هل من العبث الاستمرار في المنافسات الأوروبية مع تفشٍ جديد لـ«كورونا»؟

رئيس «يويفا» أكد أنه وضع قواعد صحية صارمة حتى لا يصاب اللاعبون لكن بعضهم ينتقده لتجاهله الوباء

رئيس «يويفا» ألكسندر سيفرين يرى أن أي توقف جديد لكرة القدم سيفلس الأندية (أ.ب)
رئيس «يويفا» ألكسندر سيفرين يرى أن أي توقف جديد لكرة القدم سيفلس الأندية (أ.ب)
TT

هل من العبث الاستمرار في المنافسات الأوروبية مع تفشٍ جديد لـ«كورونا»؟

رئيس «يويفا» ألكسندر سيفرين يرى أن أي توقف جديد لكرة القدم سيفلس الأندية (أ.ب)
رئيس «يويفا» ألكسندر سيفرين يرى أن أي توقف جديد لكرة القدم سيفلس الأندية (أ.ب)

هناك جدل حول من الشرير الحقيقي في فيلم الإثارة والرعب الأميركي «الفك المفترس»؟ هل هو القرش الذي يسبح في المياه قبالة منتجع «أميتي» ليلتهم ضحاياه؟ أم لاري فون، عمدة المدينة الذي يرفض إغلاق الشواطئ المحلية على الرغم من تنبيهه بوجود قرش مفترس؟! بعد إحدى المناقشات من هذا القبيل في حلقة بأحد البرامج الأميركية، شعر أحد المستمعين بأنه مضطر للاتصال بكاتب سيناريو الفيلم، كارل غوتليب، الذي يبلغ من العمر 82 عاماً، والذي علق على الأمر قائلاً إنه لا يمكنه إلقاء اللوم بالكامل على القرش المفترس أو على عمدة المدينة.
وقال غوتليب: «حسناً، من الواضح أن القرش هو الشرير الأساسي، نظراً لأنه هو من يأكل الناس بالفعل. لكن عمدة المدينة شرير أيضاً لأنه بفشله في اتخاذ الإجراء المناسب عرض حياة مزيد من الناس للخطر، وهو ما أدى إلى مقتل مزيد من الأشخاص». وأشار غوتليب إلى أن العمدة فون لم يكن يستحق قدراً كبيراً من الازدراء، لأنه كان يحاول على الأقل خدمة الصالح العام في مواجهة «الاضطراب الذي لا يمكن التنبؤ به على الإطلاق».
في الحقيقة، يمكننا أن نقول الشيء نفسه عن رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ألكسندر سيفرين، وأعضاء لجنته التنفيذية، الذين تحركوا بسرعة تستحق التقدير والإشادة وقرروا تأجيل بطولتي دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي، بعد قرار كثير من البطولات الأوروبية الكبرى بتأجيل مواسمها في شهر مارس (آذار)، في محاولة لوقف انتشار فيروس كورونا.
وعلى الرغم من استئناف دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي لاحقاً في نسختين مصغرتين عن طريق إقامة الأدوار الإقصائية من مباراة واحدة ودون جماهير، فإن التكلفة، التي تحملها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في صورة الخصومات المالية التي مُنحت لجهات البث التلفزيونية التي لم تتمكن من إذاعة عدد المباريات التي اتفقت عليها وقت توقيع عقود البث، تجاوزت 500 مليون جنيه إسترليني.
وبالتالي، لم يكن من الغريب أنه في ظل استمرار تفشي الفيروس في جميع أنحاء أوروبا وتصاعد معدلات الإصابة بالفيروس في جميع أنحاء القارة بمعدل أكبر من أي وقت مضى، لم يكن هناك حتى الآن أي اقتراح بتأجيل أو إلغاء دوري أبطال أوروبا، تلك البطولة التي تحقق عائدات مالية تصل إلى أربعة مليارات جنيه إسترليني سنوياً.
والخميس الماضي، أعلنت إنجلترا أنها ستدخل فيما يشبه الإغلاق الثاني، لتسير على خطى كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا واليونان. كما تم الإعلان عن اتخاذ إجراءات متزايدة في إسبانيا وإيطاليا، ومن شبه المؤكد أن دولاً أخرى ستسير على نفس الطريق.
وتمثل هذه الدول السبع 21 نادياً من الأندية الـ32 التي تلعب في النسخة الحالية من دوري أبطال أوروبا، كما أنها ممثلة بشكل جيد للغاية في بطولة الدوري الأوروبي. وبينما يُلعب الآن دور المجموعات دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي، فإن البطولتين تفتخران بأنهما تضمان أندية من 40 دولة مختلفة عبر طول وعرض القارة العجوز، التي تعاني حالياً من وباء قاتل وشديد العدوى لم يظهر أي علامة على التراجع.
وفي القرون المقبلة (إذا وصلت البشرية إلى هذا الحد من الأساس)، لن يكون لدى طلاب التاريخ نقص في دراسات الحالة التفصيلية التي توضح عدم كفاءة المسؤولين في التعامل مع هذا الوباء، وسيكون خير مثال على ذلك هو إصرار المسؤولين عن كرة القدم الأوروبية على مواصلة إقامة دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي، بشكل يتطلب سفر 30 أو 40 نادياً من أندية النخبة لكرة القدم عبر أنحاء القارة، لا لشيء إلا لتحقيق العائدات والمكاسب المالية. ومن المؤكد أن الأجيال القادمة ستتساءل عما كنا نقوم به وتقول: كيف كانوا يفكرون بحق الجحيم؟
