بعد ميسي... برشلونة لن يعود أبداً كما كان

قد يندم النجم الموهوب يوماً ما إذا رحل... ولكن ندم الفريق الكاتالوني سيكون أشد مرارة

TT

بعد ميسي... برشلونة لن يعود أبداً كما كان

قال النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، في الليلة التي حصل فيها على جائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم للمرة السادسة، إن «النهاية تقترب». وكان من الصعب على جماهير برشلونة أن تتخيل تلك اللحظة في ذلك الوقت، لكن الأمر أصبح أكثر صعوبة الآن، ولا يعود السبب في ذلك فقط إلى أنه بعد مرور 8 أشهر على تلك التصريحات، أصبحت النهاية أكثر قرباً وحتمية من أي وقت مضى، لأن هذه الجماهير كانت تعرف من داخلها أنه سيأتي اليوم الذي يعلق فيه الساحر الأرجنتيني حذاءه، ويعتزل كرة القدم.
ورغم أن ميسي قال في تلك التصريحات إن «عمري 32 عامًا»، فإن هذه الجماهير لم تكن بحاجة لتذكيرها بأن مسيرة البرغوث الأرجنتيني مع برشلونة تقترب من نهايتها بعد سنوات من التألق اللافت والعطاء الاستثنائي. لكن ما لم يتخيله أحد هو أن يرحل ميسي بهذه السرعة، وبهذه الطريقة، وأن تكون النهاية بهذه المرارة، وبهذا الشكل المحبط للغاية. وإذا كان مشجعو برشلونة يشعرون بالألم لمجرد تخيل الوقت الذي سيتوقف فيه ميسي عن اللعب، فإن الأمر يكون أشد إيلاماً عندما يفكروا في أنه سيتوقف عن اللعب لبرشلونة، ويذهب لاستكمال مسيرته مع ناد آخر.
ولا يتعلق الأمر برحيل ميسي فقط، لكنه يتعلق بتوقيت رحيله، وسبب رحيله، وكيفية رحيله، وإن كان لا يهم كثيراً النادي الجديد الذي سينضم إليه: مانشستر سيتي أم باريس سان جيرمان أم يوفنتوس. ما يهم حقاً هو أن ميسي سيرحل عن برشلونة، وسينضم لناد آخر، بغض النظر عن اسم هذا النادي. وعندما قال ميسي إن النهاية تقترب، فإن جمهور برشلونة كان يتخيل أن نهاية مسيرة ميسي مع برشلونة تعني نهاية مسيرته مع كرة القدم ككل، وأن مباراته الأخيرة ستكون مثل مباراته الأولى بقميص برشلونة، وأن الأسطورة الأرجنتينية سيحظى بوداع استثنائي، وإن كان مؤثراً مليئاً بالدموع، بشكل لم يحدث من قبل، ولن يحدث من بعد.
وعندما استخدم ميسي كلمة «اعتزال» في تلك الليلة، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أصيب جمهور النادي الكاتالوني بـ«ذعر جماعي»، وطالبو نجمهم المفضل ومعشوقهم الأول بألا يقول ذلك، وكأن هذا الجمهور يتجنب مجرد التفكير في حقيقة ستحدث لا محالة يوماً ما! وفور إطلاق ميسي لهذه التصريحات، سارع مجلس إدارة النادي بالتعليق على الأمر، وقال رئيس النادي، جوسيب ماريا بارتوميو: «ليو ما زال أمامه وقت طويل هنا».
وقد تحدث بارتوميو باسم ميسي عدة مرات. وفي كل مرة كان يفعل ذلك، يتزايد انزعاج النجم الأرجنتيني. فقد أكد رئيس برشلونة أن «ميسي ما زال أمامه الكثير»، وهي العبارة التي نُشرت في كل الصحف الرياضية الكاتالونية اليومية. ويقال إن الرياضيين يموتون مرتين: المرة الأولى عندما يعتزلون اللعبة، والثانية عندما يموتون بشكل طبيعي كبقية البشر. وقد تشبث برشلونة بالسنوات الأخيرة لميسي وكأنه يحاول أن يؤخر قدراً لا مفر منه.
لكن اتضح أن لم يبقَ سوى عام واحد فقط في مسيرة ميسي مع برشلونة. فبعدما قضى النجم الأرجنتيني 20 موسماً مع النادي الكاتالوني، من بينها 17 موسماً في الفريق الأول، وبعد قيادة الفريق للحصول على 34 لقباً، وإحراز 634 هدفاً، يبدو أن الانفصال بات شيئاً مؤكداً بين الطرفين. ومن المؤكد أن هذه الخطوة -في حال حدوثها- ستنزل كالصاعقة على نادي برشلونة، وعلى الدوري الإسباني الممتاز ككل، اللذين يواجهان بالفعل تحديات هائلة في الفترة الحالية.
لكن ربما لا تكون هذه هي المشكلة الحقيقة، فاللاعبون يتجنبون الحديث عن الاعتزال، ويخافون منه كما يخاف بقية البشر من الموت، على حد قول الأرجنتيني خورخي فالدانو، المدير التنفيذي السابق لنادي ريال مدريد، لكن هذا مصير محتوم، ولا بد من حدوثه في يوم من الأيام. وقد رأينا كثيرين من اللاعبين الأفذاذ وهم يتوقفون عن ممارسة كرة القدم في السابق، لكن رحيل ميسي لن يكون سيئاً لبقية مشجعي كرة القدم، لأنه سيكون من المثير للغاية أن نراه يلعب في مكان آخر، لكن المشكلة الأكبر سيعاني منها جمهور برشلونة بكل تأكيد.
