مختارات الأجيال بين الإقصاء والتبشير

بعضها يمثل وجهة نظر فنية وآخر يخضع لاعتبارات آيديولوجية

حاتم الصكر - حسام السراي  - سهيل نجم
حاتم الصكر - حسام السراي - سهيل نجم
TT

مختارات الأجيال بين الإقصاء والتبشير

حاتم الصكر - حسام السراي  - سهيل نجم
حاتم الصكر - حسام السراي - سهيل نجم

حملت المختارات الشعرية روحاً تبشيرية، في معظمها وبالتحديد المختارات التي تخصُّ الحركات الشعرية، أو التي تُعنى بجيلٍ محددٍ دون غيره، وقد عُرفت في العراق العديد من المختارات، بعضها يخص الشعر العراقي بشكل عام مثل «مختارات الشعر العراقي الحديث» للدكتور محمد صابر عبيد عام 2002 التي انتصر فيها لمشروع الحداثة، ذلك أنَّه أخذ النصف الثاني من القرن العشرين ابتداءً بالسياب حتى آخر شاعر من الجيل التسعيني (الذين كانوا شباباً في ذلك الوقت)، فقد استبعد محمد صابر عبيد كل تجارب القصيدة العمودية ممثلةً في الجواهري، ومصطفى جمال الدين، وعبد الأمير الحصيري، ومحمد حسين آل ياسين وعشرات آخرين، إذ اكتفى بنصوص التفعيلة والنثر، وهذه المختارات تمثل وجهة نظر فنية، بخلاف المختارات التي تمثل وجهة نظر آيديولوجية، كما في مختارات «شعراء الطليعة العربية» التي تمثل الخط المؤدلج والثوري بعيداً عن فنية النصوص وجودتهن.
كذلك اجتهد المترجم والشاعر سهيل نجم في عمل مختارات شعرية سماها «القيثارة والقربان» 2017، ووضع عنواناً فرعياً لها، وهو الشعر العراقي منذ السبعينات حتى اليوم، وهذا العنوان الفرعي يحتم على صاحب المختارات بعضاً من الموضوعية التي افتقرت إليها تلك المختارات، حيث خضعت لمزاج صاحبها، وأنا شخصياً لا أميل كثيراً لشاعر يضع مختاراته، لأنّه سيضع تلك المختارات بمقاس مزاجه الشعري، ومن يخالفه سيُرمى خارج نافذة تلك المختارات، وهذا ما حصل مع «القيثارة والقربان»، التي حصرها بقصيدة النثر فقط، وبفهم صاحب الاختيارات للشعر، حيث يقول: «على وفق هذا الفهم للإنجاز الشعري الفني والتناول الثيماتي ومن خلال قراءات مطولة للعشرات من المجاميع الشعرية والنصوص المتناثرة وعلى مدى سنوات تم اختيارنا لهذه النصوص من دون أنْ تكون بأيدينا مسطرة هندسية نعتمد عليها بل اعتمدنا على قدرة النص في الجذب واكتنازه بالشعر». وهي جملة غائمة، إذ لا حدود واضحة لتلك المسطرة الشعرية التي حددها بالجذب والاكتناز الشعري، فما حدود ذلك الجذب؟ وما حجم الاكتناز الشعري ومقاسه؟ وحين نقلب صفحات المختارات البالغة 550 صفحة لا نجد إلا ستة شعراء اختار لهم نصوصاً من التفعيلة وهم (خليل الأسدي، وريم قيس كبة، وكاظم الحجاج، وعدنان الصائغ، وكزار حنتوش، ونبيل ياسين). وبهذا لا نستطيع أنْ نخرج بمشهد عريض وواضح عن الشعر العراقي منذ السبعينات حتى الآن، لانتهاجه وجهة واحدة وهي قصيدة النثر، لذلك كان على صاحب المختارات أنْ يكتب عنواناً فرعياً بدلاً من هذا العنوان، وهو (القيثارة والقربان -قصيدة النثر في العراق منذ السبعينات وحتى اليوم)، أولى وأجدى من وضع لافتة باسم الشعر العراقي كله، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه المختارات كوثيقة عن الشعر العراقي، إنَّما هي تمثل وجهة نظر صاحب المختارات ومزاجه الشعري، الذي يتقاطع مع كل شيء فيه إيقاع، سواء أكان عمودياً أو تفعيلة.
لكنَّ هناك مختارات أكثر دقة من هذه المختارات العامَّة، إذ شكَّل البعض منها إطلالة إمَّا على جيلٍ محددٍ، وإما على حركة فنية، وإما على مدرسة أدبية، وهذا ما حصل مع «مواجهات الصوت القادم» لحاتم الصكر، حيث كانت عبارة عن دراسة نقدية ومختارات من شعر الجيل السبعيني، فيما شكَّلت مختارات «الشعر العراقي الآن» من إعداد وتقديم فرج الحطاب وعباس اليوسفي، إطلالة على شعراء قصيدة النثر من الجيل التسعيني، بينما أخذت «تلويحة لأحلام ناجية» من إعداد وتقديم حسام السراي، منحى آخر، وهي مختارات لمجموعة شعرية لشعراء ما بعد 2003، وهي مقتصرة على تسعة شعراء فقط، وسأقف عند تلك المختارات للنظر بجديتها، وقراءة عناوينها العريضة ذات الروح التبشيرية.
