كلوب: ماني وصلاح أسهما في تحويل ليفربول من مكتفٍ بالمراكز المتقدّمة إلى بطل لأوروبا

المدير الفني للفريق الإنجليزي يكشف سبب اعتماده على لاعبي «القارة السمراء»

أوريغي يحرز الهدف الثاني في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام توتنهام (غيتي)
أوريغي يحرز الهدف الثاني في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام توتنهام (غيتي)
TT

كلوب: ماني وصلاح أسهما في تحويل ليفربول من مكتفٍ بالمراكز المتقدّمة إلى بطل لأوروبا

أوريغي يحرز الهدف الثاني في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام توتنهام (غيتي)
أوريغي يحرز الهدف الثاني في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام توتنهام (غيتي)

يقول المدير الفني لنادي ليفربول، يورغن كلوب: «أحب حقيقة أن لدينا عدداً كبيراً من اللاعبين الأفارقة... حتى انطلاق بطولة كأس الأمم الأفريقية. لكن عندما تبدأ هذه البطولة ويذهب هؤلاء اللاعبون للمشاركة فيها، يكون الأمر صعباً... يا إلهي!». وبعد اليوم الذي حقق فيه ليفربول الفوز على توتنهام هوتسبير في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا ونجاح كلوب في وضع حد لمسيرته الشخصية بالخسارة في ست مرات متتالية في النهائيات الكبرى، أدلى المدير الفني الألماني بهذه التصريحات بملعب التدريب في ميلوود.
وقال كلوب عن اللاعبين الأفارقة: «لا يزال الأمر أفضل مما كان عليه في السابق، لأنهم قبل ذلك كانوا يتركون أنديتهم في منتصف الموسم من أجل المشاركة في نهائيات كأس الأمم الأفريقية. في الماضي كانت بطولة كأس الأمم الأفريقية تقام في الشتاء، وكان ذلك أحد الأسباب التي تجعلنا لا نتعاقد مع لاعبين من أفريقيا، لأن ذلك كان يعني أننا سنخسر جهودهم لمدة أربعة أسابيع في منتصف الموسم في أثناء مشاركتهم مع منتخبات بلادهم. لقد كنا نفكر في هذا الأمر دائماً».
وتعاقد ليفربول مع ثلاثة لاعبين أفارقة، وهم ساديو ماني ومحمد صلاح ونابي كيتا، في ثلاث فترات انتقالات صيفية على التوالي بين عامي 2016 و2018، محطماً الرقم القياسي لأغلى لاعب أفريقي في كل مرة من هذه المرات الثلاث. لكن الشيء المؤكد هو أن ليفربول قد حقق مكاسب كبيرة بالتعاقد مع هؤلاء النجوم الثلاثة. وعلى الرغم من أن كيتا -لاعب خط الوسط الغيني الذي حصل على قميص أسطورة الفريق السابق ستيفن جيرارد رقم 8 عندما انتقل للريدز قادماً من لايبزيغ النمساوي في يونيو (حزيران) 2018 مقابل ما يقرب من 53 مليون جنيه إسترليني- عانى من الإصابات في أول موسم له مع الفريق، فإن الآلة التهديفية التي لا تتوقف لكل من النجم السنغالي ساديو ماني والمصري محمد صلاح قد ساعدت ليفربول على أن يتحول من مجرد فريق ينافس على المراكز المتقدمة في الدوري الإنجليزي الممتاز إلى بطل لأوروبا.
وكان ماني قد شارك مع منتخب بلاده السنغال في المباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية أمام الجزائر –وهي المباراة رقم 55 لماني في موسم مرهق لكنه استثنائي بالنسبة لأسد التيرانغا- قبل أسبوعين فقط من مباراة ليفربول أمام مانشستر سيتي في بطولة رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة. لكن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم قرر أن تقام بطولة كأس الأمم الأفريقية 2021 التي تستضيفها الكاميرون في يناير (كانون الثاني) كما كان الأمر في السابق، وهو ما سيكون بمثابة اختبار لصبر كلوب، على الرغم من أن الرجل الذي قضى معظم مسيرته الكروية في اللعب مع نادي ماينز في دوري الدرجة الثانية بألمانيا قبل أن يصبح أحد أفضل المديرين الفنيين في العالم يمكن أن يدّعي أنه قد لعب دوراً استثنائياً في مسيرة اللاعبين الأفارقة في كرة القدم الإنجليزية.
