سياسة إيبار المعجزة: إذا كانت لدي خمسة جنيهات فسأنفق أربعة فقط

غاراغارزا قال إن المال ليس كل شيء ولذلك تمكنوا من البقاء في «لا ليغا» 6 مواسم

إيبار قدّم مستويات لافتة في الدوري الإسباني في السنوات الأخيرة (أ.ف.ب)
إيبار قدّم مستويات لافتة في الدوري الإسباني في السنوات الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

سياسة إيبار المعجزة: إذا كانت لدي خمسة جنيهات فسأنفق أربعة فقط

إيبار قدّم مستويات لافتة في الدوري الإسباني في السنوات الأخيرة (أ.ف.ب)
إيبار قدّم مستويات لافتة في الدوري الإسباني في السنوات الأخيرة (أ.ف.ب)

جلس خمسة رجال الثلاثاء قبل الماضي حول طاولة في غرفة اجتماعات جديدة أنيقة تطل على أرضية ملعب نادي إيبار الإسباني، وانضم إليهم شخص سادس على الشاشة. وكان ميكيل مارتيغا، وأركايتس لاكانبرا، وإنيكو رومو، وفران ريكو، يشاهدون اللاعبين المرشحين للانضمام إلى الفريق هذا الأسبوع، والذين لم يكونوا سوى عينة صغيرة من 19 ألف لاعب يبحث النادي من بينهم عمن يمكنه تقديم الإضافة اللازمة للفريق. وكانت المحادثات بين هؤلاء المسؤولين تدور حول قدرات هؤلاء اللاعبين، فتسمع من يقول: «توقف عن المشاهدة»، في حين يقول آخر: «انتقل إلى المرحلة التالية»، وهكذا.
وبين الحين والآخر، كان المدير الرياضي لنادي إيبار، فران غاراغارزا، يطلب بعض التفاصيل الإضافية، مثل اسم اللاعب وعمره ووكيل أعماله. وفي تلك الأثناء، كان أوناي إزكورا يُدخل كل تلك البيانات على النظام. وكان غاراغارزا معتاداً على التنقل في شاحنة لنقل الطرود للبريد السريع؛ لكنه الآن يسافر لمشاهدة المباريات من أجل اختيار اللاعبين الذين يمكن ضمهم للفريق، أو كان يفعل ذلك قبل تفشي وباء «كورونا».
ويعمل غاراغارزا في إيبار منذ 16 عاماً، مديراً فنياً للفريق تحت 19 عاماً، ومساعداً للمدير الفني للفريق الأول، ومديراً لأكاديمية الناشئين. وعلى مدار العقد الماضي، شغل غاراغارزا منصب المدير الرياضي للنادي، وأشرف على أحد أعظم النجاحات في كرة القدم الإسبانية؛ حيث قاد النادي لتحقيق إنجازات جيدة للغاية من دون أن يتحمل النادي أي ديون.
ومساء 29 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، واجه إيبار نادي برشلونة على ملعب «كامب نو» ونجح في العودة بنقطة التعادل من معقل العملاق الكاتالوني بعد انتهاء المباراة بهدف لكل فريق. وقبل أن يتولى غاراغارزا منصب المدير الرياضي، كان النادي يلعب أمام أندية مغمورة، وحتى عندما كان يذهب إلى أندية أكبر، مثل أتلتيكو مدريد أو ريال سوسيداد أو أوساسونا، فإنه كان يذهب إلى تلك الملاعب لمواجهة فرق الرديف لهذه الأندية وليس الفرق الأولى. وكان إيبار يلعب في دوري الدرجة الثانية، واحداً من 80 فريقاً موزعة على أربع مجموعات إقليمية.
ولم يكن نادي إيبار الذي يوجد في بلدة يبلغ عدد سكانها 27378 نسمة في وادي إيغو ويوجد ملعبه الرئيسي وسط كتل من المباني الشاهقة، قد لعب في الدوري الإسباني الممتاز من قبل، ولم يكن متوقعاً له أن يتمكن من القيام بذلك يوماً ما؛ لكن الفريق نجح في الصعود للدوري الإسباني الممتاز في عام 2014، ولم يهبط منذ ذلك الحين، وبالتالي يعد هذا هو الموسم السابع لنادي إيبار في الدوري الإسباني الممتاز، ويمكن القول بأن النادي يحقق «معجزة» ببقائه بين الكبار في كل موسم من هذه المواسم.
يقول غاراغارزا: «لم أتخيل هذا أبداً»؛ لكن النادي الذي يمتلك ملعباً يتسع لـ8000 متفرج، ولم يمتلئ بالمشجعين أبداً حتى قبل تفشي الوباء، أصبح ينتمي الآن إلى أندية النخبة في كرة القدم الإسبانية.
