داني ويلبيك: ليس جيداً الحديث عن الماضي... وأتطلع دائماً للأمام

المهاجم الذي لعب ليونايتد وآرسنال يعترف بأن الإصابة عطلته كثيراً... لكنه يأمل أن يقدم المساندة لبرايتون هذا الموسم

TT

داني ويلبيك: ليس جيداً الحديث عن الماضي... وأتطلع دائماً للأمام

يبتسم المهاجم الإنجليزي داني ويلبيك بينما يجري مدير الإنتاج بنادي برايتون بعض التعديلات النهائية على تطبيق «زووم» من أجل إجراء هذا الحوار معه، قائلا: «لقد بات هذا هو الوضع الطبيعي الآن». كان ويلبيك، الذي أكمل عامه الثلاثين الشهر الماضي، يتميز بالسرعة الفائقة والإمكانيات الهائلة عندما كان في أفضل مستوياته، كما حصل على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز وهو لا يزال في الثانية والعشرين من عمره.
تألق ويلبيك بشكل لافت مع مانشستر يونايتد، وأحرز هدفا استثنائيا بكعب القدم مع المنتخب الإنجليزي في مرمى السويد في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2012، كما سجل هدفا برأسية رائعة في مرمى ريال مدريد على ملعب «سانتياغو برنابيو». وفي عام 2014، نجح المدير الفني لآرسنال، آرسين فينغر، في التعاقد معه في اليوم الأخير من فترة الانتقالات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف مر هذا الوقت سريعا، وكيف وصل هذا الرجل إلى الثلاثين من عمره الآن؟
يقول ويلبيك ضاحكا: «نعم، أشكرك لأنك ذكرتني بهذه الأشياء الجميلة. ليس من الرائع دائمًا التفكير في الماضي، بل يتعين عليك أن تتطلع دائما إلى الأمام وتفكر في كيفية تطورك إلى الأفضل. يجب عليك أن تنظر إلى الإيجابيات في كل موقف تمر به، وهذا هو ما أفعله دائما».
وبينما يعيد ويلبيك بناء مسيرته الكروية بعقد قصير الأجل مع نادي برايتون، هناك الكثير من الإيجابيات التي يمكن أن يبني عليها، حيث بدأ اللاعب المخضرم مسيرته مع فريقه الجديد بشكل رائع وسجل هدفا جميلا في مرمى أستون فيلا. وعلاوة على ذلك، يضم برايتون كوكبة من اللاعبين الشباب الرائعين الذين لا ينقصهم سوى لاعب لديه خبرات كبيرة وقادر على حسم الأمور في الأوقات الصعبة، وهي الصفات التي يتحلى بها ويلبيك.
ويصر ويلبيك على أنه ما زال يتحلى بالسرعة الفائقة، حتى لو كان الآن أحد أكبر اللاعبين سنا في غرفة خلع ملابس الفريق. يقول نجم مانشستر يونايتد السابق: «هناك الكثير من اللاعبين الأصغر مني سنا، لكنني لست متأكدا مما إذا كان هناك من هو أسرع مني. ربما يكون اللاعب الوحيد الأسرع مني هو طارق لامبتي!».
على أي حال، لدى ويلبيك الكثير من الأسباب التي تجعله لا يرغب في التفكير كثيرا في الماضي، ومن بينها بالتأكيد الإصابات اللعينة التي عطلته كثيرا منذ عام 2015، حيث تعرض أولا لإصابة في الركبة اليمنى أبعدته عن الملاعب لمدة عشرة أشهر، ثم إصابة أخرى في الركبة اليسرى أبعدته عن الملاعب لمدة ثمانية أشهر. وبعد ذلك، تعرض لكسر في الكاحل غاب على إثره عن الملاعب لمدة تسعة أشهر، ثم لإصابة في أوتار الركبة الخريف الماضي أبعدته عن الملاعب لأربعة أشهر. وبعد ذلك، توقف العالم بأكمله بسبب تفشي فيروس كورونا. وفي النهاية، لم يلعب ويلبيك لمدة 90 دقيقة كاملة في الدوري الإنجليزي الممتاز سوى 15 مرة فقط على مدار ست سنوات. يقول ويلبيك: «لقد مررت بالعديد من التجارب والانتكاسات. ورغم أن الأمر صعب للغاية، يتعين على المرء أن يتحلى بالمرونة والصمود. لدي مجموعة رائعة من الأصدقاء وأفراد العائلة من حولي، ومن الواضح أنهم يعرفون كم أعشق كرة القدم، لذلك من الصعب للغاية عليهم أن يروني لا أمارس كرة القدم».
