خواكين المتألق انتظر 19 عاماً ليسجل «هاتريك»

المدير الفني الإسباني عمل مع 3 أندية بالدوري الإنجليزي ولم ينجح في بناء فريق قوي واحد

خواكين نجم بيتيس المخضرم يحتفل بثلاثية في مرمى أتلتيكو بلباو
خواكين نجم بيتيس المخضرم يحتفل بثلاثية في مرمى أتلتيكو بلباو
TT

خواكين المتألق انتظر 19 عاماً ليسجل «هاتريك»

خواكين نجم بيتيس المخضرم يحتفل بثلاثية في مرمى أتلتيكو بلباو
خواكين نجم بيتيس المخضرم يحتفل بثلاثية في مرمى أتلتيكو بلباو

كانوا جميعهم هناك ما عدا هو، وكان الجميع بانتظار الرجل العجوز مرة أخرى. كانت الساعة الثانية إلا دقيقتين، ما يعني أن الوقت قد حان لدخول ممر اللاعبين في استاد بينيتو فيامارين، حيث اصطف 21 لاعباً بجانب الحكم، فالنتين بيزارو غوميز وأحد مساعديه. عند السلالم، وقف الحكم المساعد الآخر بجوار غرفة تغيير الملابس، حاملاً علماً بيده وبدا أن صبره بدأ ينفد. وبالفعل، ارتفع صوته قائلاً: «خواكين لم يحضر بعد». وأجابه مدرب بيتيس، خوان فرنشسكو فيرير: «نعم أعلم»، بينما علت وجهه نظرة تقول: «ماذا تريدني أن أفعل؟» وعليه، اتخذ الحكم المساعد خطوة نحو الداخل وصاح: «هيا يا خواكين! دعنا ننطلق. نحن في انتظارك هنا». ونظر المدرب فرنشسكو فيرير الشهير بروبي في ساعته ثم خبط رأسه في الباب وبدا عليه التوتر.
في المرة التالية التي تطلع فيها بعينيه نحو الساعة كانت عقاربها تشير إلى الثانية ودقيقة، بينما حملت الشاشات حول الاستاد 01.28، وبدأت أرجاء المكان تعج بالصيحات والهتافات. وأخيراً، غادر خواكين غرفة تغيير الملابس وحيا مدربه، بينما وقف الحكم المساعد يصيح «هيا بنا»، وقادهم باتجاه ضوء الشمس. بعد ذلك، صافح خواكين جميع لاعبي أتلتيكو بلباو، ومع انطلاق نشيد بيتيس وقف خواكين لالتقاط صورة جماعية مع الفريق على جانب الملعب، ثم صورة أخرى مع عشرات الأطفال، كان الكثيرون منهم يجلسون على مقاعد متحركة. ووقف دقيقة للحداد تكريماً لذكرى اللاعب الراحل فرنشسكو أباريسيو. ومع أول تصويبة للكرة باتجاه المرمى سكنت الشباك! كان قد شارك في اللعب مدة سبعة دقائق فقط ولمس الكرة مرتين فحسب، بل ولم يكن مشاركاً في اللعب مدة 90 ثانية ـ ورغم ذلك سجل هدفاً بالفعل.
وبعد تسعة دقائق وثلاث ثوان، سجل خواكين هدفاً ثانياً، وبعد تسعة دقائق و19 ثانية، سجل الهدف الثالث.
استغرق تسجيل الأهداف الثلاثة جميعاً 19 دقيقة. أما على مستوى مسيرته الكروية، فقد استغرق تسجيل هذا «الهاتريك» 19 عاما، ما يزيد من خصوصية وقيمة هذا الإنجاز.
من جهته، لمس خواكين الكرة خمس مرات، وصوبها باتجاه المرمى ثلاث مرات، وتميزت جميع هذه الكرات بلمسات مثالية. عندما سجل الهدف الأول خبط صدره بيده عند شارة النادي الذي بدأ فيه مسيرته ويملك 2 في المائة من أسهمه، ويطمح لتولي رئاسته يوماً ما. وبعد دقائق، جاءت خبطته على صدره أقوى، بينما تسارعت دقات قلبه ووقف أمام الجماهير فاتحاً ذراعيه. وفي وقت لاحق قال عن هذه اللحظة: «تملكتني سعادة غامرة، ولم أستطع تصديق الأمر». ويبدو أن الجميع عجزوا عن التصديق كذلك، خاصة أن بلباو يتمتع بأفضل خط دفاع ببطولة الدوري الإسباني الممتاز، واخترقت شباكه تسعة أهداف فقط. الآن، وفي غضون أقل عن 20 دقيقة، اخترق شباكه هدف ثالث، لتظهر على الشاشات 19:50 و3 - 0.
كانت تلك مجرد البداية، لتظهر مع مرور الوقت أرقاماً جديدة كل واحد منها أغرب من سابقه، لتتركك في النهاية تختار ما يحلو لك. أما خواكين، فاعترف بأنه «لم تتوقف بناتي عن البكاء، فهن غير معتادات على رؤية والدهن يحرز أهدافاً. وقلن لي: كم كان رائعاً رؤيتك وأنت تسجل الأهداف. لم نكن نعتقد أنك ستفعل ذلك أبداً. وأجبتهن: ولا أنا».