وإذا كانت ميزانية النادي قد زادت، والمرافق قد تطورت، وأرضية الملعب قد أصبحت أفضل من ذي قبل، فإن المثل العليا التي يعتمد عليها النادي لم تتغير في يوم من الأيام. وعندما كان المسؤولون يشاهدون بعض المباريات لاختيار اللاعبين الذين قد يتعاقد معهم الفريق، لم يكن من بينها أي مباراة من الدوري الإنجليزي الممتاز أو الدوري الإيطالي الممتاز أو الدوري الألماني الممتاز، ولم يكن هناك سوى مباراة واحدة فقط من الدوري الإسباني الممتاز الذي يلعب به نادي إيبار؛ لكن غاراغارزا يقول: «هذه ليست سوقنا».
ويضع غاراغارزا أسس اختيار اللاعبين الجدد، بدءاً من اكتشاف الموهبة التي يريد النادي التعاقد معها وحتى وصول الأمر إلى السكرتير الفني ثم إلى المدير الرياضي وحتى المدير الفني في نهاية المطاف. من الواضح أن نادي إيبار ليس بالنادي الكبير الذي يحلم به اللاعبون الصغار، كما أنه ليس من الأندية التي تغري اللاعبين بالرواتب الضخمة. وحتى على مستوى الشباب، لا يمكن لنادي إيبار الدخول في منافسة مع الأندية المحيطة به. وبالتالي، يتعين على النادي أن يتوصل إلى حلول مبتكرة ويعمل من أجل التطوير، سواء داخل أو خارج الملعب. يقول غاراغارزا: «الإدارة المالية هي الركيزة الأساسية التي نركز عليها على جميع المستويات. ونتبع دائماً سياسة: إذا كانت لدي خمسة جنيهات فسأنفق أربعة فقط».
ويضيف: «في العام الماضي، على سبيل المثال، بعنا بعض اللاعبين بشكل جيد (جوان جوردان لإشبيلية مقابل 12 مليون يورو، وروبين بينيا إلى فياريال مقابل 8 ملايين يورو) لكننا لا ننفق أبداً كل العائدات المالية التي تصل إلينا. الأمر لا يتعلق فقط بالمبالغ المالية التي تنفق من أجل إبرام صفقات جديدة، فهناك أيضاً رواتب اللاعبين، ولا يمكننا أن نمنح أحد اللاعبين راتباً أكبر من الآخرين؛ لأن اللاعبين الآخرين سيكتشفون ذلك ويطالبون بالمثل. وبالتالي، يتعين علينا أن نوازن بين هذه الأمور، ونجدد دماء الفريق في الوقت نفسه، وهو أمر صعب للغاية. المال ليس كل شيء؛ لكن إذا لم تدفع رواتب قريبة من الرواتب التي تدفعها الأندية الأخرى، فلا يمكنك الاستمرار؛ لأن اللاعبين لن يأتون إليك من الأساس».
ويتابع: «إننا نتحدث إلى عائلة اللاعب ونتواصل مع بعض أصدقائه من أجل إقناعه بالانضمام إلينا، ونقدم له العرض الذي يمكننا تقديمه. ويمكننا إقناع اللاعبين من خلال بعض الأشياء، مثل ضخ الأموال لتحسين ملعب الفريق وملعب التدريب والمرافق الطبية، فضلاً عن الاستقرار الذي نتمتع به؛ لكن لا يمكننا - على سبيل المثال - أن ندفع 10 ملايين جنيه إسترليني للتعاقد مع لاعب».
ويعد إدو إكسبوسيتو أغلى صفقة في تاريخ النادي، مقابل أربعة ملايين يورو. كما أن أسعار لاعبي الفريق الأول مجتمعة تقل عن 25 مليون يورو.
وعندما لعب إيبار أول مباراة له في الدوري الإسباني الممتاز، كان سبعة لاعبين من التشكيلة الأساسية للفريق من اللاعبين الذين قادوا النادي للصعود من دوري الدرجة الأولى. وفي منتصف ذلك الموسم، رحل راؤول ألبينتوسا إلى ديربي كاونتي في دوري الدرجة الأولى بإنجلترا، بعدما دفع النادي الإنجليزي الشرط الجزائي الموجود في عقد اللاعب، والذي يصل إلى 600 ألف يورو، كما منحه راتباً أعلى بسبعة أضعاف مما كان يحصل عليه مع نادي إيبار.
