هل نيمار أكثر مهاجم متكامل في عالم كرة القدم الآن؟

مسيرته الكروية تأثرت بالبريق الزائف في سان جيرمان

نيمار لعب دوراً مهماً في فوز  سان جيرمان على أتالانتا والوصول لنصف نهائي دوري الأبطال (أ.ف.ب)
نيمار لعب دوراً مهماً في فوز سان جيرمان على أتالانتا والوصول لنصف نهائي دوري الأبطال (أ.ف.ب)
TT

هل نيمار أكثر مهاجم متكامل في عالم كرة القدم الآن؟

نيمار لعب دوراً مهماً في فوز  سان جيرمان على أتالانتا والوصول لنصف نهائي دوري الأبطال (أ.ف.ب)
نيمار لعب دوراً مهماً في فوز سان جيرمان على أتالانتا والوصول لنصف نهائي دوري الأبطال (أ.ف.ب)

يمثل النجم البرازيلي نيمار الوجه الإعلاني والتجاري لمجموعة واسعة من المنتجات، بدءا من الخدمات المالية المعتمدة، وصولا إلى غسول للفم ضد الالتهابات البكتيرية. وقد جمع هذا الملف ما لا يقل عن 100 مليون يورو منذ انتقال اللاعب البرازيلي إلى أوروبا. وقد يفسر هذا - من بين أشياء أخرى - سبب كره الكثيرين لنيمار إلى هذه الدرجة القصوى.
ومن المسلم به أن نيمار ظهر بشكل جيد في بعض هذه الإعلانات أكثر من غيرها، مثل الحملة الإعلانية لبطاريات السيارات، حيث يظهر اللاعب البرازيلي مرتدياً ثياباً أنيقة للعمل مصممة خصيصا له، ولديه عينان ساطعتان، وعظام الوجنتين بارزة، ويبدو ممسكاً ببطارية جديدة على صدره.
لكن إعلانات العطور تحقق نجاحا أكبر، وربما ينطبق نفس الأمر أيضا على إعلانات مزيل العرق الأول في العالم «تينيس بي بارويل»، وعلى إعلانات الملابس الداخلية.
وربما تكون النتيجة الرئيسية لهذا الانتشار التجاري الكبير هي شكل من أشكال الارتباك حول اللاعب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: لماذا يكره الناس نيمار إلى هذه الدرجة؟ هناك بعض الأسباب الواضحة لذلك في حقيقة الأمر، مثل ادعاء المهاجم البرازيلي للسقوط داخل الملعب من أجل خداع الحكام، أو طريقة تصفيفه لشعره، أو الطريقة التي يظهر بها في الحياة العامة. دعونا نواجه الأمر ونقول إنه ربما لا يوجد أي رياضي آخر تعرض لهذا الكره والغضب والاستهزاء به، مثل نيمار، لمجرد أن الناس لا تحبه.
ويبلغ اللاعب البرازيلي من العمر الآن 28 عاما، وأصبحت حياته المهنية مرادفا للسنوات الضائعة، بعدما أصبحت الإمكانات البشرية سلعة تباع وتشترى بلا هوادة، بدءا من الآلة التجارية الخاصة به وصولا إلى قراره بأن يقضي أفضل سنوات مسيرته الكروية في «البريق الزائف» لباريس سان جيرمان الفرنسي، إن جاز التعبير.
وخلال المباراة التي فاز فيها باريس سان جيرمان على أتالانتا الإيطالي بداية الأسبوع بهدفين مقابل هدف وصعوده إلى الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا، قدم نيمار مستويات استثنائية ليثبت أنه أفضل مهاجم متكامل في عالم كرة القدم في الوقت الحالي - مع كامل الاحترام للاعب الخارق للطبيعة ليونيل ميسي.
آسف، لكن هذه هي الحقيقة. وخلال الاستوديو التحليلي لقناة «بي تي سبورت» الرياضية قبل انطلاق مباراة باريس سان جيرمان أمام أتالانتا، دخل غلين هودل، وهو محلل رائع ويتحدث بإنصاف شديد، إلى هذا الاستوديو وكأن لديه فكرة ثابتة لا يريد تغييرها، وهي أنه لا يحب نيمار. أما ريو فرديناند فكان أكثر مرونة وظهر من حديثه أنه عاشق للاعب البرازيلي ولأي لاعب يمتلك مهارات وإمكانيات كبيرة في عالم كرة القدم، حتى وإن تأثر بعض الشيء بالحذر الذي كان عليه هودل.
وفي منتصف هذا الاستوديو التحليلي، تم إعادة الحديث عن بعض الأفكار البالية المتعلقة بنيمار، وكان الاتهام الأول يتمثل في أن اللاعب طائش وكسول، وأنه «عندما كان في برشلونة كان يقدم مستويات ثابتة، لكنه لم يعد يقدم هذا المستوى الآن».
أما الاتهام الثاني الذي وجه لنيمار في هذا الاستوديو فكان كالتالي: نيمار يخشى المواجهات الكبيرة وضعيف من الناحية الذهنية، فهو «لا يزال يقدم بعض اللمحات الجيدة، لكن يتعين عليه أن يفعل ذلك بشكل مستمر، ويكون حاسما في المواجهات الكبيرة».
لكن الاتهام الأول ينتهي تماما بمجرد أن نلقي نظرة خاطفة لمدة خمس ثوان على موسوعة ويكيبيديا، لأننا سنتأكد من أن اللاعب البرازيلي يقدم مستويات ثابتة وبشكل مستمر، حيث تشير الأرقام والإحصاءات إلى أنه سجل 70 هدفا وصنع 40 هدفا في 83 مباراة مع باريس سان جيرمان، كما أحرز 14 هدفاً وصنع ثمانية أهداف في 18 مباراة لعبها مع النادي الفرنسي في دوري أبطال أوروبا. وهناك شيء مثير للاهتمام للغاية في هذا الأمر، وهو أنه بغض النظر عن القرارات التي اتخذها اللاعب فيما يتعلق بمسيرته الكروية، فإنه يظل عبارة عن آلة لا تتوقف عن الدوران.