ويعترف كلوب بأنه أصبح مفتوناً باللاعبين الأفارقة منذ أن شاهد مهاجماً قوياً من غانا يقدم مستويات مذهلة مع نادي ساربروكن الألماني في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. ويشير كلوب بذلك إلى النجم الغاني أنتوني يبواه، الذي كان عنصراً أساسياً في فريق إينتراخت فرانكفورت الشاب الذي كان على وشك الفوز بلقب الدوري الألماني الممتاز عام 1992 قبل أن يحسم شتوتغارت اللقب في نهاية المطاف. لكن يبواه احتل صدارة هدافي البوندسليغا في الموسمين التاليين.
يقول كلوب، الذي يتذكر أيضاً بعض الإساءات العنصرية التي تعرض لها يبواه الذي كان من أوائل اللاعبين أصحاب البشرة السمراء الذين يلعبون في ألمانيا: «يبواه كان أحد أفضل المهاجمين الذين لعبوا في ألمانيا، بعد جيرد مولر. لقد كان له تأثير كبير على المجتمع الألماني. في كرة القدم لم نكن نفكر أبداً في العنصرية. وإذا ردد بعض الحمقى بعض الهتافات العنصرية، فإنك تدرك ذلك على الفور، لكنك تقول: هل أنتم مجانين؟ ماذا تفعلون؟ لم يكن هناك وسائل تواصل اجتماعي آنذاك، لذلك لم يكن هناك نفس الوعي الموجود في الوقت الحالي».
ويضيف: «لقد كانت هذه الهتافات العنصرية تصدر من شخص واحد في أغلب الأحيان، وإذا حدث ذلك فإنه كان يحصل على صفعة ويعود إلى منزله، وبالتالي لم يكن ليفعل ذلك مرة أخرى. لكن الآن بالطبع أصبح الأمر أكثر انتشاراً، فبات هناك الكثير من الأشخاص الذي يرددون هتافات عنصرية، وأصبحت القضية أكبر من خلال رد الفعل على تلك الإساءات. من العار أننا ما زلنا نتحدث عن أشياء مثل هذه حتى الآن، لكن هذا هو المجتمع».
وفي عام 2014 تم الكشف عن لوحة جدارية للنجم الغاني يبواه على جدران أحد المنازل في فرانكفورت بالقرب من ملعب إينتراخت فرانكفورت وعليها رسالة باللغة الألمانية تقول: «نحن نخجل من كل من يردد عبارة عنصرية ضدنا». وكانت هذه العبارة قد وردت في رسالة كتبها النجم الغاني الدولي قبل 24 عاماً، ووقّع عليها أيضاً زملاؤه من اللاعبين المحترفين أنتوني بافوي وسليمان ساني، والد مهاجم مانشستر سيتي الحالي ليروي ساني، للاحتجاج على العنصرية.
وفي وقت لاحق، سار يبواه على خطى ألبرت جوهانسون، اللاعب الجنوب أفريقي الذي كان أول لاعب من أصحاب البشرة السمراء يشارك في المباراة النهائية لكأس الاتحاد الإنجليزي قبل 30 عاماً، عندما انتقل لنادي ليدز يونايتد الإنجليزي عام 1995. ويعترف كلوب أيضاً بإعجابه الشديد بالنجم النيجيري جاي جاي أوكوشا، الذي ترك بصمة كبيرة أيضاً في كرة القدم الإنجليزية، مع نادي بولتون، بعد أن تألق في البداية في الدوري الألماني الممتاز.
وما زال كلوب يتذكر الهدف الذي سجله أوكوشا بمجهود فردي رائع عندما كان يلعب مع نادي إينتراخت فرانكفورت في مرمى نادي كارلسروه عندما كان يدافع عن عرينه أسطورة حراسة المرمى الألماني أوليفر كان في عام 1993 –وهو الهدف الذي قال عنه أوليفر كان نفسه في عام 2016 إنه ما زال يجعله يشعر بالدوران حتى الآن. يقول كلوب عن هذا الهدف: «لقد سجل أوكوشا الهدف الأكثر إثارة في تاريخ كرة القدم الألمانية. لقد ظل كان وزملاؤه من المدافعين يتساقطون على الأرض لمدة خمس دقائق قبل أن يضع أوكوشا الكرة في الشباك! وعلاوة على ذلك، أنجبت أفريقيا عدداً من أفضل اللاعبين في العالم، مثل جورج ويا وديدييه دروغبا ويايا توريه. لقد كان هؤلاء اللاعبين في جيلهم من أفضل اللاعبين في العالم، فلماذا لا نتعاقد إذاً مع لاعبين أفارقة؟ إنهم رائعون».