لقد كان من الواضح للجميع أن برشلونة يعاني منذ فترة طويلة، وقد بلغ الأمر ذروته إلى أن وصل إلى الانهيار. وإن انتقال أي لاعب مهما كان حجمه عن أي ناد لا يحدث قدراً كبيراً من الصدمة، لكن الأمر يختلف تماماً عندما نتحدث عن لاعب بقيمة وأهمية وحجم ميسي. لقد وقع ميسي لبرشلونة على منديل ورقي، ووقع مستشار رئيس النادي في ذلك الوقت تشارلي ريكساش ووالد ميسي على هذا الاتفاق على المنديل وهما في الطريق إلى نادي برشلونة.
لكن ما الذي دفع هذا النجم الأرجنتيني لكي يرسل خطاباً رسمياً إلى برشلونة في الساعة 7:20 مساء يوم الثلاثاء، يطلب فيه الرحيل عن «كامب نو». لقد تجاوز الأمر الآن مرحلة التفاوض أو المصالحة بين الطرفين، بعدما أرسل ميسي إشعاراً قانونياً بنيته الرحيل، على أن يرحل في صفقة انتقال حر، نظراً لأن عقده مع برشلونة يضم بنداً يسمح له بالرحيل.
ويوم الأربعاء الماضي، قال المدير الرياضي لبرشلونة، رامون بلانز، إنه يريد بناء فريق قوي حول أفضل لاعب في العالم، وهي فكرة رائعة حقاً، لكن ربما يبدو أن النادي قد فكر فيها متأخراً كثيراً، لأنه في الليلة السابقة لتلك التصريحات كان النادي قد أرسل فاكساً يؤكد فيه أن بند الرحيل لم يعد قابلاً للتطبيق، بعدما مر عليه بعض الوقت وانتهت صلاحيته.
ويقول النادي إنه إذا كان ميسي يريد الرحيل، فإنه كان يتعين عليه إبلاغ النادي قبل 10 يونيو (حزيران) الماضي، وفقاً لهذا البند، وإن ميسي قد أرسل الخطاب الذي عبر فيه عن رغبته في الرحيل في 25 أغسطس (آب)، وهو ما يعني أن فرصته في الرحيل قد مضى عليها وقت طويل. وأراد النادي تذكير ميسي بأن قيمة الشرط الجزائي في عقده تبلغ 700 مليون يورو، مؤكداً رغبته في استمرار اللاعب الأرجنتيني بين صفوفه.
وفي الحقيقة، لم تكن هذه طريقة جيدة من النادي للبحث عن المصالحة. وعندما يصل الطرفان إلى النقطة التي يتحدثان فيها عن طريق المحامين والرسائل الرسمية، فهذا يعني أنه لم يعد هناك أي قدر من الحب بين الطرفين، وأن كل ما تبقى هو التفاوض أو القتال للحد من الأضرار أو المخاطرة بمضاعفة تلك الأضرار. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما صيغة هذا البند، وهل يضع تاريخاً محدداً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الموقف القانوني واضح تماماً. لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، وإذا كان البند به قدر كبير من الغموض، كأن يشير بدلاً من ذلك إلى بعض الاختلافات في «نهاية الموسم»، فيمكن مناقشة ذلك في المحكمة. نعم، قد ينتهي الأمر بوقوف النادي وقائده التاريخي في ساحة القضاء!
إنه ليس قائد برشلونة فحسب، لكنه أفضل لاعب في تاريخ النادي، بل وربما أفضل لاعب في تاريخ الساحرة المستديرة ككل. وبالتالي، لا يوجد حل مرض للطرفين الآن. وإذا انتهت المعركة عندما اضطر ميسي لإبلاغ برشلونة بقراره، فإن هذا يعني أن برشلونة قد خسر الحرب بالفعل. فكيف سيتصرف النادي في هذا الموقف؟ وكيف وصل إلى هذه النقطة من الأساس؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون الأمر سيئاً لو صمم ميسي على الرحيل -ويبدو أنه مصمم للغاية في واقع الأمر لدرجة أنه قرر إبلاغ النادي بهذه الطريقة؟ عندما نعود بضع سنوات إلى الوراء، سندرك أن ميسي عندما جدد تعاقده مع النادي في عام 2017، كان مصمماً على وضع شرط يسمح له بالرحيل وقتما يريد.
لكنه على مدار العامين الماضيين لم يرحل، رغم أنه كان بإمكانه القيام بذلك. لكن الفريق واصل الانهيار، وتدهور النادي بشكل واضح للجميع، وتعرض لخسارات ثقيلة في كثير من المناسبات: أمام روما وليفربول، وفي لشبونة. واتسعت الفجوة بين مجلس إدارة النادي وميسي، بعدما فشل المسؤولون في أن يجعلوه يشعر بالسعادة. وقال ميسي بحسرة: «إننا لا نعطي المشجعين شيئاً». ورغم أنه لا يمكن إعفاء ميسي من المسؤولية تماماً، فإنه شاهد أفضل سنوات مسيرته الكروية تمر أمامه من دون أن يحصل على لقب دوري أبطال أوروبا، ورأى زملاءه وهو يرحلون واحداً تلو الآخر، ورأى لاعبين جدداً وهم يأتون ويفشلون. وبالتالي، رأى النجم الأرجنتيني أن الوقت قد حان للانسحاب، والبحث عن تجربة جديدة.