وحتى خلال أشهر الغياب الطويلة، عندما لم يكن قادرا على مغادرة منزله وليس فقط ركل الكرة، كان ويلبيك يسعى دائما للتطور والتحسن، لذلك عاود مشاهدة مبارياته القديمة من أجل تحليلها ومعرفة النقاط التي يجب عليه تطويرها. كما كان يقرأ بنهم خلال تلك الفترة. وقبل كل شيء، كان يحاول دائما أن يحافظ على تواضعه وأن يحافظ على نظرته للأمور بشكل سليم رغم المعاناة الشديدة.
يقول ويلبيك: «من الواضح أنك عندما تكون في هذا الموقف، فإنك تفكر بطريقة أنانية بعض الشيء، وتطرح على نفسك العديد من الأسئلة، من قبيل: لماذا أنا في هذا الموقف؟ لكن في نهاية المطاف يجب أن تعرف أن هناك الكثير من الناس في وضع أسوأ بكثير مما أنت فيه. لذلك، يتعين عليك أن تفكر في الإيجابيات، مهما كان صعوبة الأمر».
ورغم أنه بالتأكيد أقرب إلى النهاية منه إلى البداية، ورغم أنه لا يزال هناك شعور بالشفقة تجاه المسيرة الكروية لويلبيك - الحظ السيئ، والصعوبات التي لم يتغلب عليها، والألقاب التي لم يفز بها – فإنه لا ينظر إلى الماضي ولا يفكر في مثل هذه الأمور على الإطلاق. ورغم أنه لم يمر سوى عامين فقط منذ إن كان ويلبيك يلعب في التشكيلة الأساسية لآرسنال وينضم لقائمة المنتخب الإنجليزي تحت قيادة المدير الفني غاريث ساوثغيت، فإنه يتعين عليه أن يثبت نفسه مرة أخرى ويثبت للجميع أنه ما زال قادرا على العطاء.
وعندما سئل ويلبيك عما إذا كان الشك قد ساوره يوما ما بشأن قدرته على العودة بقوة مرى أخرى، رد قائلا: «دائما ما ينتابك شعور في البداية بأن الأمور صعبة للغاية، لكنني محظوظ لكوني شابًا ولائقًا وبصحة جيدة. وبمجرد عودتك إلى أرض الملعب مرى أخرى، فإنك ستكون تحت المجهر وسيراقب الجميع أداءك، وبالتالي ستكون قادرا على معرفة المستويات التي تقدمها بالضبط، وستعرف كل الأرقام والإحصائيات الخاصة بأدائك داخل الملعب، وبالتالي ستعرف ما إذا كنت تسير على الطريق الصحيح أم لا».
وقد حافظ ويلبيك على لياقته البدنية خلال الصيف الماضي. ورغم أنه رحل عن واتفورد بالتراضي في نهاية الموسم الماضي وكان يمكنه الانتقال إلى أي ناد آخر في صفقة انتقال حر، فإنه واصل العمل مع مدربي اللياقة البدنية في النادي بينما كان ينتظر الحصول على عرض جديد لخوض تجربة جديدة. وجاءه هذا العرض بالفعل من نادي برايتون، حيث لعب دان أشوورث، المدير التقني الذي يعرف ويلبيك جيدا منذ الفترة التي كان يعمل خلالها مع المنتخب الإنجليزي، دورا كبيرا في إتمام هذه الصفقة. يقول ويلبيك عن ذلك: «كانت هناك عروض من أماكن أخرى، لكنني اقتنعت بمشروع برايتون، إلى جانب المدير الفني والعاملين بالنادي. إنها منظومة رائعة تعمل بشكل جيد للغاية».