وكانت التشكيلة الأساسية لليفربول في المباراة التي هزم فيها توتنهام هوتسبير في نهائي دوري أبطال أوروبا في العاصمة الإسبانية مدريد تضم امتداداً لهؤلاء العمالقة بوجود نجمين بارزين هما ساديو ماني ومحمد صلاح. وعلى الرغم من أن كيتا لم يشارك في تلك المباراة بسبب الإصابة، فقد تألق في مباراة الذهاب للدور نصف النهائي أمام برشلونة قبل «الريمونتادا» الشهيرة في مباراة الإياب على ملعب «آنفيلد». كما أن مشاركة المدافع جويل ماتيب -المولود في ألمانيا لأب كاميروني– في التشكيلة الأساسية تعكس أيضاً ثقة كلوب في اللاعبين الأفارقة.
وعلاوة على ذلك، هناك المهاجم البلجيكي من أصول أفريقية ديفوك أوريغي الذي سجل الهدف الثاني في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام توتنهام هوتسبير لكي يكمل هذه القصة الخيالية بعد أن كان قريباً من مغادرة النادي في الصيف السابق. وقبل 30 عاماً تقريباً، وصل والد أوريغي، مايك أوكاث، إلى بلجيكا من كينيا بحثاً عن تحقيق حلمه باللعب في أوروبا. وبالمصادفة، قضت زوجة كلوب ثلاث سنوات في العمل كمدرسة في كينيا.
يقول كلوب: «لقد عملت زوجتي وعاشت في أفريقيا. لقد كانت تعمل في مدرسة ألمانية في كينيا. وقد عاش ابننا الأكبر هناك لبضع سنوات، لذلك فهو مهتمّ للغاية بأفريقيا. كانت زوجتي تعمل معلمة، لذا ساعدتني على فهم بعض الأمور الثقافية». وكان كلوب قد التقى زوجته (أولا ساندروك)، لأول مرة في أثناء عملها كنادلة في مهرجان أكتوبر (تشرين الأول) في عام 2005، بعد أن عادت إلى ماينز من كينيا. وكان كل منهما لديه أطفال من زيجات سابقة، وتزوجا في غضون أشهر قليلة. وقالت أولا لمجلة «دير شبيغل» الألمانية في عام 2008: «كنت أعمل بحرية مطلقة في مجال التعليم في نيروبي. وفي ماينز، عملت أولاً كمدرسة في مدرسة خاصة، لكنني سرعان ما لاحظت أنه لم يعد بإمكاني تكوين صداقات بالطرق القديمة، نظراً لأن هناك قواعد معينة يجب الالتزام بها في كل شيء، وهو الأمر الذي كاد يدفعني للجنون. إنني مثل زوجي بحاجة إلى العمل بحرية من أجل تحقيق ما نريد».
وبعد أن تركت التدريس للتفرغ لعملها ككاتبة لروايات الأطفال، كتبت أول كتاب لها في عام 2008، بعنوان «توم وسحر كرة القدم»، وهو الكتاب الذي يتحدث عن «سحر اللعبة، والشوق إلى عالم بطولي بعيد، وقبل كل شيء الشعور بالأمان الذي ينتاب الطفل عندما يهتم به الوالدان». أو كما يصفه كلوب الذي كتب مقدمة الكتاب بأنه «مثل هاري بوتر لكنه يتعلق بكرة القدم. لا يوجد هاري بوتر وهو يطير على عصاه، لكن كل شيء يدور حول كرة القدم».
وبعد ذلك بعام، تم نشر جزء ثان من الرواية بعنوان «توم وسحر كرة القدم في أفريقيا»، حيث يسافر بطل الرواية وأصدقاؤه إلى أفريقيا للمساعدة في إنقاذ قرية صديقه، موكاوي، على بحيرة مالاوي من الهدم على يد رجل صناعة غربي يريد بناء مجمع فندقي. وبالاعتماد بشكل كبير على تجارب زوجته في الحياة في كينيا، فإن كلوب يدرك الصعاب التي قد يواجهها العديد من اللاعبين الأفارقة في الوقت الحالي.
يقول المدير الفني الألماني: «كل اللاعبين الأفارقة يأتون من أسر عاملة بسيطة، وهو ما يجعل لديهم طموحات بلا حدود. الأمر يتعلق بالظروف التي واجهوها، فإذا نظرت إلى ساديو ماني ستجد أنه هرب من المنزل لتحقيق حلمه بممارسة كرة القدم. وكان محمد صلاح يقطع رحلة لمسافة أربع ساعات ونصف كل يوم للذهاب إلى التدريبات. توجد الكثير من هذه القصص هناك في أفريقيا، لكنها لا توجد هنا. لقد قرأت مقالاً عن تأثير محمد صلاح على العالم العربي في الوقت الحالي - إنه أمر لا يصدق!».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.