تنظيم «يورو 2020» في 12 دولة يؤكد أنانية كرة القدم

الخرائط الممتدة من باكو عبر أوروبا وصولاً إلى إنجلترا تعكس تجاهل المسؤولين لراحة المشجعين والقضايا المناخية

TT

تنظيم «يورو 2020» في 12 دولة يؤكد أنانية كرة القدم

تستعد بطولة أمم أوروبا لإطلاق أكبر نهائيات موسعة لها في «يورو 2020»، لكن يبدو أن قرار تنظيم البطولة في 12 دولة مختلفة مفتقر إلى المنطق.
تخيل سلسلة من الخرائط الممتدة عبر إنجلترا وأوروبا، بل وربما العالم، تظهر بها بوضوح حدود الدول لكن تختفي منها أسماء البلدان التي عادة ما تكتب بخط أنيق على الخرائط وكتب الأطلس.
والمعتقد أن الكثيرين سيخفقون إذا طلبنا منهم تحديد أسماء مدن بعينها، وربما نعاين أخطاء فاحشة ومثيرة للحرج. ومع هذا، فإن أي شخص يتابع بطولة الدوري الإنجليزي ويحرص على حضور المباريات في الاستاد يعرف بالتأكيد موقع برادفورد وبولتون، وسيشعر بفزع إذا ما دخل وولفرهامبتون واندررز في مواجهة أمام وست بروميتش ألبيون. وإذا لعب ناديه في أوروبا، أو إذا كان من عاشقي المباريات الدولية، فإن هذه النوعية من المشجعين من غير المحتمل أن يشعروا باضطراب إزاء التمييز بين بودابست وبوخارست.
ومن المنتظر أن تتصدر المدينتان العناوين خلال الصيف المقبل بالنظر إلى كون المجر ورومانيا من بين الدول الـ12 التي من المقرر أن تستضيف بطولة «يورو 2020». ويأتي هذا القرار بتوزيع التنظيم عبر عدة دول مختلفة في إطار الاحتفاء بالذكرى الـ60 لانطلاق البطولة. ومع هذا، فإن الابتعاد عن فكرة تركيز البطولة بصورة كاملة داخل دولة واحدة، أو اثنتين بحد أقصى، يحمل في طياته اختيارا رديئا للتوقيت ويوحي من جديد بأن كرة القدم تعيش بمعزل عن مشكلات العالم وهمومه.
المؤكد أن الحشود الغفيرة التي ستتنقل باستمرار عبر منطقة تمتد من باكو إلى بلباو في الطريق نحو مباراة النهائي في لندن، تشير إلى رياضة يتملكها شعور عارم بالتكبر والغطرسة يجعلها لا تأبه بالمشكلات المناخية الطارئة التي يواجهها العالم.
وبخلاف المخاوف المرتبطة بالانبعاثات الكربونية، يبدو أن هذا القرار يفتقر تماماً إلى المنطق، ذلك أنه يأتي في وقت تتصاعد المخاوف من أن بعض المدن الأوروبية تعاني تدفقاً مفرطاً من السائحين. ومع هذا، نفاجأ بقرار تنظيم مباريات داخل ثلاث من أكثر مدن القارة ازدحاماً بحركة السائحين: أمستردام وبودابست وروما.
بالتأكيد، ستكون مثل هذه النوعية من المشكلات أقل بالنسبة لبوخارست، بينما ستبدو الأوضاع مختلفة بمعدل 180 درجة في مدينة باكو. وفي ظل ارتفاع التكاليف وصعوبة الحصول على تأشيرات للدخول، تبدو حركة إقبال السائحين على المدينة ضعيفة ومتقطعة. في الواقع، من النادر استقبال المدينة لزائرين لدرجة أنه يصعب على المرء الحصول على بطاقة بريدية تذكارية تحمل صورة المدينة، ناهيك عن قميص، داخل العاصمة الأذربيجانية التي تبدو معتادة أكثر على استقبال لقاءات لكبار المسؤولين في مؤسسات كبرى مثل «اليويفا».
في الواقع، يحق للمهتمين بقضايا البيئة الشعور بغضب عارم إزاء مثل هذا القرار وما سيترتب عليه من انبعاثات كربونية ضخمة الناجمة عن الطائرات التي ستحمل المشجعين وممثلي وسائل الإعلام ذهاباً وإياباً بين المدن المستضيفة لبطولة «يورو 2020».
في الوقت الراهن على الأقل، من المعتقد أن بعض المشجعين المولعين بكرة القدم والذين ربما لم يتوانوا عن التنديد بأفراد الأسرة المالكة - مثل هاري وميغان - لسفرهم في طائرة خاصة إلى ساحل البحر المتوسط للاستجمام، لن يجدوا غضاضة في غض الطرف عن طيب خاطر اعتياد المسؤولين التنفيذيين بمجال كرة القدم السفر بطائرات خاصة. ومثلما يعرف أي متابع لكرة القدم، فإن رحلة فريق آرسنال الشهيرة لمدة 14 دقيقة من لوتون إلى نوريتش عام 2015 لا تمثل سوى قمة جبل الجليد.
ومع هذا، فإنه بحلول عام 2026 - عندما يجري تنظيم بطولة كأس العالم عبر كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وهي دول تشكل في مجملها نحو 14 في المائة من مجمل مساحة الأراضي على الكوكب - ربما يصبح هذا النفاق أقل قبولاً حينها. وحتى أكثر المولعين بكرة القدم ربما يشعر حينها أن نشر مباريات البطولة الأهم في عالم كرة القدم من مونتريال إلى مكسيكو سيتي يمثل ببساطة تجاهلاً لروح العصر السائدة.
وسنعايش لحظات مناقضة تماماً عام 2022 في قطر التي تتباهى باستضافتها «أول بطولة كأس العالم خالية من الكربون»، والتي ستجري كامل فعالياتها في إطار دائرة يبلغ نصف قطرها 31 ميلاً من الدوحة. ومن بين الاستادات الثمانية، تفصل مسافة 3 أميال فقط بين الثلاثة الأقرب لبعضها البعض منها، وتتضمن مسارات معدة للسير وأخرى للدراجات وسككا حديدية خفيفة، الأمر الذي سيتيح للمتفرجين حضور مباراتين يومياً.
وبالنظر إلى أن الاستادات جرى تجميعها من شاحنات يسهل فكها وجاهزة للتفكيك الجزئي أول الكلي وتصديرها وإعادة بنائها داخل دول فقيرة، يبدو أننا أمام مشهد مثالي من الاستدامة البيئية.
ومع ذلك، إذا نظرنا من منظور بيئي بحت، فإن تنظيم بطولة بهذا الشكل الصديق للبيئة في الشرق الأوسط يبدو سابقاً لعصره بقوة، ونموذجاً ينبغي الاحتذاء به في تنظيم البطولات الرياضية عالية الكثافة في القرن الـ21.
ومع هذا، تبقى هناك الكثير من الجوانب السلبية، وبعيداً عن الخلفية الجيوسياسية، فإن شمس شتاء الدوحة ربما لا تروق للبعض. ومع ذلك، فإن ميزة معايشة ثقافة ومشهد جديد تماماً تفوق بالتأكيد فكرة التنقل باستمرار بين مطار وآخر واستاد وآخر.
رغم وجود ستة أشهر متبقية على انطلاق بطولة أمم أوروبا، سيكون على المنتخبات المشاركة في النهائيات استغلال ما يتاح أمامها من وقت بشكل جاد وقوي استعدادا لهذه النسخة الصعبة للغاية.
وتنطلق فعاليات يورو 2020 في 12 يونيو (حزيران) المقبل، ولكن الفترة المقبلة لن تشهد في الروزنامة الدولية سوى توقيتين فقط للمباريات الدولية وذلك في مارس (آذار) المقبل.
ورغم هذا، تستطيع المنتخبات المشاركة في البطولة ترتيب مباريات دولية أخرى في الأيام القليلة التي تسبق انطلاق فعاليات هذه النسخة.
ويجب أن تقدم المنتخبات المشاركة في البطولة قوائم لاعبيها إلى الاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا) في الثاني من يونيو المقبل. وتنتهي فعاليات الموسم الحالي في بطولات الدوري المحلية الكبيرة بأوروبا في منتصف مايو (أيار) المقبل، فيما يسدل الستار على فعاليات الموسم الحالي لدوري الأبطال الأوروبي بالمباراة النهائية في 30 مايو، ما يعني أن النهائي سيفسد خطة الاستعداد على المنتخبات التي تضم لاعبين في الفريقين المتأهلين لنهائي دوري الأبطال هذا الموسم.
ورغم أن السفر بالداخل والخارج ما يزال واحدا من المتع التي تحملها كرة القدم في طياتها، فإننا نأمل أن تتوصل الأجيال المستقبلية إلى إجماع مفاده أن التنظيم المدمر للبيئة الذي اتسمت به بطولة «يورو 2020» تجربة رديئة لا ينبغي أبداً تكرارها.


