ما الفرق بين مانشستر يونايتد الحالي وآخر فريق تُوج بلقب الدوري عام 2013؟

أوجه التشابه والاختلاف مذهلة للغاية... والفريق انتفض ليقفز إلى صدارة {الإنجليزي الممتاز} بعد مرور 17 جولة

TT

ما الفرق بين مانشستر يونايتد الحالي وآخر فريق تُوج بلقب الدوري عام 2013؟

كان العالم بأكمله مكاناً مختلفاً تماماً منذ ثماني سنوات، فكانت بريطانيا جزءاً من الاتحاد الأوروبي، وكان دونالد ترمب رجل أعمال وليس رئيساً للولايات المتحدة، وكان السير أليكس فيرغسون يتولى القيادة الفنية لنادي مانشستر يونايتد. وعلاوة على ذلك، لم يكن هناك وباء (على الرغم من أننا لم نكن ندرك تماماً كم كنا محظوظين لأننا كنا نعيش في عالم خالٍ من الأوبئة).
وكان موسم 2012- 2013 هو أيضاً آخر مرة يتصدر فيها مانشستر يونايتد جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد مرور 17 جولة من الموسم. وكان ذلك الموسم قد بدأ كما كان مقرراً له في أغسطس (آب)، وهو ما كان يعني أن متصدر جدول الترتيب قد لعب 17 مباراة بحلول 15 ديسمبر (كانون الأول). وكان مانشستر يونايتد يحلق منفرداً في الصدارة بفارق ست نقاط عن صاحب المركز الثاني مانشستر سيتي.
أما ليفربول فكان يعاني في المركز الثاني عشر، بعد الخسارة أمام أستون فيلا بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، وكان يتخلف بفارق 20 نقطة كاملة عن مانشستر يونايتد. وكان المدير الفني للريدز، بريندان رودجرز، يحاول إعادة بناء الفريق بعد توليه المسؤولية خلفاً لكيني دالغليش في الصيف، والتعاقد مع فابيو بوريني وجو ألين وأسامة السعيدي في فترة الانتقالات الصيفية.
وكان ستوك سيتي يحتل المركز التاسع، بعد أن خسر عدد المباريات نفسه الذي خسره مانشستر يونايتد (ثلاث مباريات) لكنه تعادل في عدد كبير من المباريات، ولولا ذلك لمثَّل تهديداً كبيراً لأصحاب المراكز الأربعة الأولى.
وبالطبع لم نكن نعلم أن الأمر سيستغرق كل هذا الوقت الطويل حتى يعود مانشستر يونايتد للمنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى؛ لكنه يدخل المواجهة القادمة أمام ليفربول يوم الأحد المقبل وهو يتصدر جدول الترتيب بفارق ثلاث نقاط عن «الريدز». وحقق مانشستر يونايتد الفوز على بيرنلي مساء الثلاثاء الماضي بطريقة مثيرة للإعجاب؛ حيث كان الفريق، بقيادة المدير الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير، يتحكم تماماً في زمام المباراة، ويسيطر عليها بشكل كامل حتى الدقائق الأخيرة.
وقدم بول بوغبا أداء يذكرنا بالمستويات الرائعة التي قدمها مع منتخب فرنسا عندما قاده للفوز بلقب كأس العالم، وكان النجم البرتغالي برونو فرنانديز يتحكم في إيقاع المباراة من منتصف الملعب، بينما كان المثلث الهجومي المتمثل في أنتوني مارسيال وماركوس راشفورد وإدينسون كافاني يمثل تهديداً مستمراً لمرمى الفريق المنافس بفضل اللعب السريع والتمريرات المتقنة. وفي الخلف، كان المدافع الإنجليزي الدولي هاري ماغواير يمثل صخرة قوية تتكسر عليها هجمات نادي بيرنلي.
ويعود الفضل في هذا الأداء القوي إلى سولسكاير الذي نجح في لم شمل الفريق وإعادته إلى الطريق الصحيح بعد الخسارة أمام آرسنال في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني). ومع ذلك، فإن الإنجاز الذي يحققه سولسكاير هذا الموسم لا يرتقي للإنجاز المثير للإعجاب الذي حققه فيرغسون في آخر موسم له مع «الشياطين الحمر»؛ خصوصاً أن الفريق الحالي لمانشستر يونايتد يضم لاعبين أفضل من الذين كانوا يلعبون تحت قيادة فيرغسون في ذلك الموسم.
وبحلول عام 2012، كان فيرغسون قد تخلى عن فكرة الاعتماد على تشكيلة ثابتة في كل المباريات، وبدأ يغير تشكيلة الفريق باستمرار من مباراة لأخرى؛ لكن بناءً على عدد المشاركات في المباريات، فإن أفضل العناصر التي مثلت الفريق في موسم 2012- 2013 كانت كالتالي: دي خيا، ورافائيل، وفرديناند، وإيفانز، وإيفرا، وكاريك، وكليفرلي، وفالنسيا، وروني، ويونغ، وفان بيرسي.
وفي المقابل، دخل سولسكاير مباراة بيرنلي الماضية بتشكيلة تضم كلاً من ديفيد دي خيا، وآرون وان بيساكا، وإريك بايلي، وهاري ماغواير، ولوك شو، وبول بوغبا، ونيمانيا ماتيتش، وماركوس راشفورد، وبرونو فرنانديز، وأنتوني مارسيال، وكافاني.
