الصحة الذهنية تستحق إرجاء مباريات كأس إنجلترا 60 ثانية

اتحاد الكرة الإنجليزي طلب من المشجعين واللاعبين تنحية كل شيء جانباً ومنح أنفسهم دقيقة للتفكير في صحتهم

لاعبو برايتون وشيفيلد ونزداي يحملون لافتة تشجع على التفكير في الصحة الذهنية (رويترز)
لاعبو برايتون وشيفيلد ونزداي يحملون لافتة تشجع على التفكير في الصحة الذهنية (رويترز)
TT

الصحة الذهنية تستحق إرجاء مباريات كأس إنجلترا 60 ثانية

لاعبو برايتون وشيفيلد ونزداي يحملون لافتة تشجع على التفكير في الصحة الذهنية (رويترز)
لاعبو برايتون وشيفيلد ونزداي يحملون لافتة تشجع على التفكير في الصحة الذهنية (رويترز)

اعتاد الممثل الكوميدي الشهير جيم كاري قص نكتة حول أن إحدى السيدات اللائي يعملن لجمع تبرعات لصالح جمعيات خيرية ويقفن في الشوارع حاملين لافتات، أوقفته ذات يوم أثناء سيره وطلبت منه أن يمهلها دقيقة من وقته من أجل خدمة الأبحاث المعنية بمكافحة مرض السرطان. وأجابها كاري: «حسناً، لكن لا أعتقد أن هذا سيحدث إنجازاً يذكر».
خلال عطلة نهاية الأسبوع، وبالتعاون مع حملة «إيفري مايند ماترز» التابعة لمؤسسة «ببليك هيلث إنغلاند» وحملة «هيدز أب»، طلب اتحاد الكرة الإنجليزي من الجميع مشجعين ولاعبين وعاملين في الغرف الخلفية داخل استادات كرة القدم أن ينحوا كل شيء جانباً ويمنحوا دقيقة للتفكير في ومناقشة كيفية الاهتمام بصحتهم الذهنية. ومع أن مسألة تقييم حجم الفائدة المترتبة على هذه الحملة تبدو في حكم المستحيل، يبقى من المؤكد أنها مجهود قيم ومفيد وجدير بالدعم.
والمؤكد أن أصحاب الفكر التقليدي الذين لطالما تحسروا على ندرة مباريات الدور الثالث التي تنطلق في الثالثة عصر السبت خلال السنوات الأخيرة، شعروا بحيرة ودهشة كبيرة لدى اكتشافهم أن هذا العام يخلو من أي مباريات في هذا التوقيت. سعياً لتعزيز الوعي بالصحة الذهنية، انطلقت جميع مباريات بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي متأخرة 60 ثانية عن موعدها التلفزيوني المعتاد، الأمر الذي أثار بعض الحيرة والارتباك. وبالفعل، دفع اتحاد كرة القدم الكثيرين للحديث عن إجراءاته الأخيرة. وباعتبار الاتحاد الكيان التنظيمي المسؤول عن كرة القدم، فإنه كثيراً ما يتعرض للانتقادات التي غالباً ما تحمل وراءها أسبابا منطقية. ومع هذا، يستحق الاتحاد في هذا الأمر تحديداً جزيل الثناء لوقوفه بحماس خلف فكرة قيمة للغاية.
هناك بطبيعة الحال من يرون أنه بالتأكيد من الممكن تكريس بعض الوقت لمثل هذه التأملات، فإن الثواني السابقة مباشرة لمباريات كرة القدم المهمة ليست الوقت الأمثل للتوقف والتأمل وإمعان النظر في المشاعر. ومع هذا، يمكن الرد على هؤلاء بالإشارة إلى أن فوائد هذا التوقف والتأمل بدت واضحة على الفور داخل الحدود الضيقة لاستاد سبوتلاند، عندما انضمت جماهير روتشديل إلى جماهير نيوكاسل يونايتد لفترة وجيزة في الشدو بأغنية لطيفة مبهجة.
ومع شعور المزيد من لاعبي كرة القدم بالقدرة على الاعتراف بعجزهم عن التكيف مع الظروف المحيطة، من الطبيعي أن من يدفعون أموالاً لمشاهدتهم ربما يتمكنوا من الاحتذاء بحذوهم.
الملاحظ أن الوصمة المرتبطة بمشكلات الصحة الذهنية انحسرت بصورة هائلة خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن الزيادة الكبيرة التي تكشفها الإحصاءات في حالات الانتحار داخل المملكة المتحدة تعني أنه من المهم للغاية المضي قدماً في مناقشة هذا الأمر. جدير بالذكر أنه في عام 2018، أقدم 6507 أشخاص على قتل أنفسهم في بريطانيا، بزيادة قدرها 686 عن العام السابق. ويبدو مثيراً للقلق أن يكون لدينا كل هذا العدد من الأشخاص الذين لم يجدوا مخرجاً من حالة اليأس التي تملكتهم سوى قتل أنفسهم، والمؤكد أن الكثيرين منهم عملوا بجد لإخفاء عذابهم النفسي عن أحبتهم الذين ربما كان بإمكانهم معاونتهم لو أنهم علموا بحقيقة ما يدور.
ومثلما الحال بشتى مجالات الحياة، هناك عدد لا يستهان به من لاعبي كرة القدم عانوا من مشكلات تتعلق بالصحة الذهنية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك وأشدها إيلاماً غاري سبيد. تمتع سبيد الذي عمل مدرباً لنادي ويلز دوماً بحب من عرفوه عن قرب، كما حظي بإعجاب واسع النطاق من جانب من لم يحظوا بفرصة معرفته. وعندما ظهر ضيفاً في حلقة من برنامج «فوتبول فوكس» أحد أيام السبت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، نجح في أن يثير لدى الجميع انطباعاً بأنه لا يحمل هماً في هذه الحياة. وقبل أن يقود سيارته عائداً لمنزله، جلس يشاهد مباراة داخل المقر الرئيسي لمحطة «بي بي سي» برفقة صديقه المقرب آلان شيرر، وشرع الصديقان في وضع خطط لقضاء عطلة نهاية الأسبوع التالي. وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، عثر على سبيد ميتاً، وأثارت أنباء وفاته المأساوية صدمة هائلة عبر مختلف أرجاء الصعيد الكروي العالمي، خاصة أن أحداً لم يلاحظ مطلقاً أدنى مؤشر على إمكانية إقدام سبيد على هذا الأمر.
من جهته، وفي خضم محاولات مريرة للوصول لتفسير للحادث خلال الأيام التالية، تحدث شيرر المكلوم بحزن وإسهاب حول سبيد، وبدا مصدوماً للغاية بإدراكه أنه رغم معرفته الوثيقة بسبيد وعلاقتهما القوية، اتضح له نهاية الأمر أنه لم يعرفه حقاً على الإطلاق.
وقال خلال مقابلة غلبت عليه خلالها العاطفة: «هذا أمر ليس من السهل حدوثه لواحد من أقرب أصدقائك»، قبل أن يتساءل بصوت عالٍ لماذا لم يتحدث إليه سبيد ويطلب العون منه. وتبقى مشاعر الحسرة المؤلمة تلك القاسم المشترك بين الكثيرين غيره ممن صدموا بخسارة مشابهة.
في ظل مجتمع يبدي فيه المزيد والمزيد من الأفراد ممن يعانون مشكلات مرتبطة بالصحة الذهنية استعدادهم للسعي وراء طلب المساعدة، فإن عدداً قياسياً من لاعبي كرة القدم يسعون اليوم لطلب الدعم، تبعاً لما كشفته رابطة اللاعبين المحترفين. منتصف العام الماضي، قال مدير شؤون رفاهية اللاعبين لدى الرابطة، مايكل بينيت، إن الرابطة في طريقها نحو تقديم العون خلال عام 2019 إلى «ضعف أو ثلاثة أضعاف» أعداد اللاعبين الذين سبق وأن ساعدتهم خلال الشهور الـ12 السابقة.
ومع شعور أعداد متزايدة من اللاعبين بارتياح كافٍ للاعتراف بأنهم عاجزون عن التأقلم مع الحياة من حولهم، يبدو من الطبيعي تماماً أن الأشخاص الذين يدفعون من مالهم الخاص كي يشاهدوهم داخل الملاعب سيحتذون بحذوهم. ومن المأمول أن تسهم مبادرة «تمهل دقيقة» في تعزيز هذا التحرك نحو الاتجاه الصحيح.
من ناحيته، كتب لاعب خط وسط آرسنال والمنتخب الإنجليزي السابق الذي تحول للعمل في التعليق الرياضي، بول ميرسون في إحدى الصحف بالتزامن مع انطلاق مبادرة تعزيز الوعي بالصحة الذهنية خلال عطلة نهاية الأسبوع: «في مثل هذا الوقت من العام الماضي، راودتني الرغبة في الانتحار. وأنا اليوم أعترف بذلك على أن يساعد قولي هذا شخصاً ما. ولو أن شخصاً واحداً فقط قرأ ما كتبته ووجد فيه عوناً له، إذن سأشعر أن هذا المقال كان مفيداً حقاً». ودعونا جميعاً نتذكر دوماً أنه لا بأس في أن تكون معتل الحال بعض الأحيان.


مقالات ذات صلة

صحتك  الحنطة السوداء تحتوي على مجموعة من العناصر المفيدة لصحة القلب (بيكسلز)

6 فوائد صحية لتناول الحنطة السوداء بانتظام

في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بالأغذية النباتية الغنية بالعناصر الغذائية، لما لها من دور في دعم الصحة العامة والوقاية من عديد من المشكلات الصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مخلل الملفوف التقليدي يُعد من الأطعمة المخمرة التي تحتوي على أنواع متعددة من بكتيريا حمض اللاكتيك (بيكسلز)

5 أطعمة بسيطة بفوائد كبيرة: كيف تعزِّز صحة أمعائك يومياً؟

ازداد الاهتمام مؤخراً بما يُعرف بـ«الأطعمة الوظيفية»، وهي أطعمة لا تقتصر فوائدها على تزويد الجسم بالعناصر الغذائية الأساسية؛ بل تمتد لتشمل دعم وظائف حيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك استخدام مكمل الجلوكوزامين الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي (رويترز)

دراسة: مكمل غذائي لعلاج آلام المفاصل مرتبط بتفاقم الخرف

خلص تحليل واسع النطاق إلى أن الاستخدام المنتظم للجلوكوزامين، الذي يُستخدم لعلاج آلام المفاصل، مرتبط بارتفاع احتمالية تطور الضعف الإدراكي الخفيف إلى الخرف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الكاكاو يحتوي- خاصة في صورته الخام أو الأقل معالجة- على مركبات الفلافانول التي تُسهم في تحسين وظيفة الإنسولين (بيكلسز)

5 مشروبات غير متوقعة تساعدك على ضبط سكر الدم

لا يقتصر الحفاظ على توازن مستوى السكر في الدم على اختيار الأطعمة المناسبة فحسب، بل يمتد ليشمل ما نشربه يومياً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.