مقالات ذات صلة

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

رياضة عالمية مانشيني (الشرق الأوسط)

تقارير إعلامية: مانشيني وقّع عقداً لتدريب إيطاليا

كشفت تقارير إعلامية إيطالية توقيع المدرب مانشيني عقداً مع الاتحاد الإيطالي لتولي منصب المدير الفني.

«الشرق الأوسط» (روما)
رياضة عالمية منتخب آيرلندا سيواجه إسرائيل خارج البلاد (رويترز)

«دوري الأمم الأوروبية»: آيرلندا ستواجه إسرائيل في ملعب محايد دون جمهور

قال الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم، الجمعة، إن منتخب آيرلندا سيخوض مباراته المقبلة في دوري الأمم الأوروبية أمام إسرائيل على ملعب محايد ودون حضور جمهور.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
رياضة عالمية النجم الدنماركي كريستيان إريكسن (يسار) في ودية أوكرانيا (إ.ب.أ)

إريكسن: ما تعرضت له مختلف عن أزمة 2021

أكد النجم الدنماركي كريستيان إريكسن على أنه بخير، مضيفا أنه بدأ برنامج التعافي بعد خروجه من المستشفى بعد أقل من 24 ساعة من سقوطه خلال مباراة ودية أمام أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك (رويترز)

الدنماركي إريكسن يتعافى في منزله

قال كريستيان إريكسن لاعب خط وسط الدنمارك إنه عاد إلى منزله، الاثنين، وإنه يتعافى بشكل جيد مع عائلته.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
رياضة عالمية إيطاليا هزمت اليونان وديا (أ.ب)

إيطاليا تهزم اليونان وديّاً استعداداً لدوري الأمم الأوروبية

فاز المنتخب الإيطالي على نظيره اليوناني 1/صفر، مساء الأحد، في مباراة ودية دولية.

«الشرق الأوسط» (هيراكليون)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.