ولا تتمثل الصدمة في أن ميسي الذي ظهر غضبه وإحباطه بشكل متزايد في الفترة الأخيرة قد اتخذ هذا القرار، ولا تتمثل في أن العلاقة بينه وبين المسؤولين سيئة، لكنها تتمثل في أن العلاقة قد وصلت إلى هذه الدرجة من السوء! لقد كانت هناك مواجهة بين الطرفين، وكانت هذه المواجهة على الملأ في كثير من الأوقات، وكان من الواضح أن غضب ميسي يزداد بمرور الوقت، لكن لم يكن أي شخص يشعر بأن هناك تهديداً حقيقياً لبقاء النجم الأرجنتيني في برشلونة، وبالتأكيد لم يكن النادي يرى هذا التهديد من الأساس، وكان يتعامل مع ما يقوم به ميسي على أنه شكل من أشكال الردع، وليس تهديداً حقيقياً. لم تكن المفاجأة في وجود مشكلات بين الطرفين، لكنها كانت في عمق وشدة هذه المشكلات التي اتضح أنه لا يمكن إيجاد حلول لها. وعندما بدأ النادي يتحرك الآن، عمق هذه المشكلات، بدلاً من أن يحلها.
ويجب أن نعرف أن هذه الأزمة مستمرة منذ 5 سنوات أو أكثر، ووصلت إلى الدرجة التي جعلت ميسي يقرر التضحية بكل شيء: ناديه، ومنزله، وخططه المستقبلية. وعندما اتخذ ميسي هذا القرار، أعلن كارليس بويول دعمه له، ورد لويس سواريز بالتصفيق، وقال أرتورو فيدال إنه عندما يُحَاصر النمر، فلا بد أن يخرج للقتال. لقد تحول الأمر إلى حرب، وبات العداء واضحاً للجميع على الملأ. وفي خضم هذا الصراع، ما الخيارات المتاحة للنادي الكاتالوني، بعدما قرر أهم وأفضل رمز في تاريخ النادي الرحيل؟ ولا توجد هناك طريقة الآن للتراجع. وحتى لو تم إقناع ميسي بالبقاء، فإن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه مرة أخرى.
لقد رأى بعضهم تحرك ميسي وسيلة للضغط، ومحاولة أخيرة لفرض التغيير في أعلى المناصب التنفيذية بالنادي، لكن الأمور تجاوزت حتى رئيس النادي بارتوميو الذي قرر ألا يستقيل مهما حدث. ومن المؤكد أن القرار الذي اتخذه ميسي سوف يغير كل شيء بالنسبة للجميع، ويتسبب في أضرار بالغة، ليس لأن ميسي قرر الرحيل عن النادي، ولكن بسبب الطريقة التي رحل بها. وسيعاني برشلونة كثيراً، حتى لو حصل على ما يكفي من المال لحل الأزمة المالية التي يعاني منها -من الممكن أن يحصل على 300 مليون يورو من بيع ميسي، بالإضافة إلى توفير راتبه الضخم- وحتى لو تمكن من بناء فريق قوي يفوز من دون ميسي، وحتى لو خرج كثير من اللاعبين من ظل ميسي، وحتى لو لم يقدم النجم الأرجنتيني المستوى المتوقع منه مع النادي الجديد الذي سينضم إليه، وحتى لو أعرب بعد ذلك عن ندمه على الرحيل. حتى لو حدث كل ذلك، فإن برشلونة كان يتمنى ألا تحدث هذه الخطوة، وكان يمني النفس بأن يلعب النجم الأرجنتيني آخر مباراة في مسيرته الكروية بقميص برشلونة.
هداف خرافي، محطم لأرقام قياسية لا تحصى، متوج بجائزة الكرة الذهبية في 6 مناسبات، يجمع 34 لقباً في رصيده، أمضى ميسي مسيرة كاملة امتدت لأكثر من 20 عاماً مع ناد واحد هو برشلونة، حتى بات كبيراً جداً عليه، وراغباً اليوم بالرحيل عنه. أصبح ميسي في الوقت عينه أيقونة عالمية في كرة القدم، وهو يشكل مدعاة فخر محلياً بقدر ما هو رمز عالمي. وكان إعلان الثلاثاء عن رغبته في الرحيل عن النادي الذي نشأ فيه بمثابة زلزال هز المدينة التي تخيلت أن ينهي مسيرته في ملعب «كامب نو». وقال المدير الرياضي الجديد بلانز، بعد إعلان النجم الأرجنتيني رغبته في الرحيل: «زواج ميسي مع برشلونة حقق الكثير للاثنين؛ يجب أن يكون هناك احترام هائل لما يمثله ميسي ولتاريخه».
ولن يؤثر رحيل ميسي على الفريق خلال العام المقبل فقط، لكنه سيؤثر عليه كل عام، وستظل لحظة رحيل النجم الأرجنتيني موجودة دائماً جزءاً من الإرث الضائع الذي خسره النادي، والذي كان يتمنى ألا يفقده. لقد تحول رحيل ميسي إلى رمز للانهيار، والفشل الذريع الذي عانى منه النادي، والأزمة التي دمرت كل شيء في وجهها. وسيتذكر المشجعون دائماً الوقت الذي ساءت فيه الأمور لدرجة أن أفضل لاعب في تاريخ النادي قرر أن يرحل عن طريق إرسال خطاب لمجلس إدارة النادي بهذه الطريقة!