يقول غاراغارزا: «لم نكن نرغب في بيع اللاعب؛ لكنهم حصلوا على خدماته بكل سهولة. كان لدينا بالفعل 27 نقطة، وهو ما يعني أننا كنا بعيدين تماماً عن مراكز الهبوط، وقررنا ألا نستثمر أي جنيه من أموال تلك الصفقة في التعاقد مع لاعبين جدد. لقد اتضح بعد ذلك أننا اتخذنا قراراً خاطئاً؛ حيث أنهينا الموسم في المركز الثالث من أسفل جدول الترتيب، وهو ما كان يعني هبوط الفريق من الدوري الممتاز، لولا القرار الذي صدر بهبوط نادي إلتشي بسبب مشكلاته المالية، وهو الأمر الذي أنقذنا من الهبوط. لقد أدركنا حينئذ أننا كنا محظوظين، وأنه لا يتعين علينا القيام بذلك مرة أخرى».
ويضيف: «لم نتوقع أن نصل إلى الدوري الإسباني الممتاز؛ حيث كنا قد كونَّا فريقاً من أجل البقاء في دوري الدرجة الأولى، ولم يكن لدينا المال الكافي، وكان عديد من لاعبي الفريق يلعبون على سبيل الإعارة؛ لكننا وجدنا أنفسنا في ملحق الصعود ونلعب المباريات الفاصلة، ونصعد للدوري الإسباني الممتاز. وحتى بعدما صعدنا إلى الدوري الممتاز، لم نكن قادرين على الدخول في منافسة مع بعض أندية دوري الدرجة الأولى من حيث التعاقد مع اللاعبين، وكان هناك تياران مختلفان داخل النادي: الأول يشعر بالقلق من اللعب في الدوري الممتاز ويرى أننا لن نكون قادرين على المنافسة، والثاني يرى أنه مجرد عام سوف نلعبه بين الكبار، وبالتالي يتعين علينا أن نستمتع بما نقدمه. كان البعض يرى أنه يكفي أن نشاهد ريال مدريد هنا، وأن نلعب مباراة الديربي، وأن نزيد دخل النادي، قبل أن نهبط مرة أخرى. لقد كان هناك انطباع بأننا لن نتمكن من البقاء بين الكبار. لقد كان الأمر بمثابة هدية غير متوقعة، وجاءت في وقت مبكر جداً».
ويتابع: «لكننا تمكنا من البقاء على أي حال، وأنهينا الموسم في المركز الثالث من مؤخرة جدول الترتيب، وليس المركز الأخير، وهنا بدأت الأمور تتغير. كانت هذه هي اللحظة التي أدركنا فيها أنه يتعين علينا أن نستثمر بعض الأموال وندعم صفوف الفريق. ولو هبطنا إلى دوري الدرجة الأولى، فلن تكون لدينا القدرة الاقتصادية على بناء فريق قوي؛ لكننا حصلنا على فرصة ثانية من أجل القيام بذلك بعد بقائنا في المسابقة».
وفي السنوات الست التالية منذ ذلك الحين، لم يحتل إيبار مركزاً أقل من المركز الرابع عشر؛ بل وبدا الأمر في بعض الأحيان وكأن الفريق سيكون قادراً على التأهل للمسابقات الأوروبية. إن هذا التحول الهائل يجعل إيبار بمثابة نموذج يحتذي به الآخرون.
يقول غاراغارزا عن ذلك: «هناك أندية كبيرة مثل ريال سرقسطة، وسبورتنغ، وأوفييدو، تلعب الآن في دوري الدرجة الأولى، وهذا يدفعنا للتساؤل عما حدث لكي تلعب أندية أصغر مثل ليغانيس، وهويسكا، وإيبار، في الدوري الإسباني الممتاز. لماذا تمكنت أندية من بلدات صغيرة ذات تاريخ بسيط من أن تلعب في الدوري الممتاز، في الوقت الذي تفشل فيه أندية من مدن أكبر، مثل أليكانتي أو قرطبة أو مورسيا، في الصعود؟».
ويضيف: «لقد فعلنا كثيراً من الأمور بشكل صحيح؛ لكننا استفدنا أيضاً من التوقيت ومن سوء إدارة الأندية الكبيرة التي يعاني بعضها من ديون كبيرة، وبعضها الآخر من حظر على الدخل؛ لكننا لم نعانِ من مثل هذه الأمور. إننا لا ننفق أبداً فوق إمكانياتنا المالية، ولدينا نموذج صغير للمساهمة، ونضع مسؤولية قيادة النادي على عدد من الأشخاص المحترفين، فلا يوجد مالك وحيد يتخذ القرارات بمفرده».
وقد ساعد ذلك النادي على التغلب على تداعيات تفشي فيروس «كورونا»، كما أثار عديداً من الأسئلة الأوسع بشأن الأسس التي تقوم عليها كرة القدم الحديثة. يقول غاراغارزا: «إننا لم نتأثر كثيراً بغياب الجماهير مثل بقية الأندية، فنحن أفضل نسبياً من الأندية التي تعتمد على حضور 50 ألف متفرج. لقد صعدنا إلى الدوري الإسباني الممتاز في الوقت المناسب؛ لأنه على الرغم من حضور 5000 متفرج لمبارياتنا، فإن جمهورنا الأكبر يشاهد مبارياتنا عبر شاشات التلفزيون، وهو العدد الذي يزيد مع مرور الوقت».
