الفوضى تضرب برشلونة... ونجوم الفريق في مواجهة الإدارة

ربما تكون خسارة لقب الدوري الإسباني هي أصغر مشكلة يواجهها الفريق الكتالوني في الوقت الحالي

لاعبو برشلونة وآثار الانهيار بعد التعادل مع أتلتيكو وتسليم الصدارة للريال (رويترز)
لاعبو برشلونة وآثار الانهيار بعد التعادل مع أتلتيكو وتسليم الصدارة للريال (رويترز)
TT

الفوضى تضرب برشلونة... ونجوم الفريق في مواجهة الإدارة

لاعبو برشلونة وآثار الانهيار بعد التعادل مع أتلتيكو وتسليم الصدارة للريال (رويترز)
لاعبو برشلونة وآثار الانهيار بعد التعادل مع أتلتيكو وتسليم الصدارة للريال (رويترز)

تبخرت آمال نادي برشلونة في الفوز بلقب الدوري الإسباني الممتاز هذا الموسم. وإذا كان مدافع الفريق جيرارد بيكيه قد صرح قبل عشرة أيام بأن المنافسة على اللقب باتت «صعبة جداً»، فإنها الآن قد أصبحت شبه مستحيلة من الناحية العملية، بعد تعادل الفريق أمام أتلتيكو مدريد بهدفين لكل فريق، وهو التعادل الثالث لبرشلونة في آخر أربع مباريات.
وبعد نهاية المباراة، قال سيرجيو بوسكيتس إن الأمر لم ينته بعد من حيث الاحتمالات الرياضية وعدد النقاط، وهي التصريحات التي دائماً ما تصدر من اللاعبين عندما لا يكون لديهم شيء آخر يقومون به! لقد قرر برشلونة إقالة مديره الفني السابق إرنستو فالفيردي رغم أن الفريق كان يتصدر جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز، ولم يكن لديه البديل المناسب لتولي القيادة الفنية إلى أن تعاقد مع كيكي سيتين الذي كان خارج التوقعات. وبعد ستة أشهر بات برشلونة يحتل المركز الثاني بفارق أربع نقاط عن المتصدر ريال مدريد. لكن النتائج الهزيلة في الآونة الأخيرة ليست هي أسوأ ما في الأمر، الأسوأ هو فوضى المشاكل التي ضربت النادي والفريق داخل الملعب أو خارجه.
عندما أطلق حكم مباراة برشلونة وأتلتيكو مدريد صافرة النهاية، شوهد كيكي سيتين، يتوجه لمقاعد البدلاء ويلتقط بعض الأوراق ووقف هناك للحظة. ويبدو أن سيتين، الذي يُنظر إليه على أنه تلميذ أسطورة برشلونة يوهان كرويف المخلص، لم يتخيل أن تكون قيادة برشلونة بهذه الصعوبة. ومع ذلك، لم يكن يتعين على سيتين أن يشعر بالدهشة، لأن كرويف نفسه قد واجه العديد من المشاكل وخاض الكثير من المعارك لكي يحقق النجاح في نهاية المطاف. مشكلة سيتين أن هناك انقساما كبيرا بين اللاعبين وهو ما قد يسبب أزمة للنادي ككل.
في مواجهة أتلتيكو مدريد، لم يشارك النجم الفرنسي أنطوان غريزمان، الذي يعد ثالث أغلى صفقة في تاريخ النادي، سوى أربع دقائق فقط. أما ثاني أغلى لاعب في تاريخ النادي، وهو عثمان ديمبلي، فهو غائب معظم الموسم للإصابة. أما أغلى صفقة في تاريخ النادي على الإطلاق، وهو البرازيلي فيليب كوتينيو، فيلعب في بايرن ميونيخ على سبيل الإعارة، بعدما فشل برشلونة في بيعه!. وسيعود كوتينيو قريباً وسيحاول برشلونة التخلص منه مرة أخرى!.
كان من المفترض أن يحل كوتينيو محل النجم الإسباني أندريس إنيستا المعتزل، كما كان من المفترض أن يحل آرتور ميلو محل تشافي. لكن الأسبوع الماضي، انتقل آرتور إلى يوفنتوس الإيطالي ضمن صفقة تبادلية حصل بمقتضاها برشلونة على خدمات لاعب خط الوسط البوسني ميراليم بيانتش، وهي الصفقة التي يبدو أن الدافع وراءها أسباب مالية وليس كروية، نظراً لأن مجلس إدارة برشلونة يسعى للهروب من المسؤولية عن عجز الميزانية وتأجيل المشاكل إلى أقصى مدى ممكن!.
كان من المفترض أن يصبح النجم البرازيلي نيمار، هو البديل للعب جانب ليونيل ميسي على أن يقود هو مهمة القيادة بعد اعتزال النجم الأرجنتيني. لكن صبره نفد، وفشل برشلونة في منعه من الرحيل في 2018، وحاول تعويضه بأي شكل من الأشكال وفشل فكان التحرك لمحاولة إعادته إلى «كامب نو» مرة أخرى، لكن ليس هناك المال الكافي لإتمام الصفقة!.