بتلك الأهداف الثلاثة، بلغ إجمالي الأهداف التي سجلها خواكين على امتداد مسيرته 100 هدف، بمعدل يزيد قليلاً على هدف واحد كل ثماني مباريات على امتداد مسيرته، إضافة إلى أنه لم يسبق له تسجيل «هاتريك» قط، ولا حتى على مستوى الناشئين. أما استاد بينيتو فيامارين، فلم يشهد إحراز أي من أبنائه ثلاثة أهداف بمباراة واحدة منذ فينيدي جورج، منذ 22 عاماً ماضية. كما تشير الإحصاءات إلى أن ستة لاعبين فقط سبق وأن سجلوا «هاتريك» في غضون 20 دقيقة في أي ناد بأي مكان. ومع هذا، جاء خواكين لينسف هذه الأرقام جميعها في غمضة عين.
ومع أن هذا الإنجاز تحقق بسرعة، فإنه في جانب منه كان بطيئاً أيضاً، فقد استغرق الأمر من خواكين حتى بلغ 38 عاماً و140 يوماً حتى يسجل «هاتريك»، أي بعد فترة طويلة من السن التي يعتزل ببلوغها معظم اللاعبين. وخلال مباراة الأحد، كان خواكين أكبر الحاضرين داخل الملعب ـ بما في ذلك الحكم ـ وأصبح أكبر لاعب في تاريخ الدوري الإسباني الممتاز يسجل «هاتريك» في مباراة، متفوقاً بذلك على ألفريدو دي ستيفانو الذي سجل «هاتريك» في سن الـ37 و255 يوماً عام 1964. ويعتبر هذا الموسم الـ20 لخواكين في الدوري الممتاز، وقد سجل أهدافاً في جميع هذه المواسم.
في اليوم الذي شارك خواكين للمرة الأولى في صفوف الفريق الأول بداية موسم 2000 - 2001 أخفى كابتن بيتيس، خوان ميرينو، حذاءه. ورد خواكين على ذلك بأن قال له: «يوماً ما، ستنظف هذا الحذاء». الآن، سيتعين على ميرينو الوقوف في الصف للحصول على تحية من خواكين، الذي فاز ببطولة كأس ملك إسبانيا، واحدة من بين ثلاث نسخ فقط فاز بها النادي طوال تاريخه. وحرص خواكين على وضع الكأس على منضدة أثناء مراسم زفافه بعد أيام قلائل. في ذلك الوقت، توقعت غالبية الآراء أن يصبح خواكين «سوبر ستار» في ناد ما. وعندما ثارت تلميحات حول أن والده يتفاوض بخصوص انتقال نجله لناد آخر، رد عليها خواكين بقوله «إنه في المنزل يجلس على الأريكة كالعادة».
وظهر تشيلسي بقيادة مورينيو، وتودد إليه فلورنتينو بيريز رئيس ريال مدريد علانية، لكنه انضم نهاية الأمر إلى فالنسيا بعد ستة مواسم قضاها في ناديه الأصلي.
انتقل خواكين بعد ذلك إلى ملقة وفيورنتينا الإيطالي، ثم عاد إلى ناديه الأول من جديد وكان حينها في الـ34. ورأت الغالبية أنه سيكون محظوظاً إذا تمكن من المشاركة لموسم كامل مع النادي. اليوم، من المتوقع أن يعلن بيتيس قريباً عن إبرام عقد جديد مع خواكين يمتد لما وراء عيد ميلاده الـ40، من جانبه نجح خواكين في أن يثبت ليلة الأحد أن باستطاعته الاستمرار لفترة أطول قليلاً. ولا يتعلق الأمر بـ«الهاتريك» الذي سجله في المواجهة الأخيرة فحسب، وإنما مجمل أدائه على امتداد ثلاث مباريات متتالية، والدور الذي يلعبه داخل وخارج الملعب في اجتذاب بيتيس بعيداً عن منطقة الهبوط وإنقاذ المدرب من الطرد، بجانب الأسلوب المتألق الذي يلعب به. الآن، مرت 12 عاماً منذ مشاركة خواكين في المنتخب الإسباني حيث كان أفضل لاعب في خلال بطولة كأس العالم 2002. ومع هذا، ربما لا نكون مبالغين إذا قلنا إنه ربما يعاود الانضمام للمنتخب قريباً.
عندما تفوه ميسي باعتراف صعب الأسبوع الماضي أحبط الجميع بقوله إن لحظة الاعتزال باتت قريبة منه اليوم بالنظر إلى أنه في الـ32، علق خواكين قائلاً: «حسناً، هو لا يتمتع بقوتي البدنية، أليس كذلك؟» ورغم أنه كان يمزح، حملت عبارته شيئا عميقاً بها يمنح الأمل للجميع، بل وربما لميسي نفسه.


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.