وحتى في أفضل الأوقات، يمكن التنبؤ بهوية الأندية التي تتأهل من دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا، حيث دائماً تتأهل الأندية الأغنى للأدوار الإقصائية، بصرف النظر عن الاستثناءات الغريبة والملحوظة للجميع. وتُلعب مباريات دوري أبطال أوروبا هذا الموسم خلف أبواب مغلقة وتواصل فعالياتها رغم تفشي الوباء من أجل الأموال فقط، وهو ما يجعل الأمر برمته غارقاً في حالة من العبث والضباب وعدم اليقين!
إننا جميعاً على دراية بتلك «الليالي الأوروبية الاستثنائية على ملعب آنفيلد»، لكن دعونا نرى مدى روعة تلك الليالي عندما يتأهل ليفربول بالفعل لمراحل خروج المغلوب من البطولة هذا العام قبل خوضه مباراتين على الأقل من مباريات مجموعته، وسيستضيف أياكس في مباراة تحصيل حاصل لا أهمية لها بالنسبة للريدز في اليوم الأول من الشهر المقبل!
لكن في نهاية الموسم، سيتم تتويج الفريق الفائز باللقب وسط حد أدنى من الصخب والضجيج، وسيتم توزيع العائدات المالية للبطولة على الأندية، وسيتم ملء دفاتر الأرقام القياسية، وسيحقق الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أرباحاً ضخمة أخرى! في الحقيقة، لم يسبق أن كانت كرة القدم بهذا الشكل المحبط والكئيب الذي لا يفكر في شيء سوى في الأمور المالية على حساب أي شيء آخر!
وربما يحتاج المسؤولون إلى أن يموت لاعب رفيع المستوى بعد إصابته بفيروس كورونا - ونأمل ألا يحدث ذلك - لكن الوباء أسهم بالفعل في قدر كبير من الاضطرابات في بداية الموسم الحالي. وخلال فترة الراحة الدولية الأخيرة، عندما تم إخراج اللاعبين من فقاعات أنديتهم والانضمام إلى زملائهم الدوليين وسافروا عبر حدود متعددة في غضون 10 أيام قبل العودة إلى مبارياتهم المحلية، أصيب عدد كبير من اللاعبين بالفيروس.
وخلال الأسبوع الماضي، اضطر لاتسيو للسفر إلى بروكسل بعدد محدود للغاية من اللاعبين، الذين تم وضعهم لاحقاً في الحجر الصحي قبل مباراة الفريق في نهاية الأسبوع أمام تورينو. وحتى لو تمكن الفريق الإيطالي من الدفع بعدد من اللاعبين غير المصابين في المباراة، فكان يتعين عليه أن يسافر الأربعاء إلى سانت بطرسبرغ، التي شهدت تسجيل أكثر من 18 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا يوم السبت من الأسبوع الماضي! وبالتالي، يبدو الأمر غير مسؤول وغير منطقي بالمرة!
ويدافع الاتحاد الأوروبي عن خططه بأنه يتبع قواعد صارمة من أجل تفادي إصابة أي لاعب، وإنه أجرى 61859 اختباراً للكشف عن فيروس كورونا منذ أغسطس (آب) الماضي، ما سمح بإقامة أكثر من 500 مباراة أوروبية ليجعل كرة القدم واحدة من أكثر البيئات أماناً في العالم.
وقال «يويفا» الذي انتقدته بعض وسائل الإعلام بسبب الضغط الذي مارسه لإقامة مباريات دولية في خضم الجائحة، إن 340 فقط من هذه الاختبارات جاءت إيجابية بنسبة 0.55 في المائة من إجمالي الاختبارات، كما ألغيت 3 في المائة فقط من المباريات.
وقال سيفرين: «البروتوكول الذي وضعناه أثبت نجاحه ويضمن سلامة جميع المشاركين حتى في هذه الأوقات العصيبة، حيث ترتفع معدلات الإصابة بالوباء في جميع أنحاء القارة. هذا يمنحنا الثقة في إقامة مسابقاتنا كما خططنا». ووصف الاتحاد الأوروبي هذه الجهود بأنها ثمرة تعاون هائل بين دول القارة بأكملها.
وأضاف أنه منذ أغسطس، أقام «يويفا» مباريات في ثماني مسابقات هي دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي ودوري الأبطال للسيدات ودوري الشباب ودوري الأمم وملحق تصفيات بطولة أوروبا وتصفيات تحت 21 عاماً وتصفيات بطولة أوروبا للسيدات، وأن ذلك حال دون إفلاس أندية واتحادات عديدة.
لقد قال رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في سبتمبر (أيلول) الماضي: «منذ ستة أشهر، كان يتم إغلاق كل شيء، والآن عدنا يا أصدقائي. لا يمكننا أن نقول إن كل شيء بات طبيعياً، وإن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قريباً». في الحقيقة، تذكرنا تصريحات سيفرين بتعليقات العمدة فون لمواطنيه في فيلم «الفك المفترس»، عندما قال: «إنه يوم جميل، والشواطئ مفتوحة والناس يقضون وقتاً رائعاً». لكن تصريحات العمدة فون كانت مضللة للغاية، وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على تصريحات سيفرين نفسه!



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.