«الواقعية المفرطة» في قصص جليل القيسي

القصة بالنسبة إليه قضية يناصر بها الحق وإن كان وحده

جليل القيسي
جليل القيسي
TT

«الواقعية المفرطة» في قصص جليل القيسي

جليل القيسي
جليل القيسي

الواقعية المفرطة مفهومٌ من مفاهيم الدراسات الثقافية، ويعني التضافر اللامرئي ما بين الواقع والوهم اللذين بهما تبدو الحياة لا متناهية، وقد اكتنفتها التقلبات والمتضادات، فبدت مطوقة وغير مطوقة وهي تعج بما هو غير متوقع وأحياناً أو غالباً غير معقول، مأمول الظفر بحقيقتها تارة وميئوس من ذلك تارة أخرى. وفي كلا الحالين لا يكون هناك احتمال في النجاة من ترهاتها أو تحاشي الوقوع في حبائلها؛ بل هي الاستحالة أو شبهها.
وما جدلية الواقعي - الوهمي التي جذبت أكثر الفلاسفة لتأملها سوى تمرين من تمرينات التفكر الواعي في كنه الحياة. والبغية الوقوف على حقيقة المغزى المراد بلوغه منها ومعرفة ما في واقعيتها المفرطة من يقين يغرينا بالتمسك بها، وبسط أواصر البقاء على قيدها.
والواقعية المفرطة سمة من سمات الثقافة ما بعد الحداثية التي بدأت بوادرها واضحة في كتابات والتر بنيامين؛ بيد أن هناك من يذهب إلى عدها حقلاً معرفياً محدداً من حقول علم الدلالة وليست مفهوماً مرتهناً بالثقافة.
ولعل أدل الحجج على ذلك اكتراثها بإعادة تصنيع الواقع من أجل الحصول على فهم أكثر منطقية وجمالية، أياً كان شكل ذلك الفهم مرعباً يستقطب مخاوفنا أو كان جاذباً يعطينا شعوراً مزيفاً نقتنع به بلا مبالاة أو تحفظات.
وعندها لا يعود الواقع رديف الحياة اليومية المعيشة ولا يغدو التوظيف الجمالي منطوياً على وظيفة تضمينية للموجودات، كونه يتجاوز المعطى الدلالي إلى معطى ثقافي، فيه لا تتحدد القيمة التبادلية للعلامة في علاقة الأشياء بوجودها العياني وغير العياني وإنما في المتاحات التأويلية التي بها نعاين الوجود بمنظار أوسع وأعمق.
وإذا كان في التصور الدلالي للواقعية المفرطة اتباع واضح لنظرية المحاكاة الأفلاطونية وعدم الحياد عن مفاهيم الانعكاس والالتزام والنزوع الاجتماعي بالوعي الممكن والوعي القائم؛ فإن التصور الثقافي لهذه الواقعية سيظل ميزة نظرية ما بعد حداثية، بها يصبح الفكر رهين قضايا المجتمع في تحولاتها المتصلة بالعولمة والإنتاج المادي وغير المادي والاستهلاك والذكاء الصناعي والفاعلية الرقمية للصوت والصورة ووسائل المراقبة البارومترية والفضاء السيبراني وغير ذلك كثير.
وبالواقعية المفرطة لا تتحول صورة العالم من صورة واقعية إلى صورة مجازية لها أصل ومرجع من نموذج أو صورة نمطية سابقة؛ وإنما هو البقاء في الواقع من أجل واقع أشد واقعية من الواقع نفسه. وعندها سيبدو كل شيء مخادعاً بسيرورة إنتاج بديلة تؤدي إلى ما يسميه بودريار (اغتيال الواقع).
وما دامت هذه الواقعية ترفض الواقع؛ فإن سعيها يكمن في اعتماد القوانين الإنسانية وليس القوانين الطبيعية ضمن عالم جديد لا استلاب فيه ولا فوقية مجتمعية وبتاريخية مادية ولا مادية، فيها ـ كما يرى دوركايم في نظريته الأمبريقية حول تقسيم العمل في المجتمع ـ أن المستقبل مكتوب لتوه وأنّ له من يعرف كيف يقرأه.
وقد لا نعدو الصواب إذا قلنا إن في واقعية روجيه غارودي بوادر الواقعية المفرطة، كونه هو الذي أراد الواقعية عائمة بلا ضفاف، مستشرفاً بذلك المآل الذي ستصير عليه الواقعية لاحقاً حتى أنها قد تصبح عدوة نفسها، صانعة غيرها بإفراط.
ولا شك أن لغارودي إيماناً واضحاً بالفن بوصفه أسلوب حياة للإنسان، وهو عبارة عن عمليتي انعكاس وخلق لا ينفصمان، لكنه لم ينكر أن الإنسان وهو منعزل في عالمه الصغير قد يحوي في انعزاله ثقافة الجنس البشري السابقة عليه بينما يوجد عصره حاضراً في كيانه.
ومثّل على ذلك ببيكاسو الذي وجده يحمل العالم في جنباته وأعماله تحول العالم المفروض علينا إلى عالم يقيمه هو بنفسه. (واقعية بلا ضفاف، ص19)
وهذا التصور يصب بالضبط في باب اللانمطية التي هي أهم سمة من سمات الواقعية المفرطة، انطلاقاً من سعي صميمي إلى اقتلاع الشيء من أصله واستبداله بما هو زائف وآلي، تجاوزاً للمفاهيم المعتادة كالصورة والتصوير والرمزية والسحرية والغرائبية التي هي نتاج جمالي من نتاجات المرحلتين الكلاسيكية والحداثية.
وتتجلى الواقعية المفرطة في ميدان الشعر كما تتجلى في ميدان السرد الذي فيه متاحات جمالية تتمثل خير تمثيل عند القاص الراحل جليل القيسي الذي انبرى في ستينيات القرن العشرين إلى توظيفها في قصصه القصيرة، مؤكداً إمكانات هذا الجنس السردي في التأقلم على وفق متغيرات العصر والتماشي مع ضرورات الحياة ومقتضياتها.
ولا يعني هذا أن القاص كان متقصداً تطبيق الواقعية المفرطة في أعماله، وليس شرطاً أن يعي المبدع ما ستؤول إليه تسمية اجتراحاته فيما بعد؛ وإنما هو هاجس إبداعي قد يكون عفوياً، امتلكه بعمق فمكَّنه من أن يكون ذا خط واقعي نوعي خاص، به عبَّر عن موقفه من جدلية التضاد الواقعي في العالم كنوع من الرفض له والسعي إلى تغييره أو تخطيه.
ولقد تحرى جليل القيسي حقيقة هذا العالم فوجد أن هناك ازدواجاً جدلياً ما بين الوعي بهذا العالم وواقعية هذا الوعي أيضاً. ففي مفتتح قصة (ديوس أكس ماشينا) يقول السارد (في الحلم وفي أعماق الصحو تعلمت أن الإنسان لا يستطيع أن ينتبه بما فيه الكفاية)، فراح يبحث عن مغزى الذات، طامعاً في التصالح مع الوجود بأزمنته كلها، موظفاً إياها داخل القصة الواحدة متقلباً ما بين ضمائر السرد وجامعاً المخاطب والغائب والمتكلم والمتكلمين معاً.
وهو في تمثيله لهذا الازدواج ليس كاتباً يائسا ينغمس في التهويمات من دون أي جذر يربطه بالحياة؛ بل هو كاتب كافكوي النهج يصبو للاندماج بكل كيانه قاصداً المعرفة ومتطلعاً إلى السعادة التي كان كافكا قد وجدها كامنة في الإحساس بأننا عندما نعيش بوعي وندرك بوضوح ارتباطاتنا بالآخرين وواجباتنا إزاءهم يصبح الوطن القديم هو دائماً الوطن المتجدد (نقلا عن يانوش (قال لي كافكا)، ينظر: واقعية بلا ضفاف، ص149). وأغلب خواتيم قصص جليل القيسي القصيرة تجسّد هذا النهج، ففي خاتمة قصته (صهيل المارة حول العالم) يدخل السارد في معركة مع غريمه (فكرت بجدية أن أقبل هذا الحيوان إذا ما قتلته لأنه أشعرني بحقيقة وجودي بنمو قواي بسعادتي ورغم الشلل الذي راح يدب في جسدي كنت أشعر بلذة للاشتباك معه في المعركة من جديد)