وهناك بعض أوجه التشابه بين الموسمين، من بينها أن كلا الفريقين يعتمدان بشكل كبير على لاعب واحد (فرنانديز الآن، وروبن فان بيرسي في ذلك الوقت). لقد كان النجم الهولندي روبن فان بيرسي يقدم مستويات استثنائية في أول موسم له في «مسرح الأحلام»؛ حيث فاز بالحذاء الذهبي كهداف للدوري الإنجليزي الممتاز للمرة الثانية؛ لكنه فاز هذه المرة بلقب الدوري أيضاً. وقد سجل عديداً من الأهداف الحاسمة والرائعة، بما في ذلك هدفا الفوز على ليفربول ومانشستر سيتي على ملعبي «أنفيلد» و«الاتحاد» بالترتيب، وكذلك الهدف الثاني في المباراة التي فاز فيها مانشستر سيتي على تشيلسي (بطل أوروبا في ذلك الوقت) بثلاثة أهداف مقابل هدفين. وكان من الصعب للغاية أن يفوز مانشستر يونايتد بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز من دون أهداف فان بيرسي.
ربما كان النجم الهولندي أكثر أهمية من فرنانديز؛ لكن تأثير اللاعب البرتغالي على اللاعبين من حوله أكبر بكثير، أما فان بيرسي فلم يساعد أحداً من حوله على التطور والتحسن؛ لكنه قاد فريقه فقط للفوز بآخر لقب له حتى الآن.
وفي ذلك الموسم، حقق مانشستر يونايتد عديداً من الانتصارات في الأوقات القاتلة، بما في ذلك الفوز على مانشستر سيتي بثلاثة أهداف مقابل هدفين بالهدف القاتل لفان بيرسي في الوقت المحتسب بدل الضائع (وحدث الأمر نفسه مع الفريق الحالي، بقيادة سولسكاير، عندما حقق الفريق الفوز على ساوثهامبتون في الثواني الأخيرة من اللقاء الذي أقيم في نوفمبر الماضي) كما حقق الفريق الفوز في بعض المباريات بشكل عادي بهدف واحد دون رد.
ويتمثل أحد الاختلافات الرئيسية في الخبرات الهائلة التي كان يمتلكها لاعبو مانشستر يونايتد تحت قيادة فيرغسون؛ حيث سبق لهم الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز أكثر من مرة، وكانوا يعرفون جيداً ما يتعين عليهم القيام به للفوز باللقب في نهاية المطاف. ورغم أن الأداء لم يكن دائماً على أعلى مستوى، فإن فريق مانشستر يونايتد في موسم 2012- 2013 كان قادراً على حصد كثير من النقاط. وحتى هذه المرحلة من الموسم، كان الفريق لديه 42 نقطة، أي أكثر بست نقاط من موسم 2020- 2021، بعد أن حقق الفوز في 14 مباراة من أصل 17 مباراة، أي أكثر بثلاثة انتصارات من الآن. صحيح أن نتائج الفريق قد تراجعت قرب نهاية الموسم؛ لكن ربما يعود السبب في ذلك إلى أن الفريق كان قد ضمن الحصول على اللقب بالفعل. وبحلول نهاية مارس (آذار)، كان مانشستر يونايتد لديه 77 نقطة من 30 مباراة، بعد أن حقق الفوز في 25 مباراة، وتعادل في مباراتين، وخسر في ثلاث مباريات.
ولعل الشيء المثير للاهتمام في الفريق الحالي لمانشستر يونايتد يتمثل في أنه يضم عديداً من اللاعبين الشباب الذين لم يصلوا إلى قمة مستواهم بعد (مثل راشفورد، وآرون وان بيساكا)، كما يضم عدداً من اللاعبين الذين يفترض أنهم في قمة عطائهم الكروي الآن (مثل بوغبا، وفرنانديز، ومارسيال، وماغواير).
وبحلول نهاية موسم 2012- 2013 كان نيمانيا فيديتش يبلغ من العمر 31 عاماً، وريو فرديناند 34 عاماً، وباتريس إيفرا 32 عاماً، ومايكل كاريك 31 عاماً، وبول سكولز 38 عاماً، ورايان غيغز 39 عاماً، وفان بيرسي 29 عاماً. وحتى اللاعبين الأصغر سناً (روني وفالنسيا كانا في السابعة والعشرين من عمرهما، وناني في السادسة والعشرين، وحتى رافائيل في الثانية والعشرين) كانوا قد وصلوا لقمة نضجهم الكروي، رغم أن هذا لم يكن واضحاً في ذلك الوقت. ولسبب أو لآخر، لم يقدم معظم هؤلاء اللاعبين الأداء نفسه بعد اعتزال فيرغسون.
ويجب أن نشير إلى أن التقدم في العمر يمكن أن يكون عيباً، كما يمكن أن يكون ميزة؛ لكنه في الموسم الأخير لفيرغسون كان يمثل ميزة كبيرة، نظراً لأن اللاعبين كانوا يمتلكون خبرات هائلة ساعدتهم على الفوز باللقب. ومن المؤكد أن أي فريق يكون بحاجة ماسة للفوز بأول لقب للدوري الإنجليزي الممتاز حتى يكتسب الثقة وينافس على البطولات والألقاب بعد ذلك، وفي الحقيقة لا يوجد أي سبب يمنع مانشستر يونايتد من الفوز باللقب هذا الموسم. ولكي يحدث ذلك، يتعين على الفريق أن يحقق الفوز في المباريات الكبيرة؛ لكنه حتى الآن فشل في تحقيق الفوز في أي مباراة أمام الأندية الستة الكبار، أو حتى أمام ليستر سيتي.
ومن المؤكد أن المواجهة المرتقبة أمام ليفربول مساء الأحد ستوضح ما إذا كان سولسكاير لديه الأدوات التي ستمكنه من حصد اللقب في نهاية الموسم أم لا.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.