والأسوأ من ذلك، أن الـ222 مليون يورو التي حصل عليها برشلونة من بيع نيمار قد أنفقها بالكامل منذ فترة طويلة، على صفقات لم تحقق نجاحاً. خلال فصل الربيع من هذا العام، تقدم ستة مديرين باستقالاتهم من النادي – ليس بسبب إنفاق المقابل المادي لصفقة نيمار – وهو ما يعني أن 11 عضواً من إجمالي الـ21 عضواً الذين بدأوا ولاية رئيس النادي جوزيب ماريا بارتوميو قد رحلوا عن النادي. وعلاوة على ذلك، هناك أربعة مديرين رياضيين، ونفس العدد من المديرين في مجال الاتصالات. في عام 2014، تعاقد النادي مع لويس سواريز وإيفان راكيتيتش ومارك أندريه تيرشتيغن. ومنذ ذلك الحين، تعاقد برشلونة مع 28 لاعباً مقابل مليار يورو تقريباً، معظمهم لم يحقق أي نجاح. ولم يكن من السهل التخلص من أي من هؤلاء اللاعبين أيضاً، لذلك باع النادي من يستطيع بيعه، وليس من يتعين عليه بيعه. لقد ضم برشلونة الفرنسي غريزمان بعد عام من الموعد المخطط له، لكن بدون وجود خطة واضحة لدمجه في صفوف الفريق.
وعندما سُئل سيتين عن السبب وراء الدفع بغريزمان في آخر أربع دقائق فقط أمام أتلتيكو مدريد، رد قائلا: «إنه كان من المقرر عدم إشراكه في المباراة على الإطلاق!».
ويشعر غريزمان أنه لم يحصل على المكانة التي يستحقها بعدما دفع النادي 120 مليون يورو (135 مليون دولار) في الصيف الماضي.
وفي رد على ما قاله سيتين بأنه سيتحدث مع اللاعب، جاء تصرف والد غريزمان غاضباً على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «(تتحدث معه) يجب أن يكون معك مفتاح الشاحنة ولكنك مجرد مسافر».
وعلاوة على ذلك، بدأ معدل أعمار لاعبي برشلونة يرتفع بشكل ملحوظ، ووصل عمر جيرارد بيكيه وسواريز وميسي وفيدال إلى 33 عاماً، كما وصل عمر راكيتيتش إلى 32 عاما، وبوسكيتس وألبا إلى 31 عاماً. ورغم ذلك، لا يزال هؤلاء اللاعبون يشكلون القوام الأساسي للفريق.
ويعتمد الفريق بشكل كلي على النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، وهو الأمر الذي لا يرحب به اللاعب دائما. لقد شاهد هذا اللاعب الفذ أفضل سنوات مسيرته الكروية تمر بدون الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا في آخر خمس سنوات، وهو الأمر الذي يجعله يتساءل في بعض الأحيان عما فعله لكي يستحق كل ذلك!. ويحظى ميسي باحترام كبير داخل النادي وينظر إليه على أنه هو من يتحكم في كل شيء، لكن هذا الأمر خلق له المشاكل أيضا وجعله يتذمر مهددا بالرحيل.
وتحاصر المشاكل برشلونة من جميع الجهات، وهو الأمر الذي جعل ميسي يعرب عن سخطه واستيائه على الملأ. ومن بين هذه المشاكل، المواجهات بين اللاعبين ومجلس الإدارة بشأن تخفيض الأجور، واتهام النادي بتحريض مواقع إلكترونية لمهاجمة أبرز نجوم الفريق. ويبرز أيضا انتقاد ميسي للمدير الرياضي بالنادي إريك أبيدال بعدما قام الأخير بإلقاء اللوم على اللاعبين واتهامهم بتعمد تحقيق نتائج سيئة من أجل الإطاحة بالمدير الفني السابق فالفيردي.
ربما كان فالفيردي يفتقر إلى الشخصية الكاريزمية المحبوبة، لكن تولي القيادة الفنية لنادي بحجم برشلونة ليس بهذه البساطة التي يتصورها الكثيرون. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل كان كل من تشافي وكوما وماوريسيو بوكيتينو على حق عندما رفضوا تولي قيادة الفريق؟
لقد تولى سيتين قيادة الفريق في خضم هذه المشاكل، وسرعان ما عرف الأسباب حجم الضغط الذي عانى منه فالفيردي.
في مباراة الفريق الأخيرة أمام أتلتيكو مدريد، كانت هناك لقطة عكست هذه ما يتعرض له سيتين من ضغوط، فعندما كان لاعبو الفريق المنافس يتجمعون حول مديرهم الفني دييغو سيميوني، كان لاعبو برشلونة مشتتين وكل منهم بعيداً عن الآخر ولا يستمعون لسيتين!. كما أظهرت الصور التي انتشرت في وسائل الإعلان عدم اهتمام لاعبي برشلونة بتعليمات سيتين أثناء فترة الراحة خلال المباريات، وأظهرت ميسي وهو يبتعد عن سارابيا مساعد سيتين بينما كان يتحدث معه.
لقد بدأ برشلونة هذه المباراة وهو مهدد بفقدان اللقب، وأنهاها وهو خاسر للصدارة بشكل فعلي. ويبدو أن ميسي على خلاف مع المجلس الذي لن يرحل عن النادي حتى إجراء الانتخابات في 2021، ويمكن أن يرحل سيتين بشكل مبكر قبل رحيل المجلس إذا خرج الفريق من السباق على لقب الدوري.


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.