إشكالية التجنيس بين الرواية والشعر والملحمة

«لبابة السر» لشوقي كريم نموذجاً

اللوح الأول من ملحمة جلجامش
اللوح الأول من ملحمة جلجامش
TT

إشكالية التجنيس بين الرواية والشعر والملحمة

اللوح الأول من ملحمة جلجامش
اللوح الأول من ملحمة جلجامش

تثير رواية «لبابة السر» للروائي شوقي كريم (2020) مجموعة من الإشكاليات منها: إشكالية تجنيس الرواية. فالرواية تهبط إلى القاع التاريخي لحضارة وادي الرافدين، وبشكل خاص في بابل وسومر، وتعيد بناء فضاء تأريخي تخييلي وافتراضي تتحرك فيه شخصيات الرواية، عبر تعالق خفي بين الماضي والحاضر، حتى لتتحول الرواية إلى مرموزة أليغورية تتخذ من التاريخ حاضنة لها، للتعبير عن سيرورة نسغ الاستبداد الممتد منذ أولى الحضارات وصولاً إلى العصر الحاضر، للوصول إلى «سر الأسرار» أو ما سماه المؤلف في عنوان الرواية «لبابة السر» في ملاحقة لتناسل أنماط الاستبداد والهيمنة والتحكم بمصائر الفرد العراقي عبر التاريخ.
تتخذ الرواية من بنية الميتاسرد إطاراً سردياً لها من خلال قصدية عملية التدوين على الرقم الطينية التي يقوم بها المدون أو «الرقّام» شوقياً، وهو اسم المؤلف الأول «شوقي» مكيفاً مع الأسماء التاريخية ليتنزل منزلة الآلهة، حتى ليذكرنا ببروميثيوس الذي سرق أسرار النار والمعرفة وسلمهما إلى الإنسان، أو بشخصية رسول الآلهة ومؤول خطاباتها (هرمس)، وربما ببطل رواية «أوراق معبد الكتبا» للروائي الأردني هاشم غرايبة المسمى «سفيان الثمودي»، رئيس النساخين في مملكة الأنباط في بترا.
كما أن الرواية عبارة عن متن مدون على رقم طينية كان يكتبها بانتظام الرقام (شوقياً) منذ نعومة أظفاره عندما كان حدثاً، إلى أن شبّ ونضج وراح يكتشف الحقائق والأسرار من خلال سلسلة الأسئلة التي كانت تحاصره، إلى أن حدث التحول الحاسم في شخصيته، وانكشفت له الرؤيا، بعد أن كان مجرد حدث تكنوقراط في مكاتب المعابد مطيع، ومنفذ لأوامر وتوجيهات الكهنة والآلهة كنموذج امتثالي إلى شاب ناضج متمرد رافض لكل هذا الإرث الكريه الذي أتاح حق الهيمنة على البشر واستغلالهم، وهو حق مزور وغير مشروع، ذلك أن البشر ليسوا بحاجة أصلاً إلى سلطة الكهنة، في ثورة فكرية وفلسفية رافضة لكل أشكال الميتافيزيقيا.
إن هذه النقلة في وعي البطل جعلت منه شخصية نامية ومتطورة. وقد أدى هذا الموقف المتمرد الرافض إلى تعريض المدون أو الرقّام (شوقياً) إلى صنوف من التعذيب والاستجواب، لكنه ظل حتى النهاية يحلم بغد أجمل لأرض السواد التي كانت دائماً عامرةً بالرجاء، وهذا ما اختتم به المدون كلمات الرواية الختامية:
«أنا شوقياً/ البابلي المنشأ... أدوّن ما يمكن تدوينه، لكني أبداً، أبداً أظل مشدوداً إلى فكرة قالها حلمٌ قد مضى:
- يا، لأرض السواد: كم أنت عامرة بالرجاء». (ص 46)
