عودة الجماهير بشكل محدود ستزيد معاناة الأندية الإنجليزية مالياً

مدربون يرون أن تقسيم عودة المشجعين طبقاً للمناطق لا يحقق العدالة... وتكاليف الخدمة ستكون أعلى من المداخيل

TT

عودة الجماهير بشكل محدود ستزيد معاناة الأندية الإنجليزية مالياً

عندما كشف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن خطط عودة الجماهير إلى الملاعب اعتباراً من الشهر المقبل، سادت حالة من الإثارة والسعادة بين المشجعين، الذين ظل الملايين منهم يكتفون بمشاهدة المباريات وهم على الأريكة بمنازلهم لمدة ثمانية أشهر. لقد اشتاقوا بالفعل لأجواء الملاعب والمباريات، لكن بالنسبة للأندية التي تعاني مالياً من تداعيات تفشي فيروس «كورونا»، فإن هذه مجرد خطوة أولى على طريق التعافي. لكن الحقيقة التي يجب أن تدركها هذه الأندية الآن تتمثل في أن تكلفة إقامة المباريات في ظل حضور عدد قليل من الجماهير تعني، بالنسبة لمعظم الأندية، المزيد من الخسائر!
لقد فوجئت العديد من الأندية بتوقيت هذا الإعلان عن عودة الجماهير بصورة تدريجية، وكانت سعيدة بذلك، وتستعد الآن لاستقبال ما يصل إلى 4000 مشجع في مناطق المستوى الأول، و2000 مشجع في المستوى الثاني، وسيتم لاحقاً تحديد هذه المستويات وفقاً لمدى تفشي الوباء. ومن الناحية المالية، فإن هذه الأعداد من الجماهير لن تحقق عائدات مالية كبيرة، لكن مشهد عودة الجماهير للملاعب في حد ذاته سيكون أمراً يستحق التقدير، بغض النظر عن أي شيء آخر.
وقال بول باربر، الرئيس التنفيذي لنادي برايتون: «سنفعل هذا لأننا نشعر أنه الشيء الصحيح الذي يجب أن نفعله للوصول إلى حيث نريد أن نكون. وثانياً، نحن مدينون تماماً للجماهير لإعادتهم إلى الملاعب في أقرب فرصة ممكنة، عندما يكون الوضع آمناً».
وينظر باربر إلى احتمال عودة الجماهير على أنه «خطوة صغيرة نحو العودة إلى الحياة الطبيعية». وقال ريك باري، رئيس رابطة الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، إن عودة الجماهير للملاعب تمثل «شريان الحياة» للأندية الأصغر، لكن ذلك لا يخفي الواقع الصعب الذي تواجه معظم هذه الأندية. لكن العديد من الأندية التي تلعب في دوري الدرجة الأولى بإنجلترا ترى أن عودة 2000 مشجع فقط ستسبب مزيداً من الخسائر للأندية، بل وأشار أحد الأندية التي تلعب في دوري الدرجة الثانية، الذي لديه أكثر من 10 آلاف تذكرة موسمية إلى أن عودة بعض المشجعين ستقلل على الأقل من الحاجة إلى الخصومات الشاملة لحاملي التذاكر.
ويشعر كثيرون بالقلق بشأن التكاليف المالية للإشراف على عودة هذه الأعداد القليلة من الجماهير، حيث أشار أحد الأندية في دوري الدرجة الثالثة إلى أن تكاليف الإشراف والأمن والتنظيف سترتفع إلى نحو 15 ألف جنيه إسترليني في المباراة الواحدة التي تقام على ملعبه، مقارنة بـ1300 جنيه إسترليني فقط في المباراة التي تُقام دون جمهور. وبالتالي، فإن عودة الجماهير بهذا الشكل لا تعني تحقيق أرباح مالية بالنسبة لغالبية الأندية. يقول مارك باليوس، رئيس نادي ترانمير روفرز: «أعتقد أن قرار عودة الجماهير بهذا الشكل لن يحدث فرقاً كبيراً بالنسبة لأندية دوري الدرجة الثانية والدرجة الثالثة بخلاف كونه خطوة إيجابية للعودة إلى الحياة الطبيعية. إذا كنا ضمن المستوى الثاني، فسيُسمح لنا بعودة 2000 مشجع للمباريات، لكن لدينا بالفعل 3 آلاف حامل تذكرة موسمية دفعوا ثمن التذاكر بالفعل لمشاهدة المباريات. في المستوى الثاني، من المحتمل أن يكلفنا الأمر 10 آلاف جنيه إسترليني لتنظيم المباراة التي يحضرها 2000 متفرج، وهو الأمر الذي لن نضطر للقيام به في حال أصبحنا في المستوى الثالث (حيث لا يُسمح بحضور أي أعداد من الجماهير)».
