آرسنال وأرتيتا... استبعاد أوزيل «عبثية» غير مبررة

اللاعب الألماني موهبة فذة أخرى تصبح ضحية للأهواء الشخصية

فينغر يتحدث إلى أوزيل بعد نهائي كأس إنجلترا عام 2017 (غيتي)
فينغر يتحدث إلى أوزيل بعد نهائي كأس إنجلترا عام 2017 (غيتي)
TT

آرسنال وأرتيتا... استبعاد أوزيل «عبثية» غير مبررة

فينغر يتحدث إلى أوزيل بعد نهائي كأس إنجلترا عام 2017 (غيتي)
فينغر يتحدث إلى أوزيل بعد نهائي كأس إنجلترا عام 2017 (غيتي)

كان هناك شيء مثير للقلق بشكل غريب حول رؤية المدير الفني السابق لآرسنال، آرسين فينغر، يظهر على الشاشة مرة أخرى، وهو يروج لكتابه الجديد، نظرا لأن كل محاور من المحاورين الذين يجرون معه أي لقاء تلفزيوني كانوا يحاولون بشتى الطرق إغراءه للحديث عن أمور بعيدة كل البعد عن الهدف الأساسي للمقابلة الصحافية وهو الترويج للكتاب الجديد، فكانوا يسألونه عن المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو، وعن رأيه في المدير الفني الجديد للمدفعجية ميكيل أرتيتا، وعن رأيه في قرارات مجلس إدارة آرسنال.
لكن المدير الفني الفرنسي كان يتصرف بذكاء ويرفض الحديث بشأن هذه الأمور المثيرة للجدل. ويجب الإشارة في هذا الشأن إلى أن كتابه الجديد يتميز بالدقة والموضوعية والاعتماد على الحقائق، ولا يركز كثيرا على القيل والقال، وبالتالي كان من الطبيعي أن يتعرض لبعض الانتقادات!
ومؤخرا، حل فينغر ضيفاً على برنامج «غراهام نورتون شو»، وتحدث عن الأسباب التي تجعل لاعبي كرة القدم بحاجة إلى مدير فني، قائلا: «عندما يجتمع الناس، فإن ذلك يخلق سحراً. في بعض الأحيان تتجمع تلك الطاقة وتصل إلى مستوى راقٍ من الفن؛ فن الطيران معاً». لقد كان هذا التشبيه عبارة عن صورة جميلة وموجزة تعكس مسيرة فينغر الطويلة، وقد تألق المدير الفني الفرنسي كعادته خلال هذا الحوار على القناة الأولى لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في أوقات الذروة. ورغم أن هذا الحوار الشيق تطرق للعديد من الأمور، فعندما نشرت صفحة البرنامج على موقع فيسبوك مقطعا من البرنامج، كان عنوانها الرئيسي هو «آرسين فينغر يتحدث عن معركته الشهيرة مع جوزيه مورينيو!»، من أجل جذب انتباه الجماهير.
وبينما كان فينغر يبتسم في الاستوديو، كان من المغري أن نلقي نظرة على الإرث الذي تركه في نادي آرسنال بعد رحيله. إن النادي يقاتل حاليا من أجل الحصول على لقب أو بطولة، لكن فينغر تجاهل كل ذلك وخرج ليتحدث عن الفن والصور التشبيهية، وكأنه غير مدرك للتحديات التي يواجهها ناديه. إن الأمر يشبه قيام رب الأسرة بالذهاب لشراء بيانو آخر، تاركا منزله وهو يحترق! فرغم كل المشاكل التي يعاني منها آرسنال، أشار المدير الفني الفرنسي إلى أن النادي بحاجة للتعاقد مع لاعب جديد بمواصفات باتريك فييرا مرة أخرى، مؤكدا على أن النادي لديه بالفعل اللاعب الألماني مسعود أوزيل!
ومن بين جميع لاعبي «عصر فينغر» الذين ما زالوا في آرسنال في الوقت الحالي، فإن أوزيل هو أفضل من يجسد الانقسام الحاد بينهم. إنه لم يلعب أي دقيقة منذ مارس (آذار) الماضي. ومؤخرا، تم استبعاده من تشكيلة آرسنال في الدوري الأوروبي. ويبلغ اللاعب الألماني من العمر 32 عاماً، وينتهي عقده الصيف المقبل، ويحصل بموجب عقده الحالي مع آرسنال على راتب أسبوعي يصل إلى 350 ألف جنيه إسترليني!
لقد جاء السقوط بشكل مفاجئ أكثر مما يعتقد الكثيرون، فحتى توقف الموسم بسبب تفشي فيروس كورونا، كان أوزيل لا يزال يشارك في التشكيلة الأساسية لآرسنال بشكل منتظم. ومع ذلك، كان اللاعب الذي اعتاد اللعب بطريقة فينغر التي لا تعتمد على الاحتكاك القوي يعاني في ظل الطريقة الجديدة التي يلعب بها الفريق والتي تعتمد على القوة البدنية الهائلة والركض المتواصل داخل الملعب، حيث يريد ميكيل أرتيتا لاعبين يتسمون بالسرعة والقوة والالتزام الخططي والتكتيكي، والقدرة على الضغط المتواصل على حامل الكرة. وعلاوة على ذلك، يريد آرسنال لاعبين مخلصين للنادي ويوافقون على تخفيض رواتبهم عندما يطلب منهم ذلك، ولا يتسببون في إغضاب الحكومة الصينية بسبب التغريدات التي ينشرونها على تويتر، بالشكل الذي فعله أوزيل!
