لورينزو سانز... الرجل الذي أعاد ريال مدريد لمنصات التتويج الأوروبية

رئيس النادي الملكي توفي متأثراً بفيروس «كورونا» ولم ينسَ أبداً نهائي دوري الأبطال في أمستردام عام 1998

لورينزو سانز له الفضل في إعادة ريال مدريد للبطولات الأوروبية بعد سنوات من الخفوت
لورينزو سانز له الفضل في إعادة ريال مدريد للبطولات الأوروبية بعد سنوات من الخفوت
TT

لورينزو سانز... الرجل الذي أعاد ريال مدريد لمنصات التتويج الأوروبية

لورينزو سانز له الفضل في إعادة ريال مدريد للبطولات الأوروبية بعد سنوات من الخفوت
لورينزو سانز له الفضل في إعادة ريال مدريد للبطولات الأوروبية بعد سنوات من الخفوت

بعد وقت قصير من المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 1998، التي فاز فيها ريال مدريد على يوفنتوس الإيطالي بهدف دون رد، أخذ رئيس ريال مدريد، لورينزو سانز، نسخة من صحيفة «آس» الإسبانية الرياضية، وعلقها في المرحاض الخاص به. وكانت الصفحة الأولى لهذه الصحيفة تحمل عنوان «ملك الملوك»، وتحته صورة لسانز وهو يحمل الكأس محمولاً على أعناق نجم الفريق كلارنس سيدورف، ونجله فرناندو. وقال سانز ذات مرة: «كيف يمكنني أن أنسى تلك الليلة؟ في كل صباح، عندما أستيقظ من نومي، وأذهب إلى المرحاض، أرى هذه الصورة».
وفي الحقيقة، لا يمكن لأي شخص آخر أن ينسى ما حدث أيضاً، حتى لو شعر سانز بأنه لم يحظَ بالتقدير المناسب على العمل العظيم الذي قام به، بعدما تمت إزالة اسمه عمداً من تاريخ وإنجازات النادي الملكي. وصباح الأحد الماضي، وبعد أن أصبح سانز أحدث ضحية لفيروس كورونا الذي أدى إلى وفاة أكثر من 1700 شخص في إسبانيا، عاد الجميع ليتحدث عن إنجازات هذا الرجل الذي رحل عن عالمنا وهو في السادسة والسبعين من عمره. وهذه المرة، وصفته صحيفة «آس» بأنه «رجل البطولة الأوروبية السابعة»، نظراً لأنه هو من قاد ريال مدريد للحصول على لقب دوري أبطال أوروبا للمرة السابعة في تاريخه. أما صحيفة «ماركا»، فجاء عنوانها الرئيسي يقول: «وداعاً للرجل الذي أعاد البطولات الأوروبية إلى ريال مدريد».
وفي الواقع، من الصعب للغاية أن نتحدث عن حجم الإنجاز الذي حققه سانز بقيادة ريال مدريد للحصول على بطولة دوري أبطال أوروبا للمرة السابعة في تاريخه، ويكفي أن نعرف أن ريال مدريد انتظر 32 عاماً للفوز بهذه البطولة التي شكلت هوية النادي في السابق، والتي كان النادي يسعى بكل قوة لاستعادتها، وبالتالي كانت هناك ضغوط هائلة على الفريق من أجل استعادة البطولة الأقوى في القارة العجوز. وكان ريال مدريد يقدم مستويات سيئة للغاية على المستوى المحلي، عندما استدعى سانز المدير الفني الألماني للفريق يوب هاينكس قبل وقت قصير من المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، وسأله عن أحوال الفريق، فرد قائلاً: «إنه يغرق».
ومع ذلك، استيقظ فرناندو، نجل سانز، في منتصف الليلة السابقة للمباراة، مقتنعاً بأن صديقه نجم الفريق بيديا مياتوفيتش سيسجل هدف الفوز على يوفنتوس، وكان بالفعل يخبر اللاعب بهذا الأمر خلال الأيام السابقة للمباراة. لكن مياتوفيتش أصيب، ولم يكن من المفترض أن يشارك في المباراة من الأساس، غير أن حالته البدنية تحسنت قبل اللقاء، وشارك وأحرز الهدف الذي يرى كثيرون أنه أهم هدف في تاريخ النادي الملكي عبر تاريخه الطويل.
وتشير بعض التقديرات إلى أن أعداد الجماهير التي نزلت إلى الشوارع للاحتفال بفوز ريال مدريد بهذه البطولة وصلت إلى مليون شخص. ويتذكر سانز ذلك الأمر قائلاً: «لم نرَ مثل هذه الأعداد الكبيرة من الناس من قبل. لقد جعلتنا هذه الاحتفالات ندرك حجم الإنجاز الذي حققناه؛ لقد كان إنجازاً كبيراً للغاية».
ووعد لورينزو سانز جمهور فريقه الملكي بالحصول على البطولة الثامنة لدوري أبطال أوروبا، وقد تحقق هذا الأمر أيضاً في عام 2000. ومع ذلك، رحل سانز عن ريال مدريد بعد شهرين فقط، إثر خسارته في انتخابات الرئاسة، وكأن الحصول على لقبين لدوري أبطال أوروبا ولقب للدوري المحلي خلال 5 سنوات لم يكن كافياً.
ولد سانز في مدينة شامبري، بالعاصمة الإسبانية مدريد، عام 1943، وكان والده ملاكماً على مستوى الهواة، وكان هو الشقيق الأكبر لـ10 أطفال، في عائلة نشأت في منطقة كارابانتشل للطبقة العاملة. وكان سانز، وعائلته بالكامل، مغرمين بالرياضة بشكل عام، وبنادي ريال مدريد بشكل خاص. كما كان سانز دائماً يعرب عن شعوره بالفخر لأنه حضر ثاني نهائي أوروبي لريال مدريد مع والده. وبدأ يذهب إلى ملعب «سانتياغو برنابيو» الذي يحتضن مباريات النادي الملكي وعمره 10 سنوات، مع جدته التي كانت تبيع الماء للجماهير، وكان عضواً بالنادي لمدة وصلت إلى 50 عاماً تقريباً. وبعد أن خسر انتخابات الرئاسة عام 2000، حاول العودة مرتين لكنه فشل.
ولعب سانز لفترة وجيزة في مركز حراسة المرمى بأحد الأندية المحلية، وارتبط جميع أبنائه بريال مدريد كرياضيين، وفاز لورينزو بدوري كرة السلة مع النادي الملكي. أما نجله الآخر، باكو، فانضم إلى صفوف الناشئين بالنادي، ولعب لفترة وجيزة لنادي أوفييدو. وغالباً ما كانت الاتهامات توجه لفرناندو لأنه نجل رئيس النادي -اعترف فابيو كابيلو بأنه «كان يتم تشجيعه» على ضمه للفريق الأول بالنادي- لكنه لعب 35 مباراة في الدوري الإسباني الممتاز، وقدم مسيرة كروية مثيرة للإعجاب مع نادي مالجا. كما أن نجم النادي السابق، ميشيل سالجادو، تزوج ابنة سانز، مالولا.
وكان سانز رجلاً عصامياً، قام بشراء نادي مالجا في وقت لاحق، وحاول شراء بارما الإيطالي، وتم إلقاء القبض عليه بزعم محاولته تهريب عمل فني خارج البلاد، لكنه نفى كل الاتهامات بالاحتيال، وتم تغريمه بتهمة التهرب الضريبي في عام 2018. وبدأ سانز عمله صبياً في صالون للحلاقة، ثم أسس شركة في مجال الطباعة، قبل أن يقتحم مجال العقارات والبناء، ثم انضم إلى مجلس إدارة ريال مدريد في عهد الرئيس رامون ميندوزا الذي تعرف عليه في أحد سباقات الخيول، لكن خسارة ريال مدريد أمام برشلونة أدت إلى رحيل ميندوزا في نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، مما أدى إلى وصول سانز إلى رئاسة النادي.
وفي الفترة التي تولى فيها سانز رئاسة ريال مدريد، كان هناك عدد من رؤساء الأندية البارزين، مثل رئيس نادي برشلونة خوان غاسبارت الذي دخل معه في مشادات قوية على الملأ، لكنهما كانا صديقين، وقد شعر غاسبارت بحزن شديد عندما علم بوفاة سانز.
وقال المدير الفني الإيطالي فابيو كابيلو عن سانز: «كانت لديه رؤية لتقليل الفجوة بين ريال مدريد وبرشلونة. لقد كان رئيساً جيداً للنادي، وهو يمتلك شخصية قوية. كانت لديه خبرة كبيرة في كرة القدم، وكان الفريق الذي بنيناه في تلك الفترة جيداً جداً».
ولم ينجح ريال مدريد في التأهل حتى للمشاركة في دوري أبطال أوروبا في موسم 1995-1996.
لذلك تعاقد سانز مع كابيلو لتولي القيادة الفنية للفريق، كما تعاقد مع كل من مياتوفيتش، ودافور وسوكير، وسيدورف، وروبرتو كارلوس، لكي ينضموا إلى مجموعة أخرى متميزة من اللاعبين، بقيادة راؤول، وفرناندو ريدوندو، وفرناندو هييرو. وبعد ذلك، انتصر في معركة شرسة مع برشلونة للظفر بخدمات كريستيان كاريمبو.
وفاز ريال مدريد بلقب الدوري الإسباني الممتاز في موسم 1996-1997. ورغم أن علاقة كابيلو بسانز لم تكن دائماً على ما يرام، وكان دائماً رئيس ميلان الإيطالي سيلفيو برلسكوني يسعى للتعاقد معه، فإنه نجح في قيادة النادي للفوز بدوري أبطال أوروبا في موسم 1997-1998. وفي عام 2000، نجح النادي الملكي في الحصول على الكأس ذات الأذنين مرة ثانية.
وإذا نظرنا إلى تشكيلة الفريق، سنجد أن 3 لاعبين فقط -راؤول وريدوندو وروبرتو كارلوس- هم من كانوا في تشكيلة الفريق في البطولتين. وبعد رحيل كابيلو، تعاقد سانز مع هاينكس، لكن المدير الفني الألماني أقيل من منصبه بعد أسبوع واحد فقط من فوزه بلقب دوري أبطال أوروبا. وكان ريال مدريد في ذلك الوقت يملك فريقاً قوياً للغاية، كان يوصف بـ«فريق الفيراري»، نظراً لقوته وسرعته.
ورغم النجاح الأوروبي، كان ريال مدريد يعاني على المستوى المحلي، حيث احتل المركز الرابع، ثم الثاني، ثم الخامس، في جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز في المواسم الثلاثة من 1998 حتى 2000، وبالتالي كانت هذه الأوقات غير مستقرة تماماً بالنسبة للنادي الملكي. وقد تعاقد سانز مع 8 مديرين فنيين خلال 5 سنوات فقط لتولي القيادة الفنية للفريق: خورخي فالدانو، وأرسينيو إغليسياس، وكابيلو، وهاينكس، وخوسيه أنطونيو، وجوس هيدينك، وجون توشاك، وفيسينتي ديل بوسكي. كما تعاقد مع عدد أكبر من اللاعبين، وحقق النجم الإنجليزي ستيف مكمانمان نجاحاً كبيراً، لكن بعض اللاعبين الآخرين لم يحققوا النجاح المتوقع. ووصف سانز التعاقد مع اللاعب الفرنسي نيكولا أنيلكا مقابل 5.500 متر بيزيتا بأنه «جنون جميل»، غير أن كثيرين كانوا يعتقدون أنه أخطأ في هذه الخطوة.
لكنه خسر انتخابات الرئاسة عام 2000 أمام بيريز الذي وعد بالتعاقد مع نجم برشلونة لويس فيغو، وإيجاد حلول للأزمات المالية للنادي. وكانت هناك معركة داخلية ألحقت ضرراً كبيراً بسانز، ورفعت ديون النادي إلى نحو 300 مليون يورو. وكان سانز يصر دائماً على أن الاتهامات الموجهة إليه غير صحيحة، وكان يجد صعوبة كبيرة في تقبل خسارته في الانتخابات، رغم قيادته النادي للحصول على لقبين لدوري أبطال أوروبا، وقال ذات مرة: «سيضعني التاريخ في مكاني الصحيح».
وكان هذا المكان بالطبع هو أمستردام في عام 1998، عندما أعاد النادي الملكي لمنصات التتويج الأوروبية، على حساب يوفنتوس الإيطالي، وهي الصورة التي ظل سانز يراها كل صباح لمدة 22 عاماً. وقد قال سانز عن تلك الليلة: «الآن، يمكنني أن أموت سعيداً».


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.