ويتوقع برايتون، الذي يخسر أكثر من مليون جنيه إسترليني في كل مباراة تقام على ملعبه دون جمهور، أن يتمكن من بيع الأطعمة والمشروبات عند عودة الجماهير.
ومن المعروف أن هذا «الإنفاق السنوي» يكون أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لأندية الدوريات الأدنى. يقول ريان سباركس، مدير نادي برادفورد: «لكي نحقق إيرادات في الأيام التي تقام فيها المباريات، فإننا نعتمد على بيع البرغر والمشروبات والبرامج، وما إلى ذلك، للجماهير. لا يوجد أدنى شك في أن جميع التكاليف سترتفع، ومن المؤكد أنني لن نجني أي أموال في يوم المباراة. وبالتالي، سيكون الأمر ضاراً للغاية بالنسبة لبعض الأندية». ويواصل الدوري الإنجليزي الممتاز، جنباً إلى جنب مع وزارة الثقافة والإعلام والرياضة ومجموعة التكنولوجيا والابتكار الرياضي، بناء مدونة سلوك توضح بالتفصيل كيفية العمل في يوم المباراة، مثل تدابير التباعد الاجتماعي، وأين يجب ارتداء الأقنعة. ويأمل باربر أن يُسمح للجماهير «بالغناء والصراخ» كالمعتاد، وألا تتحول الأندية «إلى ما يشبه مربية الأطفال التي تقول للجماهير: يمكنك فعل هذا ولا يمكنك فعل هذا!»
ويريد باربر إقناع الحكومة بأنه من الآمن الموافقة على حضور أعداد أكبر من الجماهير، حيث يقول: «إذا كنا سنستخدم هذه الخطوة كدليل على إمكانية عودة الجماهير للملاعب مثلما فعلنا في أغسطس (آب) الماضي، عندما سمح برايتون بحضور 2500 مشجع، فإن هذا سيعطينا مزيداً من القوة في محادثاتنا من الحكومة من أجل السماح بحضور أعداد أكبر من الجماهير. هذه خطوة إيجابية، لكنها مجرد خطوة أولى ونحتاج إلى فهم ما هي خارطة الطريق التي سنسير عليها من أجل إعادة أعداد أكبر من الجماهير إلى ملاعبنا عاجلاً وليس آجلاً».
في غضون ذلك، لا تزال أندية الدوريات الأدنى في حاجة ماسة لخطة الإنقاذ المتفق عليها مع الدوري الإنجليزي الممتاز، التي تصل قيمتها إلى 50 مليون جنيه إسترليني. يقول أندرو باركنسون، الرئيس التنفيذي لنادي بليموث أرجايل: «أعتقد أن هذا يجب أن يحدث من أجل إحداث الفارق الذي تحتاج إليه الأندية. عودة الجماهير لن تملأ الفراغ المالي الذي نعاني منه. لقد طُلب منا، جنباً إلى جنب مع أندية أخرى في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، أن نتوقع بياناتنا المالية حتى نهاية الموسم، وأعتقد أن الحصول على مبلغ 50 مليون جنيه إسترليني سيساعد هذه الأندية على تجاوز هذه الأزمة الطاحنة خلال الأشهر المقبلة».
