أورويل في كوبا

كيف تُرجِمت رواية «1984» بعد غروب كاسترو؟

فيدل كاسترو
فيدل كاسترو
TT

أورويل في كوبا

فيدل كاسترو
فيدل كاسترو

كان قيامي ببحث حول كوبا، أنا الكندية المقيمة في نيويورك، تجربة مربكة. حين أصف شغلي، يشعر معظم الناس بالدهشة، بالاستغراب، وحتى بالحسد: هل ذهبتِ إلى هناك فعلاً؟ أحياناً تبدو الآراء منقسمة انقسامها حول أي جدال إسرائيلي - فلسطيني. في ألبرتا، قلب كندا المحافظ (كما يوصف)، تقابَل دراستي باللامبالاة. حين خططت لرحلتي الأولى إلى هافانا، علق أحد الأصدقاء: «يمكنك الذهاب حين تكونين في الستين. الآن، لم لا تجربي مكاناً أكثر متعة، مثل الأرجنتين؟».
ردود فعل كتلك كانت تذكيراً مستمراً بأن كوبا تعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين في أماكن مختلفة، وهي أيضاً نتائج مباشرة لسياسات خارجية مختلفة.
جاء فيديل كاسترو ومجموعته من المحاربين إلى السلطة عام 1959. وبدأت الولايات المتحدة حملتها لتغيير النظام هناك منذ 1960، حين ولدت المقاطعة الشهيرة. وتمنع واشنطن معظم مواطنيها من زيارة كوبا؛ حتى الإصلاحات التي أجراها باراك أوباما عام 2016 لم تسمح بسياحة غير مقيدة. في تلك الأثناء، كانت كندا تقريباً الدولة الوحيدة في القارة الأميركية التي احتفظت بعلاقات دبلوماسية واقتصادية ثابتة مع الجزيرة على مدى الستين عاماً الماضية (المكسيك هي الدولة الأخرى). في السنة الواحدة، يقوم الكنديون عادة بنحو مليون زيارة، معظمها في منتجعات الشواطئ. في مخيلتنا الشعبية، كوبا «فاكهة محرمة» بدرجة أقل، و«كانكون بسيارات قديمة وطعام سيء» بدرجة أكبر.
في كتاب فريدرك لافوا «أورويل في كوبا»، لا توجد شواطئ. لكن ذلك الصحافي من كيبيك يرسم إطاراً مختلفاً آخر: كوبا من حيث هي بقايا شيوعية متهدمة محاصرة بين الماضي والمستقبل. يقدم هذا الكتاب نفسه بصفته كبسولة زمنية، بعنوانه الأصلي معبراً عن الإحساس الحاد بحالة تعلق زمني: «Avant l’après» التي تعني حرفياً «قبل البَعد». بعد أن فاز بجائزة الحاكم العام عام 2018 للكتب غير الروائية، ترجم الآن إلى الإنجليزية على يد دونالد ونكلر.
كان لدى لافوا كل الأسباب التي تقنعه بأن كوبا كانت على شفا نقلة كبيرة حين زارها 3 مرات بين فبراير (شباط) 2016 وفبراير (شباط) 2017. زيارته الأولى سبقت وصول أوباما إلى هافانا بقليل؛ الزيارة التي مثلت نقلة دراماتيكية في علاقة الولايات المتحدة بكوبا على مدى خمسين عاماً. هاجم الرئيس المقاطعة، وبدا أن التحرك نحو المصالحة غير قابل للإيقاف (ملاحظة لافوا بأنه «مهما يكن الرئيس الذي سيخلف أوباما في نوفمبر (تشرين الثاني)، تبدو العودة إلى الماضي غير محتملة بشكل متزايد» تحمل الآن إيحاءات مأساوية). حين جاءت زيارة المؤلف الأخيرة، كان دونالد ترمب قد نُصب رئيساً وفيديل كاسترو قد مات عن تسعين عاماً. لم يلغ ترمب (حتى الآن) إصلاحات أوباما، لكنه خفضها بشكل حاد، ولم يعد إنهاء المقاطعة متوقعاً في القريب. في تلك الأثناء، كانت وفاة كاسترو عام 2016 ذات تأثير محدود على سير العمل في دولة كان يديرها أخو كاسترو (راؤول) على مدى عشر سنوات، ولم تؤدِّ إلى ما تمناه بعضهم من أزمة في الشرعية. العام الماضي، تنازل راؤول عن الرئاسة لميغيل دياز - كانيل، وهو بيروقراطي من جيل أصغر، بينما ظل هو على رأس الحزب الشيوعي. مرة أخرى، التغير الضخم لم يحدث. ربما أن الـ«بعد» ما يزال بعيداً إلى حد ما.
أحد أسباب زيار لافوا للجزيرة سعيه لحل مسألة غامضة. في عام 2016، أعلنت دار نشر كوبية أنها ستشرع في ترجمة جديدة لرواية جورج أورويل «1984» في معرض هافانا الدولي للكتاب. كان الاختيار محيراً؛ دولة حزب واحد بتاريخ طويل من الرقابة، كانت لا تفعل أكثر من مجرد السماح بنشر نقد كلاسيكي للتوتاليتارية، تنتجه على نطاق واسع وتشجعه في مناسبة كبرى. هل كان هذا مؤشراً على مدى التغير، أم أنه محاولة ساخرة تجعل كوبا تبدو كما لو كانت أكثر ليبرالية مما هي، أم أن ذلك كان مجرد أمل للناشر بأن يكون لديه عمل رائج، لا سيما أن الحكومة كانت تقترب من إصلاحات تنحو باتجاه اقتصاد السوق، وليس لديها الوقت للتفكير بالنقاء الآيديولوجي؟ أسئلة كتلك، وكذلك القراءة المكثفة لأعمال أورويل، تهيمن على كتاب لافوا.
«أورويل في كوبا» كتاب معني بظلال الدلالات، آسر من حيث هو تحقيق في الكيفية التي تؤثر فيها الرقابة على الأدب. التحدي الرئيس في مواجهة الرقابة الكوبية هو في غموضها؛ إلقاء القبض بشكل واضح على الفنانَين إل سيكستو وتانيا بروغويرا حالة استثنائية في عملية تتسم غالباً بالسرية. لا توجد قائمة رسمية بالكتب الممنوعة، مثلاً: العناوين غير المرغوب بها لا توزع ببساطة. مع أن كل المطابع جرى تأميمها في الستينيات، تظل آليات صنع القرار غامضة. يسعى الأفراد إلى توسيع هامش المسموح به بتقديم طلب يتضمن مقترحات بطبعات جديدة لمواد يفترض أنها غير مسموح بها. الخط الأحمر الوحيد هو التهجم الواضح بالاسم على الأخوين كاسترو. وحتى في تلك الحالات، تختلف القواعد بالنسبة للأجانب، ويستطيع لافوا أن يعبر الخط دون أن يكون لذلك سوى القليل من النتائج.
في محاولته للكشف عن خفايا نشر «1984»، يواجه لافوا باستمرار هذه الحالات الرمادية. ربما أن بعض من يحاورهم يكذبون. الأكثرية ليس لديهم سوى فكرة محدودة حول ما يجري. أحياناً، يكون حتى هو في حالة من الارتياب الشديد -يفترض وجود حالات من المقاومة حين لا يكون شيء من ذلك مقصوداً، أو يستغرب حين ينتقد النظام بعض مرافقيه بشكل معلن. وبالفعل، فإنه من المعتاد أن يناقش دارسو الأدب في كوبا ويهاجمون الرقابة في أثناء السبعينيات، بعد أن أعيد الاعتبار بعد ذلك لكثير من الكتاب الذين كانوا ممنوعين في تلك الفترة. لكن الغموض المستمر حيال ما هو مسموح به حالياً هو أيضاً جزء من الطريقة التي تعمل بها الرقابة. يخفف الناس من حدة مواقفهم، في محاولة لتفادي اجتياز حدود باهتة، الأمر الذي يجعل من النادر أن يضطر النظام لفرض تلك الحدود.
