلت المجموعة الفنية التي جرى شراؤها بأقل من 100 مليون دولار، محمية ولكنها غير مرئية، حسب بعض التقديرات، وتبلغ قيمتها في الوقت الحالي 3 مليارات دولار.
ومؤخراً كتبت دونا شتاين، المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين عامي 1975 و1977 ولعبت دوراً صغيراً لكنه مهم في الحصول على تلك المجموعة، مذكرات بعنوان «أنا والإمبراطورة: كيف جمعت الإمبراطورية القديمة الفن الحديث ورفضته ثم أعادت اكتشافه».
تروي المذكرات قصتين متشابكتين: قصة بيروقراطية تحركها قواعد هرمية، لكنها مختلة وظيفياً في كثير من الأحيان والتي اشترت الفن الغربي بأسعار زهيدة بشكل عجيب. الصورة الأخرى تعرض الحياة اليومية لشابة أميركية غير متزوجة عاشت في نظام طهران القديم.
تشعر شتاين، التي تبلغ من العمر الآن 78 عاماً، والتي عملت في السابق مديرة لمتحف ويندي في لوس أنجليس والمتقاعدة حالياً، أن ما يجري حالياً ليس سوى تصفية حسابات.
وكتبت في مقدمة مذكراتها: «لأنني كنت أجنبية أعمل إلى حد كبير في السر، فإن دوري القيادي في تشكيل المجموعة الوطنية لم يجرِ الاعتراف به بشكل كامل»، مضيفة أن رؤساءها الذكور «استحوذوا بجرأة على الفضل في اختياراتي الجمالية». وبالتالي كتبت المذكرات تحت عنوان، «الإمبراطورة وأنا» لتصحيح التاريخ.
اختارت فرح ديبا بهلوي ابن عمها، كامران ديبا، مهندس معماري، مديراً مؤسساً للمتحف الجديد الذي ستملأه بالفن الإيراني والغربي الحديث. وعملت شتاين خلف الكواليس باحثة ومستشارة لكريم باشا بهادوري، رئيس موظفي المشروع وصديق الطفولة للإمبراطورة.
بدأت شتاين العمل بالتدريج، وذلك برسم سياسة الاقتناء، وبناء مكتبة وتحديد الرسومات والصور والمطبوعات للشراء من خلال دراسة كتالوجات البيع بالمزادات والمعارض الخاصة.
وسرعان ما شرعت شتاين في تنظيم حملات استكشافية وصياغة مذكرات مفصلة حول الأعمال الكبرى التي تأمل في الحصول عليها للمجموعة. وساعدت في إقامة علاقات مع التجار وهواة الجمع والقيمين وأصبحت همزة وصل بينهم وبين رؤسائها. وفي مقابلة عبر الهاتف من «التادينا» في لوس أنجليس، حيث تعيش مع زوجها هنري جيمس كورن، المتخصص المتقاعد في إدارة الفنون، قالت شتاين: «كنت بمثابة الفلتر للجودة، واستخدمت هذا الفلتر بقوة لعمل سجل للتاريخ والسياق والجودة والندرة. كانت تلك فقط هي المعايير، وليس التكلفة المادية. ولذلك كان هذا العمل هو وظيفة أحلامي».
بدأت شتاين العمل بينما كانت لا تزال تعيش في نيويورك. وخلال موجة شراء استمرت 10 أيام في مايو (أيار) 1975. عاد فريق الاقتناء بالمتحف إلى إيران ومعه 125 عملاً قالت إنها حددتها للشراء. تضمنت قطعاً مهمة لبيكاسو مثل تلك اللوحة التكعيبية بعنوان «نافذة مفتوحة على شارع بينتييفر في باريس»؛ ولوحة «أسرار وإلهام»، وتمثال من البرونز بعنوان «بابون ويونغ».
وخلال رحلاتها، اختارت شتاين أيضاً عمل الفنان ألكساندر كالدر «السمكة البرتقالية»، وذلك عقب محادثة مع كلاوس بيرلس، مالك معارض «يبرلس غالاريز» والوكيل الرئيسي لشركة «غلادر» في الولايات المتحدة. كذلك زارت شتاين وزملاؤها أيضاً الدور العلوي لـ«متحف الفن الحديث»، الذي يشرف عليه أمين المتحف ويليام روبين، لدراسة لوحة الفنان بولوك بعنوان: «جدارية على الأرض الهندية الحمراء» قبل شرائها.
* خدمة «نيويورك تايمز»

حيث قالت في مذكراتها: «لم أكن من عثرت على اللوحة، لكنني أحببتها بشدة».
في إيران، ذكرت لبهادوري، الذي وصفته بـ«البعيد»، أنها بإمكانها أن تمضي أشهر دون أن تراه، وتقول إنه لا يعرف شيئاً عن الفن، «فقد كنت أشعر خلال كل اجتماع معه أن وظيفتي هي أن أعلمه تاريخ الفن».
في النهاية اكتسبت قدراً من الشجاعة وحثته على شراء لوحات جريئة مثل «المرأة الواقفة 1» لألبرتو جياكوميتي، و«الرجل الماشي»، ولوحة مارك روثكو بعنوان «سينا»، ولوحة «برتقالي وأسود على بني غامق»، و«المركز الأصفر»، ولوحة «روتو برويل» لروي ليشتنشتاين، ومطبوعات مثل «صورة شخصية» لادفارد مونك. وشجعته على شراء أعمال عند طرحها في المزاد منها «رجل متكئ على منحوتة» لفرانسيس بيكون، و«آخر كائن»، وهي منحوتة فريدة من نوعها.
لكن بهادوري كان الوجه العام للفريق حيث أُجبرت شتاين على البقاء في الظل. وكتبت شتاين تقول إن شكوكها في أنه «سرق الفضل في عملي الشاق زاد بمرور الوقت». وتدهورت مكانتها في المتحف عندما تم تعيين ديبا مديرة، وقالت: «لقد أصبحت محور ضغط الجميع من أجل السلطة، وفي النهاية تجردت من أي دور».
غادرت شتاين إيران في منتصف عام 1977 وعادت في زيارة قصيرة عندما افتتح المتحف في أكتوبر (تشرين الأول).
ورغم أنها قررت تأطير الكتاب حول فرح ديبا بهلوي التي أشارت إليها في الكتاب على أنها «صديقة»، قالت شتاين إنها التقت في ثلاث مناسبات قصيرة فقط مع الإمبراطورة في إيران وكان لقاءها الوحيد معها وجهاً لوجه بعد مقابلة في نيويورك عام 1991.
وفي رد بالبريد الإلكتروني على أسئلة مكتوبة، قالت فرح ديبا بهلوي: «كانت دونا شتاين شخصية محترفة ومجتهدة حققت نتائج. ولقد وثقت برأيها ولدينا علاقة ودية ونتواصل عبر الهاتف، وإن لم يكن كثيراً».
وأضافت أن «شتاين أسست مجموعة كبيرة من المقتنيات في جميع وسائل الإعلام كأساس لمجموعة وطنية جادة من الفن الحديث والمعاصر».



مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.