وبالتالي، لم يكن من الغريب أن تنهار العلاقة بين أوزيل من جهة وبين أرتيتا ونادي آرسنال من جهة أخرى. يمكننا أن نتحدث عن الصواب والخطأ في هذه العلاقة، وعن الخلافات الصغيرة التي أدت إلى وصول الأمور إلى هذه النقطة، كما يمكننا الحديث عن مدى مسؤولية أوزيل في هذه المحنة، أو حتى ما إذا كان يعاني من محنة في الأساس أم لا! لكن دعونا نعود خطوة واحدة إلى الوراء هنا: لاعب كرة قدم جيد للغاية يتقاضى حالياً 18 مليون جنيه إسترليني سنوياً بدون أن يلعب كرة القدم. وفي الوقت نفسه، يعاني النادي بشدة من الناحية المالية ويقيل 55 من العاملين بالنادي.
وفي الوقت نفسه، فإن البنية التحتية لكرة القدم الإنجليزية بأكملها على وشك الانهيار. وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ألم تكن هناك طريقة ما لتجنب وصول الأمور إلى هذه النقطة؟ ويجب الإشارة إلى أن هذه المشكلة تتجاوز عدم قدرة صانع ألعاب موهوب على التألق وفق طريقة لعب جديدة تعتمد على القوة البدنية الهائلة. وإذا بحثنا في الأندية الكبيرة، سنجد أن هناك عددا كبيرا من اللاعبين الموهوبين الذين لا يبذلون مجهودا كبيرا داخل الملعب ولا يلعبون دورا كبيرا مع أنديتهم على الإطلاق، مثل ماركوس روخو في مانشستر يونايتد، وداني روز في توتنهام، وسامي خضيرة في يوفنتوس، وغاريث بيل مع ريال مدريد خلال الموسمين الماضيين قبل انتقاله إلى السبيرز. وكل هؤلاء اللاعبين لا يشاركون في المباريات رغم أنهم لائقون من الناحية البدنية ويحصلون على أجور عالية.
هؤلاء ليسوا لاعبين سيئين على الإطلاق. وسواء كنت تتفق أو تختلف مع حجم موهبتهم، فإنهم موهوبون في الأساس، وكان بإمكانهم تقديم مستويات أفضل لو كانوا يلعبون في أجواء تساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم. لكن يجب أن نشير أيضا إلى أن كرة القدم على مستوى النخبة لم تكن أبدا بهذا القدر من الإهدار المالي، حيث نرى الآن الأندية لديها قوائهم طويلة للغاية من اللاعبين، وأكاديميات الناشئين لديها تعج باللاعبين الشباب الذين لا يحصلون على الفرصة المناسبة، فضلا عن «جيوش» من اللاعبين المعارين إلى أندية أخرى، والانتقالات المستمرة للاعبين في كل الاتجاهات بسبب وكلاء اللاعبين الجشعين الذين يستفيدون ماليا من أي حركة يقوم بها اللاعب.
وبالتالي، ربما تكون هذه هي النتيجة المنطقية للعبة التي ينتشر فيها عدم المساواة. وفي لعبة تتوزع في الثروات بطريقة غير متكافئة على الإطلاق، وفي وقت يطالب فيه المشجعون بتدعيم فرقهم باستمرار، سيكون من السهل دائماً التعاقد مع لاعب جديد وإلقاء اللوم على اللاعب القديم! وفي هذه الأثناء، لا يشارك لاعب خط الوسط الألماني الموهوب الذي يمتلك خبرات هائلة مع آرسنال، رغم حاجة النادي الواضحة لصانع ألعاب مبدع وصاحب خبرات كبيرة. أي عبث هذا؟
لقد أدرك فينغر هذا بالطبع. وبالنسبة لهذا المدير الفني المخضرم الذي يسعى دائماً إلى مزج المثالية مع نظريات اللعبة، فإن أكثر شيء يثير إحباطه هو أهدار الطاقات الهائلة للاعب موهوب مثل أوزيل. وقال فينغر عن أوزيل الأسبوع الماضي: «ما يحدث إهدار لطاقات اللاعب والنادي معا. لقد حصل على لقب كأس العالم ولعب في ريال مدريد، ويحمل الرقم القياسي فيما يتعلق بصناعة أكبر عدد من الأهداف، لذا يتعين عليك أن تجد طريقة ما لإعادة دمجه في صفوف الفريق».
وكان وكيل أعمال أوزيل وجه انتقادات حادة لميكيل أرتيتا، موضحا أن موكله يستحق أن يتلقى تفسيرا حول استبعاده من قائمة الفريق في الدوري الإنجليزي وقال إيركوت سوغوت: «كل شخص خارج النادي يعلم جيدا أنه لم يتم معاملته بإنصاف، لم يعطوه الفرص لإظهار إمكانياته هذا الموسم، إذا كان ما زال متعاقدا مع النادي، فاللاعب لا بد أن تكون لديه إمكانية البقاء والمحاربة على مكانه في الفريق، لكن أوزيل لم يحصل على تلك الفرصة». وكان أرتيتا قد ذكر خلال الأسبوع الماضي أن قراره بشأن اللاعب الألماني كان قرارا كرويا بحتا، وأنه في فشل في إخراج أفضل ما لدى أوزيل مع الفريق وذلك منذ أن تولى المسؤولية. تصريحات سوغوت جاءت بعد أن أعرب أوزيل عن «إحباطه الشديد» بعد استبعاده من قائمة آرسنال. وقال أوزيل إنه لم يجد مقابلا لولائه لآرسنال بعد أن استبعده النادي من تشكيلته في الدوري الإنجليزي الممتاز لموسم 2020 - 2021.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.