وسيكون بوسع أندية ليفربول وآرسنال وتشيلسي وتوتنهام وبرايتون ووستهام السماح لمشجعيها بالعودة إلى مدرجات ملاعبها بدءاً من هذا الشهر، بحدود 2000 متفرج، في المقابل لن يتمكن عملاقا مدينة مانشستر (يونايتد وسيتي) وكذلك ليدز يونايتد من الحصول على نفس الفرصة لتصنيف المدينتين في المستوى الثالث.
ويلعب آرسنال وتشيلسي وبرايتون على أرضهما ضد توتنهام وليدز وساوثهامبتون توالياً، فيما يحل ولفرهامبتون ضيفاً على ليفربول حامل اللقب في ملعب أنفيلد، بينما قد يستقبل وستهام المشجعين في ملعب لندن عند استضافة مانشستر يونايتد.
من جهته، يشكك باليوس في النزاهة الرياضية للمسابقة التي ستسمح لبعض الفرق بالاستفادة المالية من عودة المشجعين، في الوقت الذي لا تستفيد فيه أندية أخرى على الإطلاق، قائلاً: «إحدى الصعوبات التي نواجهها في فترة الوباء تتمثل في أننا نخسر ميزة إقامة المباريات على ملاعبنا. إذا لعبنا أمام فريق آخر على ملعبه، وكان ضمن المستوى الأول، فإن ذلك يعني أنه سيكون لديه 4000 متفرج على ملعبه، وهو الأمر الذي يحدث الفارق في هذا المستوى، لكن أعتقد أن هذا أحد الأشياء التي يتعين علينا أن نقبلها. على أي حال، هذه خطوة إيجابية نسبياً إلى الأمام».
لكن الأرجنتيني مارسيلو بيلسا مدرب ليدز يونايتد يرى أن عودة الجماهير للملاعب لا بد أن تخضع لخطط تحقق العدالة، وليس وفقاً لمناطق تفشي الوباء.
وليدز من ضمن مناطق المستوى الثالث مع مانشستر التي ما زال مفروض عليها حظر التجمعات الجماهيرية. وقال بيلسا السبت الماضي عقب مباراة فريقه التي فاز فيها على إيفرتون: «ربما يتعين على السلطات عدم السماح بحضور الجمهور المباريات حتى يتم تعميم هذا الأمر على جميع في نفس التوقيت لفرض العدالة».
وأضاف المدرب الأرجنتيني المخضرم: «لا يجب التقسيم هنا إلى فئات بل يجب العمل على تحقيق العدالة بين أندية المسابقة قدر الإمكان... فيما يتصل بالأمور التي يمكن السيطرة عليها، الحضور الجماهيري له تأثير على النتائج. الخطة الحالية تعني معاقبة الأندية الواقعة في مناطق عالية الخطورة».
في المقابل يرى الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول والذي سيستفيد ناديه من عودة الجماهير بأن هذه خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح.
وستقام مباراة ليفربول على ملعبه «انفيلد» أمام ولفرهامبتون هذا الأسبوع بحضور 2000 متفرج من مشجعيه. وفي رده على سؤال بشأن ما إذا يمثل ذلك أفضلية لحامل اللقب قال كلوب: «قلت قبل أن أعرف في أي فئة ستكون مدينة ليفربول، الأمر لا يتعلق بمناقشة مزايا وعيوب هذا أو ذاك، هذا يمثل خطوات صغيرة في الاتجاه الصحيح. سعيد بإمكانية حضور 2000 متفرج للملعب، لا أحد يعرف كم من الوقت سنكون قادرين على القيام بذلك، لكني أعتقد أنه لا يجب أن نناقش الأمر على أساس أنه ميزة لهذا الفريق أو ذاك».
وساند سكوت باركر، مدرب فريق فولهام العائد إلى الدرجة الممتازة، كلام كلوب، وقال: «هذا هو الهدف المطلوب من كرة القدم. آمل أن نتقدم في هذا الموضوع. لكننا نقوم بكل شيء ونلعب المباريات لكي نجمع الناس معاً».
وأضاف: «إنها أخبار جيدة ونأمل أن نكون في منحنى تصاعدي الآن. لقد عشنا فترة طويلة من دون مشجعين، واعتدنا على هذه البيئة لذلك قد يكون غريباً بعض الشيء في البداية».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.