سيكون من الإهمال في مناقشة كتاب يتمحور حول الترجمة، ويبرز إلى حد كبير مترجمين كوبيين، ألا تكون الترجمة موضوعاً للنقاش. المترجم دونالد ونكلر حصل على ثلاث من جوائز حاكمه العام، ومعالجته لكتاب «أورويل في كوبا» معبرة باستمرار، حاملة نغمة مثقفة ميسورة للقارئ في الوقت نفسه. لديه الفرصة ليظهر لمساته حين يقطع لافوا صيغة الريبورتاج، ليضمن الكتاب مسرحية هجائية مصغرة وقصيدة طويلة. لكن الأسلوب في الغالب يظل مع ذلك مباشراً بشكل مقصود، بليغاً لكن ليس إلى درجة الاستعراض؛ يتذكر المرء الخطوط العامة التي رسمها أورويل نفسه في مقالته «السياسة واللغة الإنجليزية».
أحياناً، يبالغ لافوا في اعتماده على أورويل، حين يوحي بأن الرقابة دليل قاطع على وجود الأشكال الأخرى من قمع الدولة. مقارناته تدعونا لتخيل فيديل وراؤول كاسترو من حيث هم قادة لأوقيانوس في العالم الحقيقي يستهدون في إدارة جهاز توتاليتاري بـ«أخ أكبر». ما يتضمنه ذلك هو أن أي دولة تسعى للسيطرة على مصادر المعلومات، للحد من تعدد الرؤى حول الحاضر والماضي، لا بد أن لديها جرائم أخرى تخفيها. هذا التأطير يخفي ملمحاً رئيساً لكوبا بين الديكتاتوريات الشيوعية في القرن العشرين: انخفاض عدد الجثث فيها. الملايين التي هلكت في أرخبيلات ستالين، والمجاعات الجماعية في «القفزة الصينية إلى الأمام»، والتطهير الذي صاحب الثورة الثقافية، وحقول القتل التي مارسها الخمير الحمر -هذه الأمثلة من سفك الدماء لا يكاد يشبهها شيء على الجزيرة. تاريخياً، الغالبية العظمى من معارضي كاسترو جرى ترحيلهم إلى الولايات المتحدة، بدلاً من تصفيتهم. «منظمة العفو الدولية» ذكرت 120 سجيناً سياسياً في كوبا عام 2018، وهو رقم كبير مقارنة بسجون خالية، وأقل بكثير مما يفترضه كثيرون. في رواية أورويل «1984»، يُعذب البطل. في كتاب لافوا، الوصف المؤلم الوحيد حقيقة لعنف الدولة يعود إلى أوائل الستينيات.
من نواحٍ أخرى، يسعى لافوا جاهداً إلى تحقيق التوازن، متفادياً الشجب الشامل مستكشفاً التناقضات لدى بعض الكوبيين المقيمين في ميامي الذين أجرى لقاءات معهم. أجد ما يغريني بعزو هذا الموقف إلى الحياد الكندي، لكنه كما يتضح أكثر نتيجة لعمله الصحافي في الاتحاد السوفياتي السابق. هناك، شاهد نتائج الانتقال «الفاشل» للرأسمالية الذي أفاد القليل من الأوليغاركيين وفتت الحماية الاجتماعية. يأمل لافوا أن تتفادى كوبا هذا المصير، وأن تتحرك بدلاً من ذلك إلى شكل من الديمقراطية الاجتماعية. إنه يكرس مساحة كبيرة للتناقضات في النظام الاقتصادي للجزيرة، حيث تتجاور عملتان، والأطباء الذين تدفع لهم الدولة يحصلون على مداخيل أقل بكثير مما يحصل عليه سقاة البارات إذ يجمعون الإكراميات من السياح.
