هاري كين لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه

بعضهم يتحدث عن حاجة المنتخب الإنجليزي لمهاجمين جدد أكثر نشاطاً من لاعب توتنهام

هاري كين يهز شباك ليستر سيتي في المرحلة قبل الأخيرة من الدوري الإنجليزي (أ.ف.ب)  -  كين سجل 27 هدفاً في آخر 28 مباراة له مع المنتخب الإنجليزي
هاري كين يهز شباك ليستر سيتي في المرحلة قبل الأخيرة من الدوري الإنجليزي (أ.ف.ب) - كين سجل 27 هدفاً في آخر 28 مباراة له مع المنتخب الإنجليزي
TT

هاري كين لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه

هاري كين يهز شباك ليستر سيتي في المرحلة قبل الأخيرة من الدوري الإنجليزي (أ.ف.ب)  -  كين سجل 27 هدفاً في آخر 28 مباراة له مع المنتخب الإنجليزي
هاري كين يهز شباك ليستر سيتي في المرحلة قبل الأخيرة من الدوري الإنجليزي (أ.ف.ب) - كين سجل 27 هدفاً في آخر 28 مباراة له مع المنتخب الإنجليزي

هناك العديد من الصور الرائعة لكيفن كيغان على مر العقود، لذلك قد يكون من الصعب للغاية اختيار أفضل صورة له، فقد تكون من محبي الفترة التي عمل خلالها كيغان في مجال التدريب وتختار صورة له وعلامات الغضب واضحة على وجهه في إحدى المباريات. وقد تختار صورة له في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وهو يضع يديه على قدميه ويرتدي معطفا ثقيلا ويبدو وكأنه مدير تنفيذي صغير يملأه الغرور.
لكن الصورة المفضلة بالنسبة لي هي تلك الصورة الشهيرة التي التقطت لكيغان من الفندق الذي كان يقيم فيه المنتخب الإنجليزي في نهائيات كأس العالم عام 1982. حيث كان كيغان يجلس على أكتاف راي ويلكينز، مرتدياً سروالا قصيرا ويرفع يديه فوق رأسه كعلامة على النصر. وكان السروال قصيرا للدرجة التي تجعلك تشعر للوهلة الأولى بأنه عار من الخصر إلى الأسفل. ويظهر في هذه الصورة، على استحياء، كل من براين روبسون وبيتر شيلتون.
وبعد التقاط هذه الصورة بأيام قليلة، لعب كيغان ما اتضح بعد ذلك أنها ستكون آخر مباراة دولية له مع منتخب إنجلترا، وهي المباراة التي لعبها المنتخب الإنجليزي أمام نظيره الإسباني في مدريد. لكن هذه المباراة قد شهدت أيضا صورة رائعة أخرى لكيغان، وهي تلك التي كان يتجول فيها حزيناً بعد إطلاق صافرة النهاية، وهي الصورة التي اعتدنا عليها كثيرا من لاعبي المنتخب الإنجليزي بعد الفشل في البطولات الكبرى.
وفي الحقيقة، رأينا مثل هذه الصورة كثيرا من مهاجمي المنتخب الإنجليزي على مر السنين. وإذا ما نظرنا إلى أبرز المهاجمين الإنجليز سنجد أنهم يبدأون مسيرتهم الكروية بشكل يظهر أنهم يمتلكون قدرات تؤهلهم للتألق بشكل كبير بعد ذلك، ثم يصلون إلى مرحلة النضج الكروي، قبل أن تأتي مرحلة الخفوت وتدني المستوى التي تستمر لفترة طويلة، والتي يرفض خلالها معظم المهاجمين الكبار الاعتراف بحقيقة أنهم لم يعودوا قادرين على تقديم نفس المستوى وأنه يتعين عليهم اعتزال اللعبة. لقد رأينا آلان شيرار وهو يمضي العامين الأخيرين من مسيرته مع المنتخب الإنجليزي وهو يمشي للخلف ويداه ممدودتان، مثل رجل يبحث عن مفتاح الإضاءة في الحمام! كما رأينا مايكل أوين وهو يعاني كثيرا في السنوات الأخيرة لمسيرته مع المنتخب الإنجليزي. وحتى واين روني، الذي كان جيداً جداً لفترة طويلة، لم يحقق ما كان متوقعا منه مع منتخب بلاده. إنني أتحدث عن كل هؤلاء المهاجمين لكي أصل للحديث عن المهاجم الأساسي الحالي للمنتخب الإنجليزي، هاري كين، والذي بدأ البعض في الآونة الأخيرة – بشكل غير عادل وقبل الأوان – يطالبون بإبعاده عن التشكيلة الأساسية للمنتخب الإنجليزي والبحث عن مهاجم آخر بدلا منه.
وفي الحقيقة، تعد هذه فترة جيدة لكين نظرا لأنه عاد إلى المشاركة في المباريات بعد شفائه من الإصابة الرابعة الخطيرة في غضون ثلاث سنوات فقط. وقاد كين فريق توتنهام إلى الفوز على ليستر سيتي 3 - صفر في المرحلة السابعة والثلاثين قبل الأخيرة من الدوري الإنجليزي، وفرض كاين نفسه نجما للمباراة بتسجيله هدفين. وفي المرحلة التي سبقتها سجل كين هدفين في مرمى نيوكاسل يونايتد، كلاهما بضربة رأس من مسافة قريبة من المرمى، وكان الهدف الثاني يعكس إصرار كين على اللعب بكل قوة وإرادة.
وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن كين قد سجل حتى الآن 200 هدف مع الأندية التي لعب لها. وقبل عام من انطلاق بطولة كأس الأمم الأوروبية، التي كان من المقرر أن تقام خلال الصيف الجاري لكنها تأجلت بسبب تفشي فيروس كورونا، فإن كين ينظر إلى هذه البطولة على أنها مهمة شخصية بالنسبة له وسيبذل قصارى جهده للفوز بها لأنها ستكون بمثابة لحظة فارقة في مسيرته مع المنتخب الإنجليزي.
ورغم ذلك، يتحدث البعض الآن عن أن كين يعاني من مشاكل كبيرة في النواحي البدنية بسبب تعرضه للإصابات المتكررة وأنه ينبغي البحث عن بديل له في صفوف المنتخب الإنجليزي. لكن هؤلاء لم يتحدثوا عن أن هذا اللاعب الكبير يقدم أداء ممتازا منذ سنوات مع ناد يعاني بشكل واضح من مشاكل مادية ولا يدعم صفوفه بالشكل المطلوب حتى يكون قادرا على المنافسة على البطولات والألقاب.
ومع ذلك، لم ينظر هؤلاء النقاد يوما ما لكين على أنه لاعب من طراز فريد، وحتى عندما كان يقدم أفضل مستوياته على الإطلاق، كان هؤلاء الأشخاص يقللون من حجم الإنجازات التي يحققها، فكانوا يتحدثون تارة عن أن الحظ يقف إلى جانبه، وتارة أخرى عن أنه يحرز الكثير من أهدافه من ركلات جزاء. لكن هؤلاء الأشخاص نسوا أيضا أن كين يلعب كرأس حربة وصانع ألعاب وجناح ولاعب خط وسط في نفس المباراة!
ومرة أخرى، يبدو أن هناك رغبة شديدة لدى البعض في تسريع عملية تراجع مستوى اللاعب، ويقولون إنه لم يعد لديه ما يقدمه! لكن من الواضح أن هذا الحديث سابق لأوانه كثيرا، نظرا لأن كين لا يزال في السادسة والعشرين من عمره، ويقدم مستويات جيدة للغاية. ورغم أن الكثيرين يرون أنه يتم المبالغة في قدرات وإمكانيات كين، فإن الحقيقة هي العكس تماما، حيث لا يحظى هذا اللاعب الرائع بالتقدير الذي يستحقه. وحتى في الموسم الذي عانى فيه كين من إصابة قوية، فإنه أحرز 31 هدفاً في 38 مباراة مع نادي توتنهام ومنتخب إنجلترا، وهو معدل أفضل من كل من سيرجيو أغويرو، ومحمد صلاح، وساديو ماني، وجميع مهاجمي مانشستر يونايتد، بل وأفضل حتى من المعدل التهديفي للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي!
أما بالنسبة للمنتخب الإنجليزي، فهناك حديث الآن عن ظهور مهاجمين جدد أكثر حركة وقوة، وقلق من أن يعيق وجود هاري كين «الثورة الكروية» التي يريد المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، القيام بها! لكنك ستدرك أن كل هذه الحجج واهية وباطلة عندما تعرف أن كين قد سجل 27 هدفاً في آخر 28 مباراة له مع المنتخب الإنجليزي! إن الحقيقة الواضحة هي أن كرة القدم الإنجليزية لديها «لاعب ظاهرة» الآن، ويجب منحه التقدير الذي يستحقه، بل ربما يجب على الشعب الإنجليزي أن يحب كين أكثر من ذلك، لأنه هداف من طراز فريد ويقدم مستويات رائعة وثابتة منذ سنوات، رغم أنه لا يلعب لناد ينفق بسخاء لتدعيم صفوفه.
ويتميز كين بالهدوء والثقة والعزيمة والإصرار وعدم الخوف، كما أنه حقق إنجازات قد تفوق كثيرا ما يحققها الكثير من اللاعبين الذين يتم المبالغة في موهبتهم وقدراتهم. إنه لاعب مختلف عن الآخرين بفضل طريقة تفكيره وشخصيته القوية، وتواضعه الجم الذي يجعل البعض لا يشعرون بأنه نجم عالمي، رغم كل الإنجازات التي يحققها. ونتيجة لذلك، يمكننا التأكيد على أن هاري كين ما زال يمكنه تقديم الكثير من مستودع موهبته الذي لا ينفد، وأنه ما زال في قمة عطائه الكروي. لكن يتعين على كين نفسه أن يبحث عن فرصة جديدة وأن يختبر موهبته في فريق ينافس على البطولات والألقاب وليس فريقا يحمله هو على كتفيه!


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.