أما بالنسبة للاتهام الثاني بأنه يخشى المواجهات الكبيرة وضعيف من الناحية الذهنية، فإنه يتلاشى تماما أيضا أمام الحقائق والأرقام. صحيح أن باريس سان جيرمان يخسر في المواجهات الإقصائية، لكن نيمار لم يكن موجودا في هذه المواجهات من الأساس. ففي عام 2018 كان نيمار مصابا وغاب عن مباراة العودة التي خسر فيها الفريق أمام ريال مدريد. وفي عام 2019 غاب عن مباراتي الذهاب والعودة أمام مانشستر يونايتد. وخلال الموسم الحالي، لعب نيمار ثلاث مواجهات لخروج المغلوب، سجل خلالها هدفين في المباراة التي فاز فيها باريس سان جيرمان على بوروسيا دورتموند وقدم أداء وصفته صحيفة «ليكيب» بأنه «تحفة فنية»، كما قاد النادي الفرنسي للوصول إلى الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ 25 عاما. وبالتالي، فإن العكس هو الصحيح تماما، حيث إن نيمار دائما ما يكون حاسما في المواجهات الكبرى.
لكن لكي نكون منصفين مع غلين وريو، فإنهما أشادا بنيمار بعد نهاية المباراة، وقالا عبارات من قبيل «إنه يواصل التطور»، و«اللاعبون العظماء يتحسن مستواهم باستمرار». لكن هناك شيئا آخر يتعلق بنيمار، وهو أنه يلعب في ناد يمثل مشروعا للقوة الناعمة، حيث تراه وهو يرتدي قبعة ذهبية ويسافر بطائرة هليكوبتر مبطنة بالفراء، ويقوم بمجموعة من السلوكيات المزعجة. لكن الشيء المؤكد هو أنه داخل الملعب يعد أفضل مهاجم متكامل في عالم كرة القدم في الوقت الحالي، وليس فقط «أفضل ممرر في العالم»، كما قال زميله في باريس سان جيرمان، كيليان مبابي. ويمتلك اللاعب البرازيلي فنيات وقدرات هائلة، فهو سريع للغاية ولديه القدرة على إحراز الأهداف من أنصاف الفرص، كما يتمتع برؤية ثاقبة داخل الملعب، ولديه رغبة في محاولة الفوز في كل دقيقة في كل مباراة.
السقوط المذل لبرشلونة أمام بايرن ميونيخ جعل كل مشجعي النادي الكتالوني يتحسرون على مغادرة النجم البرازيلي لفريقهم، والآن زادت المطالب بسرعة إعادته ومنها من النجم البرازيلي وفريق برشلونة السابق ريفالدو. وطالب ريفالدو إدارة النادي الكتالوني بالتركيز على التعاقد مع مواطنه نيمار بدلا من الأرجنتيني لوتارو مارتينيز مهاجم إنتر الإيطالي.
وشدد ريفالدو على أن عودة نيمار لبرشلونة، سوف تسمح للساحر الأرجنتيني ليونيل ميسي قائد الفريق الإسباني «بالراحة».
وبرز مارتينيز كإحدى الصفقات المهمة التي يسعى برشلونة لإبرامها خلال فترة الانتقالات الصيفية القادمة، بعد المستوى الرائع الذي قدمه مع إنتر الإيطالي، الذي أحرز معه 17 هدفا في 37 مباراة هذا الموسم.
وأضاع بطل الدوري الإسباني في الموسمين الماضيين الفرصة للتعاقد مع مارتينيز مقابل 111 مليون يورو (125 مليون دولار) قيمة الشرط الجزائي في عقد اللاعب مع إنتر، والذي انتهت صلاحيته أول هذا الشهر، لكن إدارة برشلونة تبدو متمسكة بضمه هذا الصيف.
وكان نيمار قد اقترب من الانضمام مجددا إلى برشلونة صيف العام الماضي لكن فشل الناديان في التوصل إلى اتفاق بشأن المقابل المادي، وأمام الحالة المذرية التي ظهر عليها برشلونة هذا الموسم من المتوقع أن تستمر المفاوضات هذا الصيف مجددا.
ويرى ريفالدو أنه يتعين على ناديه القديم بذل قصارى جهده لإعادة نيمار، الذي رحل عن صفوفه عام 2017 للانضمام إلى سان جيرمان في صفقة قياسية بلغت 222 مليون يورو (251 مليون دولار)، ليصبح أغلى لاعب كرة قدم في
العالم حاليا.
ويعتقد أسطورة برشلونة أيضا أن وجود نيمار سيساعد في تخفيف الضغط على ميسي عندما يدخل المراحل الأخيرة من مسيرته الرياضية.
وقال ريفالدو: «ربما يكون ليوناردو (المدير الرياضي لسان جيرمان) مهتما الآن بالتفاوض بشأن رحيل النجم البرازيلي عن الفريق الفرنسي. أعتقد أن انضمام نيمار إلى ليونيل ميسي سيساعد برشلونة ليصبح مرة أخرى ذلك الفريق المثير الذي فاز بالعديد من الألقاب قبل عدة سنوات، إنه أفضل صفقة ممكنة لبرشلونة وسيعزز قوة الفريق وسيصبح خيارا جيدا لحسم المباريات، مما يسمح لميسي بالراحة في بعض الأحيان».
وبات لاعبو باريس سان جيرمان يتحدثون الآن بكل صراحة عن مصير نيمار، وعن قناعته التامة بأنه يمكن للفريق الفوز بمباريات خروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا هذا الصيف. لكن لا تزال هناك مباراتان حاسمتان أمام النادي الفرنسي قبل الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا، وكل الاحتمالات واردة. لكن الشيء المؤكد هو أنه يتعين على عشاق كرة القدم في جميع أنحاء العالم أن يستمتعوا بمهارات وإمكانيات نيمار، الذي يعد من أعظم المواهب في عالم الساحرة المستديرة في العصر الحديث.