وتمكن برايتون، تحت القيادة الفنية لغراهام بوتر، من تحقيق خطوات صغيرة ولكنها مهمة للغاية إلى الأمام. ويلعب الفريق كرة قدم ممتعة وجذابة، ويعد أحد أفضل فرق الدوري الإنجليزي الممتاز من حيث الضغط على الفرق المنافسة. وعلاوة على ذلك، يأتي برايتون في المركز السادس بين جميع فرق المسابقة من حيث الأهداف المتوقعة. يقول ويلبيك: «إنه مدير فني رائع، ويهتم كثيرا بالنواحي الخططية والتكتيكية، كما يهتم بأدق التفاصيل قبل خوض أي مباراة. إننا نعرف جيدا كيف نريد أن نلعب، كما نلعب بطريقة هجومية ونهاجم المنافسين دائما».
لكن الشيء الذي يعيق الفريق كثيرا منذ صعوده إلى الدوري الإنجليزي الممتاز في عام 2017 يتمثل في عدم قدرة الفريق على تحويل الفرص إلى أهداف، ومن المؤكد أن هذا هو السبب الذي جعل النادي يتعاقد مع مهاجم مثل ويلبيك. ورغم أن السجل التهديفي لويلبيك متواضع - ويرجع ذلك جزئيًا إلى حقيقة أنه كان يلعب في معظم الأوقات على أطراف الملعب – فإن وصوله قد سمح لنادي برايتون بتغيير طريقة اللعب إلى 3 - 5 - 2، حتى يمكن الاعتماد على ويلبيك مع نيل مايوباي أو آرون كونولي في الثلث الأخير من الملعب.
يقول ويلبيك: «عندما يكون لديك مهاجم يلعب معك في الخط الأمامي، فإنك تتطلع دائما إلى التعاون معه بالشكل الأمثل والتكيف مع طريقة لعبه. وبمجرد أن تصل الكرة إلى نيل، فإنني أحاول التمركز في مكان يسمح لي باستقبال الكرة وتبادلها معه، والقيام بمثل هذه الأمور». لكن ما الذي يجعل فريقا ما يقدم كرة قدم ممتعة، ومن هو الفريق الذي يستمتع ويلبيك بمشاهدته الآن؟ يرد نجم آرسنال السابق قائلا: «الفوز هو أهم شيء في كرة القدم، ثم تأتي بعد ذلك الطريقة التي تحقق بها هذا الفوز. ومن الممتع أن تشاهد الفرق التي تمارس طريقة الضغط بشكل رائع، مثل ليفربول وبايرن ميونيخ. ومن الرائع أن يلعب الفريق ككتلة واحدة وأن يتحرك اللاعبون سويا بدقة شديدة، وأن يعرف كل لاعب دوره تماما داخل الملعب. إنني استمتع دائما بمشاهدة الفرق التي تلعب بحماس شديد وبطاقة هائلة وبشكل جماعي».
لكن من المؤكد أن الدوري الإنجليزي الممتاز قد فقد الكثير من متعته في عام 2020 بسبب غياب الجماهير والجدل المثار بشأن تقنية حكم الفيديو المساعد (الفار). ومع ذلك، عندما تسمع ويلبيك وهو يتحدث عن شغفه الذي لا ينضب للعبة التي كانت قاسية للغاية معه، فإنك ستفهم على الفور الجانب الآخر من المعادلة وكيف أن كرة القدم تقدم متعة كبيرة لعشاقها. يقول ويلبيك: «أنا أحب لعب كرة القدم فقط، وأشعر بمتعة لا يمكن وصفها بمجرد وصول الكرة إلى قدمي وأنا في الملعب وأواجه شخصا آخر».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.