ويضيف: «لكن إلى متى سيستمر هذا الأمر؟ وحتى من دون الاشتراكات التلفزيونية يمكننا أن نواصل العمل بشكل جيد. إننا نتعايش بشكل جيد داخل تلك الفقاعة، بفضل قدرتنا على تنويع مواردنا المالية. الأطفال يكبرون الآن وهم يعلمون أن إيبار من الأندية التي تلعب في الدوري الإسباني الممتاز، وهو الأمر الذي قد يساعدنا؛ لكن ماذا سيحدث في حال هبوطنا إلى دوري الدرجة الأولى؟ لدينا بالفعل جماهير تشجعنا منذ أن كنا نلعب في دوري الدرجة الثالثة، وانضم إليهم آخرون بعد صعودنا للدوري الممتاز؛ لكنني أعتقد أنه في حال هبوطنا لدوري الدرجة الأولى فإننا سنخسر كثيراً من جمهورنا».
وعندما سُئل غاراغارزا عما إذا كان يشعر بأن نادي إيبار يشعر بالاستقرار في الوقت الراهن، رد قائلاً: «أنا لست متأكداً مما إذا كنا نتمتع بالاستقرار أم لا. فما هو الاستقرار؟ وكم عاماً يلزمك لكي تشعر بالاستقرار؟ وماذا يعني الاستقرار من الأساس؟ هل يمكننا بناء ملعب كبير؟ لا. فعلى الرغم من أننا نلعب في الدوري الإسباني الممتاز، فلا نزال نعاني من قيود كبيرة، وربما بشكل أكبر من ذي قبل. لقد عاد ألافيس وأوساسونا وهما يتنافسان هنا. لا تضم المدينة سوى 27000 نسمة، ويهيمن أتلتيك بلباو وريال سوسيداد على المنطقة المحيطة».
ويضيف: «انتماؤنا لإقليم الباسك مهم جداً، وربما فقدنا هذه الهوية بعض الشيء. كان لدينا داني غارسيا، ويوري بيرشيش، وجون إراستي، وميكيل أروابارينا، وتكسيما أنيبارو من إقليم الباسك؛ لكن فريقنا الآن لا يضم سوى لاعبين اثنين فقط من الباسك، وهما روبرتو أولابي وأنايتز أربيلا. هذا الأمر يهمني كثيراً؛ لكن لحسن الحظ فإن المدير الفني للفريق، خوسيه لويس مينديلبار، من إقليم الباسك، ويناسب طريقة عمل النادي تماماً، فهو قائد ويساعد الجميع من حوله».
ويتابع: «إنني أشعر أيضاً بأن (حمى إيبار)، إن جاز التعبير، آخذة في التراجع، فبعدما رأى الجمهور ليونيل ميسي هنا سبع مرات، ورأى سيرخيو راموس سبع مرات، وكوكي سبع مرات، قد يتساءل عن جدوى شرائه لتذكرة لحضور المباريات بعد الآن؛ خصوصاً بعدما شاهد عديداً من المباريات السابقة أمام أندية مثل أتلتيكو مدريد وريال مدريد وبرشلونة وإشبيلية وريال سوسيداد وأتلتيك بلباو. هناك نوع من الراحة يمكنك أن تشعر به».
وتتمثل معجزة إيبار في أنها لم تعد تبدو وكأنها معجزة بعد الآن. ويوم الثلاثاء الماضي كان هناك سبب كافٍ للاحتفال بعد التعادل مع برشلونة على ملعب «كامب نو» بهدف لكل فريق، على الرغم من أن هذه المباريات أمام الأندية الكبرى باتت طبيعية بالنسبة لنادي إيبار. يقول غاراغارزا: «يعرف الناس أن البقاء في الدوري الإسباني الممتاز يعد نجاحاً ويقدرون ذلك، على الرغم من أن ذلك بات أمراً معتاداً».
ويختتم المدير الرياضي لإيبار حديثه قائلاً: «إننا نبني تاريخاً كبيراً، ونطور البنية التحتية، ونضع أسساً تسير عليها الأجيال القادمة، ونطور كرة أكاديمية الناشئين، كما نطور كرة القدم للسيدات، والاستاد، وملعب التدريب، ونزيد شعور الجماهير بالانتماء للنادي. وسوف ندرك ما يفعله إيبار في الوقت الحالي، إذا لم نعد نحقق هذه النجاحات مرة أخرى».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.