وربما، لأن الروائي اختار التاريخ الرافديني البابلي والسومري تحديداً، في زمن التدوين على الرقم الطينية فقد وجد نفسه قريباً من نمط الكتابة في ذلك العصر، وبشكل أخص الشكل الملحمي، واللغة التأملية والتضرعية، فجاءت الرواية تحاكي البنية الملحمية، تحديداً في «ملحمة جلجامش»، حيث نجد تناصات كثيرة بين النصين، فضلاً عن استثمار لغة التراتيل والتضرعات والطقوس الدينية في المعابد البابلية والسومرية. إلا أن رواية «لبابة السر» لا تخرج عن إطار تجنيسها رواية «فنية حداثية» تأخذ من الأسلوب الملحمي ولغته، دون أن تصبح جزءاً منه. ففي الصفحات الأخيرة من الرواية نجد تراتيل تمجد البطل، بأسلوب ملحمة جلجامش «هو الذي جاء ليعرف سر الخلود، فغني باسمه يا بابل... هو الذي رأى كل ما يؤذي النفوس». (ص438)
في مغامرة بطل الرواية (شوقياً) للكشف عن «لبابة السر» ولبابة المعرفة، يتخلى عن منظوره العرفاني، الميتافيزيقي الذي فرضته الآلهة على الناس، وينتقل إلى منظور برهاني متمرد ورافض لسلطتها على البشر، من خلال الدعوة لتحرير البشر وعقولهم من أي سلطة من سلطات الاستبداد والهيمنة. وتتحقق هذه النقلة الفكرية الجذرية عبر طرح سلسلة من الأسئلة الفلسفية والوجودية عن معنى الوجود الإنساني، حيث تظل لازمة البطل المتكررة «أريد أن أعرف معنى وجودي» لازمة متكررة في كثير من حوارات البطل وتأملاته ومدوناته. كما يقذف البطل بأسئلة محرقة بوجه معلمه الذي يدعوه إلى امتلاك ناصية المعنى:
«لن يكون لخطوتك وقعٌ في صحراء المعرفة إن لم تكن مصحوبة بالمعنى». (ص 2)
«يعني ماذا معلمي... وأنا جالسٌ دونما معنى؟
معنى نفسك، معناها!». (ص 29)
وهكذا يجد البطل الشاب، الباحث عن المعرفة، نفسه وجهاً لوجه أمام المقولة السقاطية «اعرف نفسك». ولم تكن عملية الوصول إلى حافة الرؤيا سهلة، فقد مر البطل بصيرورة وعي جديدة ومعاناة ومكابدة فكرية وصوفية عميقة. إذْ جاءته لحظة الكشف والرؤيا بعد تكريس خاص بمباركة «ديموزي» و«عشتار» و«سين»:
«من أين أتتك الرؤيا يا فتى؟
- لا أدري معلمي، لكنني رأيت!». (ص 24)
ويمكن القول إن رواية «لبابة السر» تنفرد عن روايات المؤلف الأخرى وربما عن المتن الأكبر من الروايات العراقية، بانشغالها بهذا الهم الفلسفي، ما يمنحها خصوصيةً وتفرداً في هذا المجال. لكننا نأخذ على الرواية افتقادها إلى حبكة مركزية نامية ومتصاعدة، وبناءها على محور فكري وذهني وفلسفي حواري، دون وجود فعل أو حركة داخلية، وربما تحاوري من خلال إقامة سلسلة من الحوارات الثنائية بين بطل الرواية (شوقياً) مع شخصيات ثانوية منها معلمه، تذكرنا إلى حد كبير بمحاورات سقراط مع تلامذته في «جمهورية أفلاطون». ولذا فقد ظلت الحبكة ساكنة زمنياً ومكانياً إلى حد كبير، ولم نجد إلا زحزحة جزئية، وربما مكانية في تضاريس الحبكة.
كما أن الرواية، من الجهة الأخرى ظلت تزاوج بين لغة السرد ولغة الشعر الملحمي. فعلى مستوى السرد، يمكن أن نعد الرواية بوصفها مدونة كتابية سردية تضم أحد عشر رقيماً، وهو عدد الألواح التي تتكون منها «ملحمة جلجامش»، لكننا نكتشف رقماً أخرى تحمل أرقاماً أعلى موزعة عشوائياً داخل الرواية مثل الرقيم الرابع عشر. وفضلاً عن ذلك لا يمكن أن نتجاهل وجود عدد من العتبات النصية منها «توضيح المقصد» الذي يقصد منه الإيهام أو للتمويه على القارئ والإيحاء بأن النص الروائي لا يمت بصلة إلى الحاضر وشخصياته.
