كريس وايلدر... مدرب من المدرسة القديمة يقدم أفكاراً جديدة

المدير الفني لشيفيلد يونايتد بارع في الخطط الفنية وقادر على مواصلة التألق في الدوري الإنجليزي الممتاز

شيفيلد يونايتد انتزع تعادلاً مستحقاً أم مانشستر يونايتد (أ.ف.ب)  - وايلدر مميز في مساعدة لاعبيه على تقديم أفضل ما لديهم (رويترز)
شيفيلد يونايتد انتزع تعادلاً مستحقاً أم مانشستر يونايتد (أ.ف.ب) - وايلدر مميز في مساعدة لاعبيه على تقديم أفضل ما لديهم (رويترز)
TT

كريس وايلدر... مدرب من المدرسة القديمة يقدم أفكاراً جديدة

شيفيلد يونايتد انتزع تعادلاً مستحقاً أم مانشستر يونايتد (أ.ف.ب)  - وايلدر مميز في مساعدة لاعبيه على تقديم أفضل ما لديهم (رويترز)
شيفيلد يونايتد انتزع تعادلاً مستحقاً أم مانشستر يونايتد (أ.ف.ب) - وايلدر مميز في مساعدة لاعبيه على تقديم أفضل ما لديهم (رويترز)

قاد المدير الفني الإنجليزي كريس وايلدر نادي شيفيلد يونايتد، الصاعد حديثاً من دوري الدرجة الأولى، لاحتلال المركز السادس في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، متقدماً بمركزين عن نادي مانشستر يونايتد، الذي تعادل معه الأحد الماضي بثلاثة أهداف لكل فريق.
وبعد ثلاث سنوات على توليه قيادة شيفيلد يونايتد، والصعود به من دوري الدرجة الثانية إلى دوري الدرجة الأولى، ثم الدوري الإنجليزي الممتاز، كان وايلدر يجلس مع مجموعة صغيرة من المراسلين الذين جاءوا من أجل حضور المؤتمر الصحافي الأسبوعي الذي يعقده. ودخل وايلدر في دردشة مع صديقه القديم ستيف باركين، الذي يتولى الآن مساعد المدير الفني لنادي سندرلاند، والذي سأله ذات مرة: «كيف يمكن لنادٍ بهذا الحجم أن يهبط إلى دوري الدرجة الثانية؟».
وكان شيفيلد يونايتد يلعب في دوري الدرجة الثانية عندما تولى وايلدر قيادة الفريق في السنة التاسعة، لوجود النادي بعيداً عن الدوري الإنجليزي الممتاز. ومن بين أول الأشياء التي قام بها وايلدر فور توليه مهمة تدريب الفريق تمزيق شعارات تحفيزية كانت موجودة حول ملعب التدريب، على الرغم من أن كثيراً من المديرين الفنيين يرون أن هذه الأشياء قد تساعد اللاعبين كثيراً من الناحية النفسية.
وقد واجه المدير الفني البالغ من العمر 52 عاماً كثيراً من الصعوبات المالية في السابق، عندما كان يتولى تدريب ألفريتون وهاليفاكس، وفي وقت لاحق مع نادي نورثهامبتون، الذي لم يدفع له أجراً لمدة ثلاثة أشهر. ولم يتفاجأ وايلدر عندما حقق شيفيلد يونايتد نتائج جيدة للغاية في بداية الموسم الحالي للدوري الإنجليزي الممتاز، وقال عن ذلك: «من حيث عدد النقاط، فلا يوجد فرق كبير بين صاحب المركز الخامس وصاحب المركز الخامس عشر. لدينا بعض التحديات الصعبة في الفترة المقبلة».
وفي الوقت الحالي، يحظى وايلدر بإشادة كبيرة، ويصفه كثيرون بأنه المدير الفني الأكثر إبداعاً في النواحي الخططية والتكتيكية، بعد المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، على الرغم من أن التشكيلة الأساسية لفريقه في معظم المباريات تكون بالكامل من لاعبين إنجليز وآيرلنديين شاركوا مع النادي من قبل في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويعد المهاجم الفرنسي ليس موسيت عنصراً أجنبياً نادراً للغاية في تشكيلة الفريق، في حين كان القوام الأساسي للفريق من اللاعبين الذين تعاقد معهم النادي في صفقات انتقال حرة، أو تعاقد معهم بأسعار تقل عن مليون جنيه إسترليني.
يقول وايلدر عن ذلك: «عشرة لاعبين من التشكيلة الأساسية التي لعبت المباراة التي تعادلنا فيها مع توتنهام هوتسبير كانوا يلعبون معنا في دوري الدرجة الأولى الموسم الماضي. ولم يكن لدى كثير من لاعبي الفريق أي تجربة في الدوري الإنجليزي الممتاز قبل بداية الموسم الجاري في أغسطس (آب) الماضي»، ورغم ذلك نجح وايلدر في اللعب بخطة مبتكرة وفعالة للغاية، تعتمد في المقام الأول والأخير على تبادل الأدوار بين قلبي الدفاع، ونجح في تحقيق نتائج جيدة للغاية، ونال إشادة كثيرين، بما في ذلك المدير الفني الألماني يورغن كلوب، والمدير الفني لفريق ليدز الأرجنتيني مارسيلو بيلسا.
ومن الملاحظ أن وايلدر مميز للغاية في مساعدة لاعبيه على تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب رغم قلة الإمكانات، كما أنه يعتمد في الأساس على العمل الجاد والقوي في التدريبات بالشكل نفسه الذي يتميز به مديرون فنيون بارزون في عالم كرة القدم، مثل لويس فان غال ورافائيل بينيتيز.
ويعمل وايلدر، ومساعده ألان كنيل، على تحليل المباريات والخطط التكتيكية، مع تغيير الطريقة التي كان يلعب بها الفريق الموسم الماضي (3 - 4 - 1 - 2) قليلاً لتصبح دفاعية قليلاً في حال عدم الاستحواذ على الكرة إلى (3 - 5 – 2)، حتى يمنع لاعبي الفرق المنافسة من استغلال المساحات بين الخطوط.
يقول المدافع جون لوندسترام، الذي رفض إيفرتون التعاقد معه من قبل، والذي لعب في الدوريات الأربعة في كرة القدم الإنجليزية: «نحن نقوم بكثير من العمل فيما يتعلق بالخطط التكتيكية وشكل الفريق داخل الملعب. نركز كثيراً في التدريبات على نقل اللعب إلى أطراف الملعب، وعلى تبادل الأدوار بين اللاعبين، والقيام بجمل تكتيكية داخل الملعب بشكل صحيح. كما نعمل كثيراً على تحركات المهاجمين وتقدم لاعبي خط الوسط إلى منطقة جزاء الفريق المنافس».
ومن المؤكد أن الفريق قد استفاد كثيراً من حالة الانسجام بين اللاعبين، نظراً لأنهم يلعبون سوياً منذ فترة طويلة، ومنذ أن كان الفريق يلعب في دوري الدرجة الأولى، كما أن اللاعبين يجتمعون ويتحدثون سوياً بشكل يومي تقريباً، ويتناولون القهوة والعشاء سوياً. يقول لوندسترام: «إننا لا نفترق بعد نهاية التدريبات؛ حيث تجمعنا علاقة قوية للغاية، ونحن قريبون بعضنا من بعض، وهو الأمر الذي قد لا تراه كثيراً في كثير من الفرق الأخرى».
ومن المعروف أن وايلدر يعشق نادي شيفيلد يونايتد منذ نعومة أظافره، كما نشأ في منطقة ستوكسبريدج في شيفيلد، ولعب لنادي شيفيلد كظهير أيمن تحت قيادة المدير الفني ديف باسيت، ويتولى الآن تدريب الفريق الأول بالنادي الذي يعشقه.
يقول جورج بالدوك، الظهير الأيمن لنادي شيفيلد يونايتد: «المدير الفني يعشق هذا النادي ويخلص له بشكل استثنائي، فعندما يكون سعيداً فإنه سيخبرك بذلك؛ وإذا لم يكن سعيداً فسوف تعرف ذلك من تصرفاته. إذا حققنا نتائج جيدة وشعرنا بالسعادة الغامرة فإنه يعمل على إعادتنا إلى أرض الواقع حتى نواصل العمل بكل قوة وتواضع، وأعتقد أنه يمكن للجميع رؤية الإخلاص والرغبة والقتال في الأداء الذي نقدمه داخل الملعب».
ومن الواضح أن شخصية وايلدر لم تتغير بعد عمله في الدوري الإنجليزي الممتاز، ويتمتع بعلاقة جيدة للغاية بالمالك السابق للنادي، كيفن ماكابي، والمالك الحالي للنادي، الأمير السعودي عبد الله بن مساعد.
ويؤكد الجمهور الذي يتحدث معه وايلدر عن المباريات، أن المدير الفني الإنجليزي لديه قدرة فائقة على تحمل الضغوط؛ لكن وايلدر نفسه يؤكد على الدور الكبير الذي لعبه المدير الفني السابق لمانشستر يونايتد، السير أليكس فيرغسون، على مسيرته التدريبية. ويقول عن ذلك: «عندما كان السير أليكس فيرغسون يقود مانشستر يونايتد للفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز والبطولات الأوروبية، كان يستقطع جزءاً من وقته لمساعدة المديرين الفنيين الشباب أمثالي، وهو ما يظهر عظمة هذا الرجل. لقد اعتاد السير أليكس فيرغسون على الاتصال بي وإعطائي بعد النصائح، وقد اتصل بي هاتفياً في الليلة السابقة لمباراتنا في ملحق الصعود مع أوكسفورد أمام يورك في عام 2010، وقدم لي بعض النصائح التي ساعدتنا على تحقيق الفوز. أنا لا أعرف ما كان سيحدث لنادي أوكسفورد لو خسرنا في ذلك اليوم، أو ما كنت سأصل إليه الآن في حال الخسارة».
ورغم أن شيفيلد يونايتد استهل مسيرته في الدوري الإنجليزي الممتاز بشكل قوي؛ لكن وايلدر يشعر بأن لاعبيه لا يزالون يتحسسون الخطى ومن الممكن تحسن مستواهم بشكل أكبر مع اكتساب مزيد من الخبرة في دوري الأضواء. ورغم تواضع ميزانية الفريق فإن شيفيلد يونايتد أظهر نضجاً خططياً في المباريات الأخيرة، ويشترك مع ليفربول وليستر سيتي كأفضل فرق من الناحية الدفاعية في الدوري الممتاز.
وقال وايلدر: «لا يزال الفريق حديث عهد بدوري الأضواء. كان الفريق ينافس في الدرجة الثالثة. يجب أن أذكِّر الناس بهذا الأمر. لم نكن هذا الفريق القوي صاحب الميزانية الهائلة في الدرجة الثانية». وأضاف: «حققنا هذا الإنجاز في وقت قصير، ولا يزال اللاعبون يكتسبون الخبرة. لم نكن لنحقق تلك النتائج لولا أننا تأقلمنا بشكل جيد مع مواقف معينة؛ لكننا نتطلع إلى تحسين أداء اللاعبين على الجانبين الفردي والجماعي».


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عربية حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر (أ.ب)

حسام حسن: كرة القدم ليست مجرد لعبة بمصر

أكد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، سعادته بتمثيل الفراعنة في نهائيات كأس العالم 1990 لاعباً، مشيراً إلى أنه كان جزءاً من جيل صنع تاريخاً للكرة المصرية.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)
رياضة عالمية تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأنه تم توجيه اللاعبين للبقاء داخل المباني (أ.ب)

تحذير بوجود إعصار يُجبر لاعبي إنجلترا على الاحتماء داخل المباني

دوت صفارات الإنذار في مدينة كانساس سيتي التي يقيم بها المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم لكرة القدم للتحذير من وقوع إعصار.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.