مقالات ذات صلة

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

رياضة عالمية مانشيني (الشرق الأوسط)

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

كشفت تقارير إعلامية إيطالية توقيع المدرب مانشيني عقداً مع الاتحاد الإيطالي لتولي منصب المدير الفني.

«الشرق الأوسط» (روما)
رياضة عالمية منتخب آيرلندا سيواجه إسرائيل خارج البلاد (رويترز)

«دوري الأمم الأوروبية»: آيرلندا ستواجه إسرائيل في ملعب محايد دون جمهور

قال الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم، الجمعة، إن منتخب آيرلندا سيخوض مباراته المقبلة في دوري الأمم الأوروبية أمام إسرائيل على ملعب محايد ودون حضور جمهور.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
رياضة عالمية النجم الدنماركي كريستيان إريكسن (يسار) في ودية أوكرانيا (إ.ب.أ)

إريكسن: ما تعرضت له مختلف عن أزمة 2021

أكد النجم الدنماركي كريستيان إريكسن على أنه بخير، مضيفا أنه بدأ برنامج التعافي بعد خروجه من المستشفى بعد أقل من 24 ساعة من سقوطه خلال مباراة ودية أمام أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك (رويترز)

الدنماركي إريكسن يتعافى في منزله

قال كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك إنه عاد إلى منزله، الاثنين، وإنه يتعافى بشكل جيد مع عائلته.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية إيطاليا هزمت اليونان وديا (أ.ب)

إيطاليا تهزم اليونان وديّاً استعداداً لدوري الأمم الأوروبية

فاز المنتخب الإيطالي على نظيره اليوناني 1/صفر، مساء الأحد، في مباراة ودية دولية.

«الشرق الأوسط» (هيراكليون)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.