ومن هنا يمكننا الجزم بأن رواية «لبابة السر» هي رواية عن الحاضر العراقي، بقدر ما هي رواية عن الماضي، تحديداً عن الواقع العراقي الرافديني في عصور آشور وبابل وأوروك ونفر، والوركاء، وهي تهدف إلى الكشف عن جوهر أو «جرثومة» الاستبداد التي تناسلت وتواصلت عبر تاريخ العراق الطويل والمتمثلة في سلطة الآلهة والأرباب والكهنة على مقدرات الناس. وخلال ذلك تعلو صرخة بطل الرواية (شوقياً) لرفض هذه السلطة، لأن الناس ليسوا بحاجة إليها لتقرير مصيرهم، وإدارة شؤونهم بحرية، بعيداً عن أي تدخل عرفاني أو ميتافيزيقي، كأن المؤلف يطرح ميثاقاً جديداً للفصل بين سلطة الكهانة الميتافيزيقية وسلطة السياسة الزمانية، التي هي برهانية في جوهرها.
وفي هذه المدونة نرى هيمنة بنية السرد الروائي، المبأر، في الغالب من خلال السرد المدون على الرقم الطينية الذي دوّنه بطل الرواية شوقياً، الذي يتحدث فيه أحياناً بضمير المتكلم الأوتوبيوغرافي (أنا):
«كنت أبصر الأكباد تطير بتثاقل». (ص 13)
وقد يعمد المؤلف إلى توظيف ضمير الغيبة (هو) للحديث عن شخصية البطل بوصفه ذلك الفتى الذي يحترق بالسؤال، وهو توظيف فني مبأر يعبر عن «أنا الراوي الغائب» بتعبير تودوروف: «ولكن ليس ثمة من يسمع همس فتى يحترق بالسؤال، فتى كان ذات يوم صبي معلم يكتب حكايات الأزمنة الغابرة».
كما وجدنا مواضع كثيرة يهيمن فيها سرد الراوي العليم، غير المبأر، لكنها لم تؤثر على مركزية السرد المبأر للراوي المركزي بطل الرواية (شوقياً).
وإلى جانب هذه البنية السردية، نجد حضوراً قوياً لبنية الشعر، وبشكل خاص الشعر الملحمي، في صياغات فيها الشيء الكثير من الشعرية والخيال والأساليب البلاغية، ومنها الاستعارة والتشبيه والصورة والانزياح وما إلى ذلك. وإذا كانت بعض هذه المقاطع الشعرية تقيم تناصات واضحة، أسلوبياً ورؤيوياً، مع الشعر الرافديني، وبشكل خاص مع شعر ملحمة جلجامش و«نشيد الإنشاد»، فإن ثمة مستويات أخرى للخطاب الشعري تبرز في ثنايا الرواية تنطوي على مقاطع لقصيدة النثر، وأحياناً لشعر التفعيلة، فضلاً عن وجود أناشيد وأغانٍ متنوعة.
رواية شوقي كريم هذه مغامرة في الكتابة السردية حاولت أن تصنع شكلاً سردياً خاصاً بها، تزاوج فيه بين البنية السردية والبنية الشعرية، وبنية الملحمة الرافدينية، وتقيم في الوقت ذاته تعالقاً بين الحاضر والماضي، في لعبة سردية ماكرة، توهم القارئ، وتدفعه إلى التأمل والمراجعة لاكتشاف لعبة الإيهام هذه. ولذا فالرواية بحاجة إلى قارئ من نوع خاص يمتلك معرفة بتاريخ الحضارات العراقية القديمة، فضلاً عن تاريخ العراق السياسي وتناسل أشكال الاستبداد والقمع والعنف فيه. كما يتعين على هذا القارئ أن يدرك الفواصل الفنية بين الأجناس الأدبية وحدود تداخلها ويضع ذلك كله نصب عينيه، وهو يفك بصعوبة أسرار هذه اللعبة السردية مثلما حاول الروائي ذاته أن يفك الأسرار أو «لبابة السر» في محنة الوجع العراقي المتواصل عبر التاريخ.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.