مقالات ذات صلة

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

رياضة عالمية فريق برشلونة (رويترز)

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

يتطلع فريق برشلونة للعودة لطريق الانتصارات عندما يستضيف فريق جيرونا بعد غد السبت في الجولة التاسعة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية سيميوني قال إن فريقه لعب بشكل سيء أمام لاس بالماس (رويترز)

سيميوني: الدفاع جزء من أسلوبنا... نحتاج لاعبين يفهمون ذلك

أبدى دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد أسفه إزاء الأداء السيئ لفريقه بعد أن تلقت آماله الضعيفة في إحراز لقب دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم ضربة قوية

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية لاعبو برشلونة خلال الإعداد لمواجهة اتلتيكو الصعبة بالكأس (ا ب ا)

قمة نارية بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس إسبانيا اليوم

على وقع صراع ثلاثي ناري على صدارة الدوري الإسباني لكرة القدم، يصطدم برشلونة أول الترتيب بأتلتيكو مدريد الثالث في ذهاب نصف نهائي الكأس اليوم، في حين يحل ريال

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لاعبو الريال خلال التدريبات الأخيرة (إ.ب.أ)

ديربي مدريد يشعل صراع الصدارة على وقع أزمة «التحكيم»

يقف ريال مدريد أمام مهمة معقدة وصعبة تحتم على لاعبيه التركيز عندما يواجهون أتلتيكو مدريد السبت، من أجل الحفاظ على صدارتهم للدوري الإسباني لكرة

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية انشيلوتي اعترف أن الريال في وضع صعب (إ.ب.أ)

أنشيلوتي قبل القمة الإسبانية: نحن في حالة طوارئ!

اعترف المدرب الإيطالي لنادي ريال مدريد متصدر الدوري الإسباني، كارلو أنشيلوتي، بأن فريقه «في حالة طوارئ» عشية ديربي حاسم نسبياً أمام ضيفه وجاره ومطارده المباشر

«الشرق الأوسط» (مدريد)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.