فوق ذلك كله، يسعى لافوا إلى تفادي مصيدة النظرة الرومانسية إلى البلد، وإنتاج دعاية حكومية في أثناء ذلك دون أن ينتبه. يتضح هذا بشكل خاص في تصويره جان - غي ألار، وهو صحافي متقاعد من كيبيك انتقل للعيش في هافانا، ووجد نفسه محل حفاوة لأنه كتب ما يعجب الحكومة. يصور لافوا ألار بصفته «أحمقاً مفيداً» في القرن الحادي والعشرين، عبارة سبق استعمالها لوصف جان بول سارتر، وهو معجب آخر من معجبي كوبا.
كانت صحة ألار تسوء حين لقيه لافوا لأول مرة، ووفاته بعد ذلك تصبح رمزية تقريباً -مؤشراً إلى أن النظر إلى الثورة الكوبية نصر مذهل لستينيات القرن الماضي لم يعد ممكناً.لكن ثمة وجهاً آخر لتناول لافوا لكوبا مدفوناً في هذه الصفحات. بعد أن يقدم قراءة تحريضية في معرض هافانا الدولي للكتاب، يتحدث إلى الجمهور كاتب لم يُسمَّ من بورتوريكو، قائلاً: على لافوا أن يأخذ في الاعتبار «التوتاليتارية الرأسمالية» لكي يفهم الوضع في كوبا وبقية أميركا اللاتينية. استناداً إلى خلفية ألار، يمكن بسهولة عدم الالتفات إلى الكاتب غير المعروف على أنه أحمق مفيد آخر، لكن التعليق تذكير أيضاً بأن إطارنا المرجعي يحدد الأسئلة التي نطرح.
ضمن أميركا اللاتينية، حققت كوبا شرعيتها منذ أمد طويل ليس على أساس الشيوعية، وإنما على أساس معاداة الإمبريالية. وجوه الشبه بينها وبين الاتحاد السوفياتي كانت أقل أهمية من وجوه اختلافها عن الديكتاتوريات العسكرية المؤيدة للرأسمالية في المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي التي كانت تحصل باستمرار على الدعم الأميركي. في هذه الأثناء، كان المحللون الكاريبيون والأفارقة الأميركيون غالباً ما يحللون كوبا من حيث هي اقتصاد زراعي سابق، متسائلين عن الكيفية التي واجهت بها ثورة 1959 الآثار المتبقية من العبودية واللامساواة العرقية.
لكن ليس لدى لافوا الكثير مما يقوله عن العرق، وهو موضوع بارز في زيارة أوباما، أو عن تاريخ التدخل الأميركي في الأميركتين. إطاره المرجعي يظل شمال أطلسي بشكل راسخ؛ إنه يسافر مع جورج أورويل، الإنجليزي في نهاية المطاف.
إن هذا ليس نقداً بقدر ما هو تذكير بالطرق الكثيرة التي ما تزال فيها كوبا «تُكسَب المعنى» بالنسبة للزوار. تعلَّقَ ألار بالثورة الرومانسية، حيث يرى معظم الكنديين بقعة عادية لقضاء الإجازة. أما لافوا، فرأى فرصة لتفادي الاستسلام الكارثي في شرق أوروبا للرأسمالية، حيث يبحث آخرون عن معركة ضد العنصرية أو التخلف. وماذا عن الكوبيين أنفسهم؟ مما يحسب للافوا أنه يختم كتابه بوضع المستقبل -والأمل المتردد بأن يكون مستقبلاً أفضل- في أيديهم.

- المصدر: «ليتراري ريفيو أوف كندا» (يوليو (تموز) / أغسطس (آب) 2020)



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي