مسؤول أميركي: طريق طويل قبل إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب

هدسون أكد أن واشنطن تخشى عودة الجيش إلى السلطة وقلقى من وجود مكتبين لـ«حماس» و«حزب الله» في الخرطوم

TT

مسؤول أميركي: طريق طويل قبل إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب

قال مساعد المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان والمدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي كاميرون هدسون، إن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحتاج إلى وقت، وإن الطريق أمام الخرطوم ما زال طويلاً، وإنها تواجه مهاماً لا يمكن التغلب عليها بسهولة، في وقت أكد فيه تحالف قوى الحرية والتغيير أن تعيين حكام الولايات والمجلس التشريعي الانتقالي سيتم إعلانهما فور عودة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك من رحلته في الولايات المتحدة.
وقال هدسون في مقال له نشره موقع «معهد المجلس الأطلسي» بمناسبة أول زيارة لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى واشنطن، إن هناك قائمة طويلة تريدها الولايات المتحدة من السودان قبل إزالة العقوبات، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تخشى من عودة الجيش إلى السلطة مجدداً بمجرد أن يتم رفع العقوبات الأميركية. وأضاف أن بلاده أكثر ما تحتاجه الآن توضيحات حول جهاز المخابرات السوداني بعد الإصلاحات التي جرت مؤخراً، وما إذا كان يخضع بالكامل إلى السلطة المدنية، مشيراً إلى أن هناك عدداً من الإرهابيين الدوليين وجماعات التمرد من دول الجوار يستخدمون الصحراء الممتدة من البحر الأحمر شرقاً إلى ليبيا غرباً التي لا تخضع للسيطرة وأصبحت ملاذاً للاختباء.
وقال هدسون، وهو كبير الزملاء في مركز أفريقيا في معهد المجلس الأطلسي: «بعد مائة يوم من توليه منصب رئيس الوزراء في السودان سيستقبل المسؤولون الأميركيون في واشنطن عبد الله حمدوك أول رئيس وزراء سوداني منذ عام 1985». وأضاف: «رئيس الوزراء حمدوك يواجه قيوداً سياسية وهيكلية كبيرة، في حين أنه يعمل على إزالة اسم بلاده من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب». وقال إن القضية الأخرى تتعلق بحركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني؛ فلديهما مكتب سياسي في الخرطوم وهما مصنفان لدى الخارجية الأميركية كمنظمتين إرهابيتين.
ووصل حمدوك على رأس وفد يضم وزراء الدفاع والعدل والشؤون الدينية ووزيرة الشباب والرياضة إلى الولايات المتحدة، الأحد الماضي، في زيارته الأولى الرسمية يأمل خلالها الوصول إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية بإزالة اسم بلده من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتخفيف عبء الديون الذي أرهق السودانيين بسبب سياسات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير. وقد عقد حمدوك اجتماعين منفصلين في اليوم ذاته مع فريق التفاوض السوداني، وفريق المحامين، لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وكان المبعوث الخاص الأميركي الخاص إلى السودان قد قال في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن إدارته ستحقق في أن السودان لم يعد دولة راعية للإرهاب. وأوضح هدسون في مقاله أن المسؤولين الأميركيين يتجنبون التحدث بصورة علانية في الأحكام الصادرة ضد الحكومة السودانية لدعمها التفجير الإرهابي الذي وقع على سفينة «يو إس إس» كول في عدن عام 2000 وتفجيرات سفارتي واشنطن في نيروبي الكينية ودار السلام التنزانية في عام 1998. وقال: «يتعين على حكومة حمدوك قبل إزالة اسم بلاده من القائمة السوداء دفع أكثر من 300 مليون دولار كتعويضات لضحايا الهجوم على السفينة وأكثر من ملياري دولار كتعويضات إلى أسر ضحايا تفجيرات السفارتين»، مشيراً إلى أن هناك احتياجات كثيرة تتطلب الاستجابة العاجلة لهذه التوقعات والآمال بأن يستطيع الحكم المدني أن ينهي بسرعة آثار 30 عاماً من الفساد والإهمال في ظل وجود قوى تتربص وتعيق طريق النجاح.
وقال: «يبدو أن حمدوك يواجه مهاماً مستحيلة».
وقال الخبير الأميركي في الشؤون الأفريقية والسودان إن الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) العام المقبل ستكون واحدة من العوامل في الداخل الأميركي التي يصعب معها بقاء السودان ضمن جدول الأعمال كما هو، في المقابل سيظل بند مكافحة الإرهاب حاضراً ضمن الحملة الانتخابية للرئيس ترمب لإعادة ترشيحه إلى ولاية ثانية.
وكان المسؤول في الشؤون الأفريقية في الخارجية الأميركية ثيبور ناجي، قد قال في وقت سابق، إن بلاده تعتبر الحكومة المدنية في السودان شريكة لها.
وينتظر أن يعقد أصدقاء السودان اجتماعاً في الخرطوم الأسبوع المقبل لاتخاذ قرار بشأن الدعم لصالح ميزانية عام 2020، فيما تستضيف واشنطن مؤتمر المانحين في أبريل (نيسان) العام القادم.
إلى ذلك، قال القيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير الحاكم في السودان خالد عمر يوسف لموقع «سودان تربيون» إن تعيين حكام الولايات المدنيين سيعلن عقب عودة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك من الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن المجلس المركزي للتحالف يعقد مشاورات لتسمية الحكام المدنيين بعد أن تسلم الترشيحات من فرعياته في الولايات، وسيتم تسليمها إلى حمدوك عقب عودته من رحلته الخارجية.
وتأخر وصول ترشيحات التحالف الحاكم في ولايات غرب كردفان وشرق دارفور وكسلا، فيما برز ترشيح حزب المؤتمر السوداني لرئيسه السابق إبراهيم الشيخ حاكماً على ولاية الخرطوم، فيما هناك ترشيحات أخرى لتسمية امرأة لهذا المنصب الهام، وسيتم تقديم اسم مرشح واحد إلى رئيس الوزراء.
وتحفظ تحالف الجبهة الثورية على تسمية حكام الولايات، مع إبدائه الموافقة على تعيين مؤقت إلى حين التوصل إلى اتفاق السلام الشامل، وينتظر أن تبدأ جولة المفاوضات القادمة في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الحالي في جوبا، ويتوقع أن تكون الجولة قبل الأخيرة.



بعد 59 عاماً... هل أنستنا النكبات المتوالية «نكسة 67»؟

جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)
جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)
TT

بعد 59 عاماً... هل أنستنا النكبات المتوالية «نكسة 67»؟

جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)
جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)

بينما تحل ذكرى هزيمة يونيو (حزيران) 1967، على العالم العربي في موعدها من كل عام ثقيلة ومريرة، فإن مرارتها تأخذ في الخفوت، ليس لأن آثارها القاسية انمحت، ولكن لأن كثيراً من النكبات توالت على المواطن العربي بعدها.

وفي 5 يونيو 1967، شنت إسرائيل هجمات واسعة استهدفت بشكل رئيسي مصر بجانب سوريا والأردن، أدت مع توقفها في 10 من الشهر ذاته، لاحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية، قبل أن تأخذ مصر بعد انتصار أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أراضيها وتبقى المأساة مستمرة.

وبعد 59 عاماً، تحل ذكرى «النكسة» بينما في الوطن العربي نكبات أخرى، بين قطاع غزة الذي تسيطر إسرائيل على أكثر من 60 في المائة من مساحته، بحسب تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أيام، بعد حرب مستعرة منذ أكتوبر 2023، لم تضع أوزارها بعد، وطالت شرارتها لبنان مخلّفة خسائر فادحة بالأرواح والاقتصاد وحتى في الأرض حيث وسعت إسرائيل سيطرتها حتى «قلعة الشقيف» (جنوب لبنان).

