الوجه السابق لنظام دمشق مستعد لأن يكون «صوت المعتدلين» في سوريا

جهاد مقدسي: تغلب الدبلوماسي على المحامي في داخلي

جهاد مقدسي
جهاد مقدسي
TT

الوجه السابق لنظام دمشق مستعد لأن يكون «صوت المعتدلين» في سوريا

جهاد مقدسي
جهاد مقدسي

على مدى سنوات، كان جهاد مقدسي هو وجه الحكومة السورية اللبق الذي يتحدث إلى الخارج، معبّرا عن آراء وأفكار تلك الحكومة بلغة إنجليزية سليمة كمتحدث رسمي لوزارة الخارجية. غير أنه، ومنذ عام مضى، قدم مقدسي استقالته وهرب من سوريا، متخليا بذلك عن دعمه للرئيس بشار الأسد، من دون أن يوجه ذلك الدعم للمعارضة، ليظل منتظرا، كما يقول هو، حتى تأتي اللحظة المناسبة التي يكون فيها دعمه للمعارضة مفيدا.
والآن ومع اقتراب انطلاق محادثات السلام، التي طال انتظارها، في سويسرا الأربعاء المقبل، ظهر مقدسي بوجه المنشق المعارض الذي يسعى ليكون الصوت المعبر عن كثير من السوريين الذين يقفون على الهامش، متشككين في الانتفاضة المسلحة، لكنهم في الوقت ذاته ما زالوا ينتظرون حدوث تغيير عميق في بلادهم.
يقول مقدسي إن شعوره بأنه «لم يعد باستطاعته إحداث أي تغيير» هو الذي دفعه لترك منصبه منذ ما يقرب من عامين، لينضم إلى الثورة التي تطورت، بسبب ممارسات الحكومة الوحشية ضد المعارضين، من انتفاضة سلمية ضد الأسد إلى حركة تمرد مسلحة، تستقطب المزيد من الجهاديين الأجانب.
وعلى مدار ساعات جرى خلالها عقد عدة لقاءات معه في مقاهي دبي، قال مقدسي إنه يتحدث باسم قاعدة عريضة من السوريين تتضمن كثيرا من المسيحيين أمثاله، الذين يخشون الاتجاهات المتطرفة في أوساط حركة المتمردين ويتمنون لو بقيت الثورة على سلميتها، لكنهم في الوقت ذاته يؤمنون بأن حركة التمرد تستند بقوة إلى كثير من المطالب السياسية المشروعة. ويقول مقدسي إن «طموحات الشارع السوري كلها مشروعة». وتأتي رسالة مقدسي، التي تبدو كما لو كانت تبعث على التفاؤل، في الوقت الذي تشهد فيه سوريا انقساما حادا، حيث لا يوجد إجماع على الهدف من وراء المباحثات المقبلة أو ما إذا كان سيجري عقدها أم لا. ويشير مقدسي إلى أن بصيص الأمل البسيط، الذي يوحي بإمكانية التوصل إلى حل سياسي، من الممكن أن يساعد في تقليل خطر الوجه الطائفي للصراع، الذي تبقى أسبابه السياسية قابلة، على الرغم من ذلك، للتسوية.
يقول مقدسي، الذي اختار له والده اسم أحد أصدقائه المسلمين المقربين، إن «الشعب السوري يعاني حاليا من حالة من الغضب بسبب الخسائر البشرية الكبيرة والدماء الغزيرة التي أُريقت»، مضيفا: «دعونا لا نصدر أحكاما نهائية على الشعب السوري في الوقت الحالي، فحالما يتوقف نزيف الدم عن طريق عقد اجتماعي مناسب، فسوف تبدأ الأمور في الاتجاه إلى الهدوء. نحن لم نفتعل أبدا ذلك التعايش الذي كان بيننا، لقد كانت تلك طبيعتنا الحقيقية».
وقال مقدسي إنه يأمل أن يتوصل السوريون إلى حل للصراع الدائر من خلال المباحثات التي تجري برعاية دولية في جنيف، بما يضمن تشكيل حكومة جديدة يمكن الاعتماد عليها في توفير الأمان لجميع مكونات الشعب السوري. وبسؤاله عما إذا كان ينبغي إعطاء الأسد دورا في سوريا، قال مقدسي بتأنٍّ «لا يمكن للتغيير أن يتحقق إذا ربطنا مصير سوريا بمصير شخص واحد».
وأشار مقدسي إلى أنه يدعم خطة جنيف الرسمية التي تقضي بإنشاء هيئة انتقالية تُعطى سلطة إعادة تشكيل الحكومة، عن طريق اختيار وزراء يحظون بموافقة الطرفين، مع استبعاد «الشخصيات المثيرة للجدل»؛ سواء كانوا من الذين «باركوا عمليات القتل وقطع الرؤوس» التي نفذها الجهاديون، أو كانوا من أولئك الذين «يقودون الأجهزة الاستخباراتية»، ثم بعد ذلك ينبغي على السوريين المضي قدما في انتخاب برلمان ورئيس في انتخابات تُتاح خلالها الفرصة للجميع للترشح والمنافسة.
وبطريقة غير مباشرة، لكنها واضحة، أشار مقدسي إلى أنه أراد أن يدحض، لكن بشكل مقبول لدى المحايدين والمنتقدين للمعارضة المسلحة، ادعاء الأسد بأن التحدي الأكبر الذي يواجه حكمه لا يأتي من المعارضة الداخلية، بل يأتي في حقيقة الأمر من المجموعات الإرهابية الخارجية التي يخوض حربا ضدها بالوكالة عن العالم أجمع.
وقد حازت فكرة أن الأسد ينبغي أن يبقى في منصبه كرئيس لسوريا ليحارب الجهاديين على قبول كبير من الغرب.
ويقول مقدسي إنه يؤمن بأن غالبية المسيحيين السوريين، وكذلك معظم الشعب السوري «آمنوا بالتغيير، وأنه صار حتميا حدوث ذلك التغيير في سوريا»، لكنه أضاف: «أرادوا التطور وليس الثورة المسلحة».
ويضيف مقدسي أنه مع مواجهة «التهديد الحقيقي» المتمثل في الجهاديين، فإن غالبية المسيحيين في الوقت الحالي «يختارون أن يبقوا ضمن الأغلبية الصامتة من السوريين، وهذا الأمر مختلف تماما عن الوقوف بجانب أيّ من طرفي الصراع».
وأكدت الحكومة مرارا، خاصة للغرب، ما تصوره على أنه شبه إجماع من المسيحيين والأغلبية السنّية والأقليات الأخرى على دعمها لحمايتهم من المتطرفين الإسلاميين. غير أن مقدسي قال إن المسيحيين لا يريدون أن يجري النظر إليهم على أنهم طائفة مختلفة عن باقي الشعب السوري، فهم يرون أنهم مثل كل السوريين يمكن أن تتوفر لهم الحماية من خلال إقرار دستور قوي يجري فرضه في ظل حكم رشيد.
ويقول مقدسي: «عندما تكون سوريا بخير، سيصبح المسيحيون السوريون بخير، هذه هي الفكرة التي ينبغي أن نلتفت إليها جميعا».
ويُعدّ مقدسي (39 عاما) واحدا من بين كثير من المسؤولين الحكوميين والتكنوقراط السابقين والحاليين الذين بدأوا في التواصل مع بعضهم حديثا، ومع الوسطاء الدوليين لإعادة هيكلة والعمل على استقرار بلدهم الجريح.
وبسؤاله عما إذا كان يرى أنه من الممكن أن ينضم إلى حكومة انتقالية، يبدو أن أمر تشكيلها ما زال بعيدا، قال مقدسي إنه لا يسعى للحصول على منصب سياسي، بل يسعى لإيجاد طريقة لمعالجة التصدعات التي يعاني منها بلده.
ويضيف مقدسي: «إنني أتبنى موقفا وسطيا أشعر من خلاله أنني مستريح لانتمائي لقاعدة من الشعب السوري المعتدل، وليس المتطرفين من الجانبين». وأضاف: «وعليه، فإنه إذا توفرت الفرصة التي يمكن من خلالها أن أخدم بلدي وأنا في هذا الموقف الوسطي، فسأفعل من دون تردد».
وقد كان مقدسي (وهو أب لطفلين) ضيفا دائما في التلفزيون الحكومي السوري، وكان يُرى على أنه من أعضاء الحكومة التكنوقراط المتفانين في عملهم. ومثل خروجه من حكومة الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2012 ضربة شديدة للحكومة التي تحاول أن تصور نفسها أمام العالم على أنها لاعب دولي يتحمل مسؤوليته.
يقول مقدسي: «صار الاستقطاب في سوريا قاتلا». وقد انتقده بعض المعارضين للحكومة بسبب بقائه في منصبه، بينما يلقى كثير من السوريين حتفهم كل يوم. ويضيف مقدسي: «الدبلوماسي ليس محاميا، فالمحامي يمكنه التربح من القضية التي تصدى للدفاع عن موكله فيها، أما الدبلوماسي فلا يستطيع إلا أن يقاتل من بلد كامل. وقد تغلب الدبلوماسي على المحامي في داخلي».
ويشير إلى أنه كان سيبقى في سوريا لو أنه تأكد من أن استقالته لن تعرض عائلته للخطر.
ويضيف مقدسي أن الحكومة السورية تهدف إلى إطالة أمد العملية الدبلوماسية، حيث إنها «تراهن على حدوث تغيير في مزاج الغرب حتى تستطيع الحصول على صفقة سياسية أفضل»، مشيرا إلى أن اللعب على عامل الوقت يمكن أن يكون إشارة على ضعف الحكومة وليس قوتها.
ويمضي مقدسي قائلا إن «الجميع أصابه الإرهاق والتعب، والجميع يدرك أنه غير قادر على تحقيق نصر واضح وإزاحة الطرف الآخر».
وأشار مقدسي إلى أنه ينبغي أن يجري دعوة إيران للمشاركة في المباحثات حتى يجري اختبار التزامها المعلن بحل سياسي للقضية السورية. واشتراك إيران في مباحثات جنيف سيجبرها على العدول عن سلوكها المخرب للعملية الدبلوماسية. وفي نهاية المطاف، يجب على الحكومة أن تنخرط في المسار الذي ستحدده مباحثات جنيف، التي ستفرض بالطبع عمل بعض التنازلات، وإلا فستبدو الحكومة وكأنها تستخف بتضحيات السوريين، وتتجاهل فرص التوصل لوقف أعمال القتل.
ويشير مقدسي إلى أن ذلك من الممكن أن يُغضب أغلبية سوريا الصامتة، بما في ذلك مؤيدو الحكومة «المعتدلون». ويضيف مقدسي: «وإذا لم يولِّ الطرفان اهتماما كافيا لتلك المباحثات، فلن تبقى تلك الأغلبية صامتة بعد اليوم».
* خدمة «نيويورك تايمز»



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.