وفي قصة (ثلاثة تلال من الجراد) نلمس أملاً بالحاضر واكتراثاً بالآتي (هنا يكمن انتصارنا، قد لا نستطيع التغلب، وفعلاً لن نستطيع، لكننا - وهذا الأهم - انتصرنا على أنفسنا نحن الذين اخترنا، فلا بأس إذن بالنتيجة).
وواقعية جليل القيسي ليست نمطية، ففي الوقت الذي يكون فيه منطوياً وهو يصف الأشياء على وفق علاقات منغلقة وضيقة، مادية ولا مادية، فإن الوجود يغدو متناهياً وغير متناه.
وهذا الإحساس الواقعي المفرط يجعل الإنسان كائناً غريباً في عالم مهجور يشبه إلى حد ما عالم كافكا الغريب والنزّاع إلى الازدواج، عالم مقزز بالظلمات والشروخ، والإنسان واقع في هوة سحيقة تطحنه، حتى لا مجال أمامه سوى الانتحار. ويرجع غارودي هذا التصور الكافكوي للإنسان إلى مسألتين، الأولى هي العندية التي ترفض القياس والأخرى الكينونة التي لا مقاييس لها والمكونة من مسالك خيالية تفتقر إلى نظام أو قانون تنصهر فيه المعاني الحقيقية والأسطورية.
ومن انعكاسات هذا التصور أن الواقع سيغدو عصياً على الفهم غريباً أو ضيقاً أو مهجوراً فيتبرم منه بإفراط، مسرفاً في استعمال الأوصاف التي تشي بالانعزال والصمت. وإذا ما تجسد الواقع أمام الكينونة في صورة ملحمية، فذلك لأنها تسقط عليه كل أوجاعها وشكوكها إسقاطاً أسطورياً.
وبسبب واقعية جليل القيسي المفرطة تغدو القصة بالنسبة إليه قضية يناصر بها الحق وإن كان لوحده، رافضاً الانتماء والتقوقع المجاني مع الآخرين غير متوانٍ عن توبيخ نفسه وإعلان الحرب عليها (هل كنت أكذب على نفسي؟ لم بقيت أكذب على نفسي ببراءة طفل؟ لماذا لم يكلفني الكذب سوى توبيخ ساخن ولوقت قصير؟ كلا... قررت أن أنتحر بوتر ربابة أحد المغنين أو بثدي كبير لإحدى الغجريات بأن أضعه على أنفي الأفطس حتى أختنق، لن أرجع بعد الآن إلى الشوارع والوجوه الكئيبة).
وهذا الربط للواقعية بالوجود يجعل الإنسان ضمير الواقع. أما الفن فليس هو الواقع وإن كان منطلقاً منه. ومع ابتعاد الفن عن الواقع يغدو أكثر واقعية وأكثر خلقاً وإيقاعاً. وبالخلق والإيقاع يمتلك الإنسان وعيه الخاص، فتغدو الواقعية بالنسبة إليه فلسفة ممتدة ولا حتمية، بل هي ملحمية برومثيوسية تخلق الأساطير (كم آلمني أن توجد ثمة أشياء كثيرة أقوى مني وكنت قبل هذا المصير السينمائي أصر بدافع من كبريائي أن هذا الكون خال من القوة... ماذا يعني هذا الاستمرار في التفكير وهو لا يفضي إلى نتيجة ما)
والتسربل في اللغز والحيرة والغيبوبة والهذيان واللامعقول سمات الواقعية المفرطة التي تجعل الفرد مختلياً بنفسه صامتاً ونائياً عن المجتمع الذي ما عاد لديه قدر كبير من المهارة تمكنه من أن يدرك الأحداث ويعيد إنتاجها.
ودائماً ما يصادفنا في مجموعات جليل القيسي القصصية الثلاث: مملكة الانعكاسات الضوئية وصهيل المارة حول العالم وزليخة البعد يقترب، وجود عدو مجهول ولغز محير. وبشكل يؤكد أن واقعية هذا القاص واقعية انحرفت عن الطريق المعتاد واختارت طريقاً لا معتاداً، أساسه واقعية مفرطة في رؤية الواقع ومعاينته ورؤيا العالم والتفكر فيه.



مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.