وبينما ينتظر العقد السادس من «نكسة حزيران»، كما تعرفها سوريا والأردن، أو «نكسة 67» كما تصفها دوائر مصرية، لا يرى مفكرون عرب عاصروا تلك النكسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الانقسامات والنزاعات المسلحة الحادة كما في اليمن والسودان ولبنان، وغيرها ستكتب فصلها الأخير، لأسباب بينها بقاء غياب الوحدة العربية وضعف الهوية الوطنية وغياب الدولة في بعض البلدان بخلاف بقاء إسرائيل وأطماعها ومخططاتها، ما يجعل النكبات تنكأ باستمرار جراح «نكسة 67» وتبقيها مع أسباب أخرى على قيد الحياة، دون استخلاص دروس التاريخ.

تشابه سنوات الوجع العربي

يوم الخامس من يونيو 1967، لا يستطيع المفكر المصري، أحمد يوسف أحمد، أن ينساه حيث كان طالباً في الجامعة، يتصور أن الهزيمة ستكون بداية حقبة ممتدة من التبعية والخضوع، كما تقول دروس التاريخ، لكن «المقاومة من اللحظة الأولى» جعلت تلك النظرة تتغير نسبياً لديه.

ويعتقد يوسف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «النكسة نُسيت عملياً بحد أقصى مع انتصار حرب 6 أكتوبر 1973، لكنها لم تُنس كدرس في التاريخ للمصريين، لأنها كانت هزيمة عسكرية فادحة مرتبطة بأسباب داخلية وخارجية مهمة».

ولا تزال تلك النكسة، بحسب أحمد يوسف أحمد، «باقية بوصفها جزءاً من الجدل السياسي داخل مصر، وإن خفتت مرارتها خاصة أن نظام يوليو (تموز) 1952 له خصوم ويتهم حتى الآن بالفشل في حماية الأمن القومي المصري، ويرد عليه من أنصار نظام يوليو، بأنه تم تجاوز أسباب ذلك الفشل ببناء الجيش والانخراط في حرب استنزاف وصولاً لانتصار أكتوبر».

واسترجع المفكر المصري «سنوات الوجع» عندما بدأ يقارن بين النكبات الحالية و«نكسة» 5 يونيو، إذ يرى أن الأخيرة قدمت نموذجاً فريداً من التضامن العربي، لا يوجد الآن في ظل انقسام عربي حاد وغياب كامل لمفهوم الأمن القومي العربي.

هذه الوحدة التي تشكلت منذ قمة الخرطوم في ديسمبر (كانون الأول) 1967، نجحت في إزالة الخطر الإسرائيلي الذي كان يهدد الموقف العربي وقتها، لكن بحسب أحمد يوسف أحمد، ليس له منظور الآن في ظل النكبات الحالية من غزة للبنان واليمن والعراق وصولاً للسودان الذي يعيش أزمة غير مسبوقة.

وذلك الوضع الحالي يجعل الهزيمة العربية في النكبات الحالية أفدح اليوم من «نكسة» 1967، خاصة أنها لم تتعلم أو تستفد من دروس النكسة مع وجود 5 دول على الأقل بين انفصال واقعي وعدم استقرار مزمن، وغياب المفهوم المشترك للأمن القومي العربي وعدم اتفاق على مصادر التهديد والخطر بين إسرائيل وإيران، وفقاً ليوسف أحمد.

غياب موجع ومستقبل مهدد

وبرأي المفكر المصري عبد المنعم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، لا تتشابه النكبات الحالية مع «نكسة» 67 التي تحل ذكراها، باعتبار أن لكل منهما تاريخاً مختلفاً عن الآخر حتى وإن كان كلاهما يُذّكر البعض بالآخر.

ويحسم سعيد، طرحه، واضعاً «نكسة» 1967 في خانة خطأ تقديرات وطنية تصورت أن شعارات القومية والعربية والشجاعة دون حسابات موازين القوى يمكن أن تحقق لها مكاسب، بينما النكبات الحالية سببها الأساسي هو ضعف الهوية الوطنية وغياب الدولة لدى بعض البلدان، وليس ضعف الوحدة أو الأمن القومي العربي وما يدور في فلكها من شعارات.

ويستدل المفكر المصري، عبد المنعم سعيد، بلبنان، والعراق واليمن والسودان، بعدّهم مثالاً في ضعف الهوية الوطنية، تحاول فيها مجموعات أن تصارع الدولة وتشكل هوية خاصة تنازع مفهوم الدولة وهويتها، بخلاف 5 يونيو التي تعلمت نخبتها الدرس وقادت حرباً «معقولة»، ومن ثمّ السلام الذي أعاد بعض الاستقرار.

في المقابل تقف 12 دولة عربية بينها السعودية ومصر والإمارات والكويت والمغرب والأردن والجزائر، على آليات تحفظ تماسكها وهويتها ودولتها، ولم تر تهديداً كمثل الذي يطرحه «حزب الله» في لبنان بامتلاكه المنفرد لقرار الحرب والسلام وعدم قبوله بالمشروع الوطني الجامع، بحسب تقديرات سعيد.

لذا يخلص المفكر المصري إلى أن النكسة وإن وقعت فإنه قد تم تجاوزها في مصر، بسبب قوة الهوية الوطنية ووجود الدولة، لكن إنهاء نكبات اليوم محض مخاض عسير ربما يطول.

جهد عربي منتظر

وستبقى «النكسة» وإن خفتت مراراتها مع تذكرنا لها ولعبرها كل عام، وفق ما يعتقد أيضاً الأكاديمي والمفكر السوري جورج جبور، ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «أن العرب يحتاجون للتعامل مع النكبات الحالية استعادة روح مقاومة الاستعمار وإنهاء التفرقة التي تهدد عالمنا العربي وتزيد من نكباته حالياً خاصة أن النكبات لن تنتهي بين يوم وليلة وتحتاج لجهد كبير عربي في هذا الصدد».

بقاء إسرائيل بقاء للنكسة وللنكبات

ويذهب المفكر الأردني، منذر الحوارات، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى نقطة محورية جديدة تتمثل في أن بقاء إسرائيل وأطماعها هو بقاء للنكسة وللنكبات الحالية، وإن خفتت مرارة الأولى وزادت مأساة الثانية.

وباعتقاد الحوارات، فإن «النكبات التي تمر بها المنطقة العربية في جميع أرجائها قد شكلت ضباباً كثيفاً ربما حجب الرؤية عن (نكسة حزيران) أو لعلها جعلتها تتراجع ظاهرياً، غير أنها تظل موجودة في الذاكرة العربية، وفي الذاكرة الجمعية كجرح عميق لم يندمل ولم يلتئم بعد».

لذلك «تبقى (نكسة حزيران الأليمة) حاضرة ولن تختفي، وإن تراجعت قليلاً وربما تبدو وكأنها قد نُسيت أو قل الاهتمام بها، ولكن إذا ما سُئل أي مواطن عربي عن همه الأول، فسيُجيب بأن تتحرر فلسطين، وذلك على الرغم من كل الصعوبات المحلية وكل المعاناة التي مرت بها المنطقة»، وفق ما أكده الحوارات.

ويخلص المفكر الأردني إلى أن «النكسة ستبقى حاضرة وموجودة عملياً في الوجدان العربي، ومهما تجاوزتها النكبات، فالشارع العربي يبدو أنه بانتظار لحظة معينة، لتصحيح المسار خاصة أنه لا يزال لا يرضخ لإسرائيل كما أن تل أبيب لا تريد التراجع».


موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

بعد عامين من الغياب القسري، لا تزال عشرات العائلات اليمنية تعيش على وقع الانتظار والترقب أملاً في عودة أبنائها المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، فيما يكبر أطفالٌ بعيداً عن آبائهم، وتواجه أسر كاملة أعباء نفسية ومعيشية متفاقمة، وسط مخاوف متصاعدة بشأن أوضاع عدد من المعتقلين الصحية.

وفي ظل هذه المعاناة الإنسانية المتواصلة، جدد «مجلس الأمن الدولي» مطالبته بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدبلوماسية المحتجزين لدى الجماعة.

وبينما تدخل حملة الاعتقالات الواسعة؛ التي طالت موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات دولية ومحلية ومؤسسات مجتمع مدني وبعثات دبلوماسية، عامها الثالث، تزداد الشهادات التي تروي آثارها على العائلات التي وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد فرضه غياب العائل أو الأب أو الابن سنوات متواصلة.

في هذا السياق، تحدثت أسرة عبد الحكيم العفيري، المدير التنفيذي لمنظمة «شركاء اليمن»، عن معاناة مستمرة منذ اعتقاله، واصفة إياه بأنه لم يكن مجرد رب أسرة، «بل كان مصدر أمان وسنداً لعائلته ومحيطه الاجتماعي».

الحوثيون يواصلون استهداف العاملين الإغاثيين في المنظمات الدولية (أ.ف.ب)

وقال نجله عبد الرقيب إن والده عُرف طيلة سنوات عمله بحب الخير ومساعدة الآخرين، مؤكداً أن الأسرة تعيش منذ اعتقاله حالة مستمرة من «الترقب والأمل في عودته، رغم قسوة الظروف وطول فترة الاحتجاز».

وأضاف أن اللقاءات المحدودة التي أتيحت لهم خلال الفترة الماضية أظهرت إصرار والده على التماسك والصمود، إلا إنها لم تبدد حجم المعاناة التي تعيشها الأسرة نتيجة استمرار احتجازه وحرمانه من ممارسة حياته الطبيعية.

وفي شهادة أخرى، تحدث عماد الدين العشاري عن الآثار التي تركها اعتقال شقيقه عاصم على أفراد أسرته، مشيراً إلى أن السنوات التي تلت احتجازه غيّرت حياة العائلة بالكامل.

وأوضح أن والدته لا تزال تنتظر عودته، بينما يكبر أطفاله في غيابه، مؤكداً أن الأسرة اكتشفت خلال هذه التجربة حجم الألم الذي يمكن أن يخلفه قرار اعتقال واحد على حياة عشرات الأشخاص المرتبطين بالمحتجز.

مخاوف صحية ومحاكمات

ازدادت المخاوف بشأن أوضاع بعض المحتجزين الصحية، خصوصاً بعد تداول معلومات عن تعرض عاصم العشاري لمضاعفات صحية خطيرة داخل السجن الحوثي، أدت إلى فقدان بصر إحدى عينيه، رغم أنه لم يكن يعاني من مشكلات صحية معروفة قبل اعتقاله.

كما تعرضت أسرة العشاري لانتكاسات إضافية بعد إصابة والده بجلطة دماغية خلال فترة احتجازه، وهي مضاعفات تقول العائلة إنها ارتبطت بالضغوط النفسية التي رافقت القضية.

طفل يمني ينتظر عودة والده المحتجز لدى الحوثيين منذ أكثر من عامين (إعلام محلي)

وفي السياق ذاته، روت هدى الرعدي، زوجة سامي الكلابي، الموظف في مكتب المبعوث الأممي، تفاصيل ما وصفتهما بعامين من القلق والخوف والترقب، مؤكدة أن أسرتها عاشت مناسبات وأعياداً متتالية في غيابه.

وأشارت إلى أن المعاناة لم تعد مرتبطة فقط بالاحتجاز، بل تفاقمت بسبب التدهور الصحي الذي تعرض له زوجها داخل السجن، حيث واجه سلسلة من المشكلات الصحية التي استدعت نقله إلى المستشفى أكثر من مرة بعد تراجع حالته بصورة خطيرة.

وتقول أسر المعتقلين ومنظمات حقوقية إن المحتجزين يواجهون تهماً يصفونها بالملفقة، إلى جانب إجراءات ومحاكمات تفتقر إلى الضمانات القانونية والشفافية، مع استمرار حرمان عدد منهم من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم.

ضغوط دولية متجددة

بالتزامن مع الذكرى السنوية الثانية لحملة الاعتقالات، صعّد «مجلس الأمن الدولي» من ضغوطه على الجماعة الحوثية، مجدداً مطالبته بالإفراج الفوري وغير المشروط عن عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدبلوماسية المحتجزين لديها.

وأكد أعضاء «مجلس الأمن» في بيان لهم إدانتهم الشديدة عمليات الاحتجاز التي نفذتها الجماعة الحوثية بحق العاملين في المجالين الإنساني والدبلوماسي، معربين عن قلقهم البالغ إزاء سلامة المحتجزين الذين لا يزال بعضهم رهن الاعتقال منذ أعوام متعاقبة.

وجدد «المجلس» مطالبته بالإفراج الفوري والآمن وغير المشروط عن جميع المحتجزين، بمن فيهم عشرات الموظفين التابعين للأمم المتحدة، مشدداً على أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يمثل انتهاكاً غير مقبول ويؤدي إلى تعقيد الاستجابة الإنسانية في اليمن، الذي يواجه إحدى كبرى الأزمات الإنسانية في العالم.

عنصر حوثي أمام مبنى أممي في صنعاء اقتحمته الجماعة (رويترز)

وربط «مجلس الأمن» بين استمرار الانتهاكات بحق العاملين الإنسانيين وتدهور الأوضاع المعيشية في اليمن، مؤكداً أن التهديدات التي تطول موظفي الإغاثة والمنظمات الدولية تقوض قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين وتقديم الخدمات الأساسية لهم.

وشدد أعضاء «المجلس» على ضرورة التزام جميع أطراف النزاع تسهيلَ وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق، وضمان حرية حركة العاملين في المجال الإنساني وتأمين مقارهم وممتلكاتهم وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني.

كما حذر «المجلس» بأن الوضع الإنساني مرشح لمزيد من التدهور في ظل استمرار الصراع وتعثر التسوية السياسية، مذكراً بأن أكثر من 22 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى أشكال مختلفة من المساعدات الإنسانية والحماية.

وفي الوقت ذاته، جدد «المجلس» دعمه جهود الأمم المتحدة الرامية إلى تأمين الإفراج عن المحتجزين عبر مختلف القنوات المتاحة، كما أكد مساندته مساعي المبعوث الأممي للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي سنوات الحرب وتفتح الباب أمام معالجة القضايا الإنسانية العالقة.

دعوات حقوقية

في موازاة ذلك، أطلقت منظمات حقوقية ومدنية دعوات جديدة إلى الإفراج عن جميع المحتجزين العاملين في المنظمات الإنسانية والمحلية والدولية، عادّةً أن استمرار احتجازهم يشكل انتهاكاً للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.

وأكدت مؤسسة «سلام لمجتمعات مستدامة» أن حملة الاعتقالات التي استهدفت موظفين في المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة والبعثات الأجنبية ألقت بظلال ثقيلة على العمل الإنساني في اليمن، مشيرة إلى أن المحتجزين ما زالوا يواجهون قيوداً واسعة على حقوقهم الأساسية.

المحتجزون لدى الحوثيين يواجهون اتهامات ومحاكمات ظالمة (إعلام محلي)

كما عبرت المؤسسة عن قلقها من استمرار احتجاز نساء عاملات في المجالين الإنساني والمدني، عادّةً أن ذلك يمثل انتهاكاً مضاعفاً للقوانين والأعراف الاجتماعية اليمنية.

ودعت إلى الكشف عن مصير المُخفَين قسراً، ووقف الإجراءات والمحاكمات التي لا تتوافر فيها شروط العدالة، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، ووقف حملات التشهير التي تستهدفهم وعائلاتهم.


اليمن يُشدد على تعزيز استقرار الاقتصاد ومواصلة الإصلاحات

العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)
TT

اليمن يُشدد على تعزيز استقرار الاقتصاد ومواصلة الإصلاحات

العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)

كرّس اجتماع حكومي مصغر، ترأسه رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» رشاد العليمي، بحضور عدد من أعضاء المجلس والقيادات الحكومية والاقتصادية، لمراجعة مستوى تنفيذ القرارات والإصلاحات الحكومية، في وقت تسعى فيه السلطات اليمنية إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، وسط تحديات مالية واقتصادية مستمرة.

وحسب الإعلام الرسمي، ناقش الاجتماع، الذي حضره عضوا «مجلس القيادة الرئاسي» سلطان العرادة، وسالم الخنبشي، ورئيس الوزراء ووزراء ومسؤولون اقتصاديون، مدى تنفيذ قرارات «مجلس القيادة الرئاسي»، وفي مقدمتها القرار رقم «11» لسنة 2025، إضافة إلى الالتزامات الحكومية المرتبطة بملفي صرف الرواتب واستدامة خدمة الكهرباء.

واستمع المجتمعون إلى إحاطات من رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي وعدد من الوزراء المعنيين حول الأداء المالي والاقتصادي، والتقدم المُحرز في برنامج الإصلاحات الحكومية، إلى جانب جهود تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل الإعلامي، وما وصف بأنه تنامٍ في ثقة الشركاء الدوليين بمؤسسات الدولة اليمنية.

وفي هذا السياق، توقف الاجتماع عند إعلان مجموعة البنك الدولي اعتماد إطار الشراكة القطرية الجديد لليمن للفترة 2026 - 2030، والموافقة على حزمة تمويلات جديدة بقيمة 285 مليون دولار، بوصفها مؤشراً على تحسن الثقة الدولية بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة، ودعماً لجهودها الرامية إلى تحسين الخدمات العامة وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

وجدد الاجتماع الحكومي اليمني المصغر، برئاسة العليمي، الإشادة بالدعم السعودي المقدم، لا سيما المنحة الجديدة الخاصة بالمشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، والبالغة قيمتها 150 مليون دولار، والتي عدّها المجتمعون عاملاً مهماً في تعزيز استقرار الخدمة الكهربائية خلال الفترة المقبلة.

وأكد رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني أن هذه المنحة جاءت في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تصاعد الطلب على الطاقة خلال أشهر الصيف، مشدداً على ضرورة الاستفادة المُثلى منها عبر خطة تشغيلية واضحة، تضمن رفع كفاءة الإنتاج والتحصيل وتحسين جاهزية المحطات الكهربائية.

كما رأى أن استمرار الدعم السعودي يعكس متانة الشراكة بين البلدين، ويُسهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، ودعم جهود التعافي الاقتصادي التي تقودها الحكومة.

وخلال الاجتماع، شدد العليمي على أن نجاح أي برنامج إصلاحي سيظل مرتبطاً بمدى انعكاسه المباشر على حياة المواطنين، وفي مقدمة ذلك انتظام صرف رواتب الموظفين، وتحسين أوضاعهم المعيشية، واستدامة الخدمات الأساسية.

وأكد أهمية إجراء تقييمات دورية لقياس أثر الإصلاحات الاقتصادية المتخذة، وما تحقق على صعيد تعزيز الإيرادات العامة، والحد من الهدر، ومكافحة التهريب والفساد، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، بما يُعزز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في مسار الإصلاح.

كما دعا إلى مواصلة العمل بروح الفريق الواحد، وتسريع تنفيذ الإجراءات الحكومية، مع التركيز على تعزيز الحوكمة والشفافية، وإطلاع الرأي العام بصورة منتظمة على النتائج المتحققة.

الكهرباء والإيرادات

وأقر الاجتماع -وفق ما ذكرته المصادر الرسمية- عدداً من الإجراءات الهادفة إلى الحد من أزمة الكهرباء، شملت تأمين إمدادات الوقود إلى العاصمة المؤقتة عدن، ودعم خطط زيادة القدرة التوليدية وفق الجداول الزمنية المحددة.

مسؤولون يمنيون حضروا اجتماعاً مصغراً للحكومة عبر الاتصال المرئي (سبأ)

كما ناقش المجتمعون مراجعة أداء المؤسسات الإيرادية بهدف رفع كفاءتها وتعزيز موارد الدولة، إلى جانب توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، واعتماد برنامج إعلامي حكومي يهدف إلى تعزيز الشفافية ودعم جهود مكافحة الفساد.

ويرى مراقبون أن التركيز الحكومي المتزايد على ملفات الإصلاح الاقتصادي والخدمات الأساسية يأتي في ظل ضغوط معيشية متفاقمة وتحديات مالية كبيرة، ما يجعل نجاح الإجراءات المعلنة مرهوناً بقدرة المؤسسات الحكومية على تحويل التعهدات والخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية.