غواية الفن في مواجهة السلطة

خرافة الصورة التي رسمها الغرب المستعمر للشرق واتخذها قناعاً لاحتلاله

غواية الفن في مواجهة السلطة
TT

غواية الفن في مواجهة السلطة

غواية الفن في مواجهة السلطة

تضع الباحثة شذى يحيى الرقص الشرقي بين مطرقة الإمبريالية وسندان الفن في كتابها المهم «الإمبريالية والهِشك بِشك... تاريخ الرقص الشرقي»، الصادر حديثاً عن دار «ابن رشد» بالقاهرة. وما بين المطرقة والسندان تنداح غواية الصورة التي رسمها الغرب المستعمر للشرق، واتخذها قناعاً لاحتلاله لسنوات وعقود طويلة، وهي الصورة نفسها التي انطبعت في دراسات وأدبيات المستشرقين، وروج لها الرحالة الغربيون في كتاباتهم ومذكراتهم، والتي لم تبرح النظرة الاستعمارية.
لكن هل يصلح الرقص إطاراً معرفياً لفهم العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب؟ وهل يشكل مدخلاً للنكش في المهمش والمسكوت عنه في تاريخ هذه الصورة التي طغى عليها السياسي، بصراعاته وتشابكاته المعقدة تاريخياً وجغرافياً، في تلك الحقب الماضية، حتى توارت في الخلفية كمفردة عادية من مفردات التراث الشعبي، وطقوس وأعراف البيئة والحياة الاجتماعية في مجتمعات تهيمن فيها الذكورة على مقدرات الحياة، في مقابل تهميش صورة المرأة، ناهيك من صورة المرأة الراقصة المضطربة المشوشة في الذاكرة والوجدان العام، التي يتهافت عليها الجمهور، لكن حين ينفض المسرح يصفها بأنها مخلوق دوني؟
هذه الصورة والأسئلة الملتبسة في ظلالها تثبتها الكاتبة في مقدمتها للكتاب، ثم تقلب أوجهها على مدار 250 صفحة، وعبر ثمانية فصول، في محاول لاستجلاء وكسر نمطيتها التي ساهمت نظرة الغرب في بلورتها، ووضعها داخل إطار محدد، كعنوان على تناقض وجمود العقلية التي تحكم الشرق: «لم يفكر أحد يوماً أن هذه المهنة كانت -ولفترة طويلة- بمثابة الجسر الثقافي للتبادل المعرفي بين الشرق والغرب، وأن الراقصات كنّ -يوماً ما- هن التمثيل الوحيد للمرأة الشرقية في الذهن الغربي، لأنهن النساء الوحيدات اللائي كان مسموحاً للغربي برؤيتهن في بدايات القرن التاسع عشر، وأن الأثر الذي أحدثه هذا التمثيل ما زال مؤثراً باقياً في الثقافة والوجدان الشعبي حتى يومنا هذا».
والرقص أحد الطقوس الأساسية التي رافقت الإنسان منذ مولده، وجسدته معظم الحضارات الإنسانية على نقوش المعابد، بل ارتبطت رمزيته في الحضارة المصرية القديمة بالخصوبة. كما كان الرقص -ولا يزال- أحد عناصر الفرح والبهجة، خاصة في المناسبات والأعياد الدينية والاجتماعية. ويعد في نظر كثير من الباحثين معجزة الجسد البشري. توضح الباحثة ذلك وترصده، لكنها تذهب أيضاً إلى ما هو أبعد وراء هذه الصورة، فتتناثر على سطح الكتاب شذرات من كتابات لباحثين أجانب وعرب وأدباء وعلماء فلكلور وأنثروبولوجيا ونفس وآثار تناولت الموضوع نفسه، حول طبيعة الرقص الشرقي وبدايته ونشأته.
ترى الباحثة أن التعريف الأشمل من بين هذه الشذرات صكّه الباحثان الأميركيان أنتوني شاي وباربرا سيلر يونج، وهو أن الرقص الشرقي «عبارة عن منظومة من الرقصات يعود منشأها في الأساس لشمال أفريقيا والشرق الأوسط، ولها جذور وأصول في وسط آسيا، وتم تهجينها وتطويرها في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم، وأصبحت جزءاً من الأداءات الراقصة الخاصة والعامة في القرى والمدن، والحواضر والمجتمعات المدنية، والملاهي والمسارح، والإنترنت على مستوى العالم».
ورغم ذلك لم يسلم تاريخ الرقص الشرقي من النفاق والسياسي، وهو إحدى العقد والفواصل التي صنعتها السياسات الاستعمارية والتحولات المجتمعية الهجين المضطربة التي فرضت هذه النمط كحل للتعايش والتكيف مع سلطات جائرة قمعية. وهو ما توضحه الباحثة في الفصل الثاني من الكتاب «من الغوازي والعوالم إلى الرقص الشرقي»، مشيرة إلى أنه في خضم الحرب العالمية الثانية عام 1941، أطلقت الراقصة المصرية شوشو البارودي على الرقص التي تؤديه «الرقص من أجل الحلفاء ونجاح الديمقراطية»، وهو شعار سياسي اتخذته قناعاً ترضي من خلاله عساكر الجيش البريطاني في أثناء إجازاتهم للترفيه، بعيداً عن جبهات القتال. والمعروف أن مصر الخاضعة للاحتلال البريطاني آنذاك قد انضمت إلى الحلفاء في تلك الحرب.
ويطفو على السطح مصطلح «ما بعد الكولونيالية»، مشكلاً بتعريفاته الملتبسة في الثقافة العربية وفي حقول المعرفة نقطة وصل محورية في القطيعة المعرفية لما قبل الاستعمار وما بعده، يوازيها معرفياً الانتقال من طور الحداثة إلى ما بعدها، ومن ثم انتقال الرقص كأداة للهو والترفيه من فضاء الشوارع والحارات والحيز الضيق، حيث عالم الغوازي والعوالم، إلى فضاء المسرح والفن، ليتحول الجسد إلى سلطة ومركز ثقل وتوازن بين الواقع والخيال، بين الحرية وطرائق تشكلها، ولو بدبيب الأقدام والأذرع، ومعانقة الفراغ.
ترصد شذى يحيى ملامح وأبعاد هذا الانتقال، بكل تداعياته ومحمولاته السياسية والفكرية والثقافية، ومدى انعكاسه على ذاكرة الغرب، وحزمة الصور الاستشراقية النمطية المعتادة، ومساراتها التي تنوعت أيضاً بتنوع الأقنعة ومسارات الأمكنة والأزمنة، بحثاً عن أسلس الطرق لجلب المصالح والمنافع للغرب، خاصة في الدول التي غادرها بصفته مستعمراً، لكنها لم تنفك عن الدوران في فلكه.
ويحضر إدوارد سعيد، وكتابه المؤسس «الاستشراق»، وأيضاً تحضر ظلال لكتابه «الثقافة والإمبريالية»، لفهم العلاقة بين الغرب والشرق، في إطار جدل المعرفة والسلطة، وكيف تحول الاستشراق إلى دوائر نفوذ لخدمة السياسات الاستعمارية، وتصوير الدول الخاضعة لسطوتها على أنها مجرد كائنات كاريكاتورية متخلفة همجية مثيرة للرعب والعنف.
كما ترصد ما كتبه إدوارد سعيد نفسه عن الراقصة تحية كاريوكا، حيث عدها أيقونة ثقافية ورمزاً من رموز اليسار المصري، وهي كتابات التي لا تخلو من المبالغة، بينما يبرز الرقص كساحة متعة مراوغة لفهم الفجوة بين الغرب والشرق... «الرقص الشرقي هو الحالة التي ربما تكون الوحيدة التي حاكي فيها الشرق الرؤية التي اخترعها المستشرق. فالرقص الشرقي هو واحد من أهم نجاحات الاستشراق التي يسميها إدوارد سعيد إنقاذ حادثة من النسيان، وهو ما يعادل في ذهن المستشرق تحول الشرق إلى مسرح للصور التي يرى الغرب أنها تمثيل حقيقي للشرق». وهي الحالة نفسها -بحسب الكتاب- التي كتبها جيفروا سانت هيلير في كتاب «وصف مصر»، لافتاً إلى التناقض الصارخ مع عادات الأمم الأوروبية «حيث تؤكد المتع والملذات الغربية للشرقيين مدى اتزان وعقلانية العادات الغربية».
وكما حصرت شذى يحيى جذور هذه النظرة في عنصرين تراثيين محددين، هما: كتاب الليالي (ألف ليلة وليلة) الذي تمت ترجمته إلى أوروبا في فترة مبكرة، و«الكتاب المقدس» الذي استقى منه الكاتب الفرنسي أوسكار وايلد رائعته المسرحية الأشهر «سالومي»، فإنها أيضاً تحدد أربعة عناصر ترى أنها ساهمت في تسويق صورة الرقص الشرقي في المعارض الغربية على أنه شيء غامض غريب ساحر غير معروف لأوروبا، ومن بين هذه العناصر «أن جسد المرأة الشرقية القادمة من المستعمرات يحمل إشارات أكثر إيروتيكية وجنسية للمشاهد الأوروبي والأميركي، فجسدها هو الأصلح للتعري، بل هو الأحق بأن يُعرى، كونها تنتمي لنساء الشرق الشهوانيات الفاسقات اللائي يُحجبن بالملابس والأسوار لضمان السيطرة على شهواتهن، وأنه طبقاً لموازين القوة، يحق للرجل الأبيض استثارة خياله، وجعل جسد المستعمر المقهور (على الأخص المرأة) محطاً لتصوراته الإباحية، كشكل من أشكال هيمنته».
ومن هنا، حولت هذه النظرة جسد الراقصة الشرقية إلى ما يشبه المستعمرة، وإلى أرض مستباحة لا يحق لأحد أن ينازع الرجل الأبيض المستعمر في الاستيلاء عليها، بل تحويلها إلى ملكية خاصة.
ولم يسلم عدد من الراقصات الشرقيات -كما يوضح الكتاب- من هذه النظرة، حتى بعد أن غادرن بلادهن، واستوطن مدناً أوروبية وأميركية، حيث ظلت هذه النظرة الدونية المتغطرسة تحاصرهن، وتطفئ ما حققنه من توهج وشهرة، مثل الراقصة المصرية فريدة مظهر التي هاجرت إلى أميركا، وعاشت في مدينة شيكاغو، وتزوجت من يوناني صاحب مطعم، حيث استغلتها شركة للدعاية ضمن أخريات للترويج الرخيص تحت اسم «مصر الصغيرة».
ويحمل الكتاب مخزوناً ثقافياً ومعرفياً خصباً لافتاً، توسعه الباحثة بشكل حيوي من فصل إلى آخر، لنرى صورة الراقصة الشرقية من الداخل والخارج معاً، تارة بعيون السينما والفن التشكيلي الاستشراقي، الذي بلغ أوجه في الرسومات المصاحبة لكتاب «وصف مصر» الذي أعده العلماء الفرنسيون المصاحبون لحملة نابليون بونابرت، ولاحقاً في الصور الفوتوغرافية، وفي علاقة الرقص بالمسرح، وتطور زي الراقصة الشرقية من نسج اليد حتى وصل إلى عصر «الآرت نوفو»، وكيف حافظت على مظهرها في الإغراء وإثارة الشهوة، وأيضاً علاقة الرقص بالأدب، عبر نموذجه الأشهر متمثلاً في مسرحية «سالومي» لأوسكار وايلد، التي استمدها من عدة أسطر في إنجيل القديس بطرس، وصارت علامة على الراقصة الشرقية النزقة، والهوس بسحر الشرق وغرائبيته.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.