إن «مواجهات الصوت القادم» 1986 كانت أشبه بالتبشير بشعراء الجيل السبعيني، حيث اشتمل ذلك الكتاب على مقدمة طويلة لحاتم الصكر، يتحدَّث فيها عن أهمية هذا الجيل ودخوله في صراع مع الجيل الستيني، وذلك من خلال العنوان الذي وضعه للكتاب، وهو «مواجهات»، بمعنى أن هذا الجيل سيواجه الأجيال التي سبقته، علماً بأنَّ الجيل السبعيني لم يُعرفْ عنه تمايزه عن تلك الأجيال، بل كان في معظمه صوتاً مشابهاً لأصوات الرواد، ولذلك يقول الصكر عنهم: «سجَّلنا لشعراء السبعينات زهدهم بالبحث عن أساليب جديدة، فهم غير منساقين وراء الهم الشكلي المحض، ولا يريدون ابتداع أشكال مغايرة كما أنَّهم ملتزمون بإيقاع الرواد... إن قصيدتهم لا تزال محافظة على الشكل الموروث... ولا يصنع أكثر الشباب جرأة في مجال الحداثة سوى أن يُسقط القافية من قصيدته برمتها، لكنَّه لا يخرج عن الإيقاع السائد، فهو يخضع لبناء البيت الشعري وينساق وراء وظيفة البيت التقليدية في القصيدة العربية». وقد شكّلت الدراسة النقدية في هذا الكتاب أكثر من ثلثيه، وما تبقى وهو أقل من ثلث الكتاب، جعله حاتم الصكر للمختارات الشعرية التي اختار من ذلك الجيل كلاً من الشعراء (خزعل الماجدي، وزاهر الجيزاني، وعدنان الصائغ، وسلام كاظم، ورعد عبد القادر، وهادي ياسين علي، وعلي الطائي، وصاحب الشاهر، وخليل الأسدي، وفيصل جاسم، وكمال سبتي، وجواد الحطاب، وعبد المطلب محمود). وقد خلا هذا الكتاب كعادة المختارات من الكثير من شعراء تلك المرحلة، أمثال (حميد قاسم، ومعد الجبوري، وساجدة الموسوي، ومرشد الزبيدي، وعبد الزهرة زكي، وعبد العظيم فنجان، وموفق محمد، وكاظم الحجاج، وشوقي عبد الأمير، وعيسى حسن الياسري) وعشرات آخرين أغفلتهم الدراسة والمختارات، دون أنْ يكون هناك مبرر لاستبعادهم، وبهذا فقد اعتمد الناقد حاتم الصكر على هؤلاء الشعراء فقط بوصفهم عينة للجيل السبعيني أو الوجه القادم لهذا الجيل.
فيما أخذت المختارات التي أعدها عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» 1998، مساراً مختلفاً، حيث اكتفى المعدَّان بالعنوان التبشيري العريض، ولكنهما لم يكتبا مقدمة تنظيرية بحجم العنوان الواسع، فهما يقولان إنَّ الشعر لا يحتاج إلى مقدمات، إذ إن الشعر مكتفٍ بنفسه كما يقولان، ومن ثم ذكرا بعض التفاصيل الفنية البسيطة من قبيل إنّ «هذه المجموعة من شعراء التسعينات يحمل كل واحد منهم تجربته ويمتلك بدوره بصمته الخاصة... إنَّ قِصر جملهم الشعرية وتكثيفها واعتماد الإدهاش والمفارقة وعنصر السخرية وكتابة المهمل من اليومي والمرئي.... يشكّل بمجمله سمات الكتابة الجديدة»، ومن ثمّ يذكران أنَّ هذا النموذج في هذه المختارات «هو نموذج خاص ومبتكر يختلف عن أي نموذج وعن أي تجربة شعرية سابقة، إنَّه نموذج لم يرثْه الشعراء، ولم يستورده أحد، بل صنعوه بكل تفاصيله وتشظياته». والحقيقة، حين نعاين هذه الجمل لا نستطيع أنّ نخرج برؤية نقدية عن تلك المرحلة، ولا يمكن الإمساك بهذه الجمل، وذلك لحجم الطاقة الإنشائية التي تحملها، إذ إنَّها خالية من التحديد، فما معنى أنَّ هذا النموذج خاص ومبتكر؟ أين وجه الخصوصية؟ وأين وجه الابتكار؟ وكيف يختلف عن كل التجارب السابقة؟ لم يحدد المعدِّان والمقدِّمان أي بوصلة نقدية لهذه النصوص، سوى جملٍ حماسية تبشِّر بمجموعة شعراء كانوا يعانون من ضيق النظام، ووطأة الحصار الشديدة، وقد أشارا بالفعل إلى هذه المسألة في نهاية المقدمة، حيث يقولان: «لقد كانت محاولة لممارسة الحرية، غير أنَّها كانت أشبه بعملية التنفس الاصطناعي».
بينما جاءت مختارات «تلويحة لأحلام ناجية» 2018 التي أعدها وقدَّمها الشاعر حسام السراي وقد وضع عنواناً فرعياً تحت العنوان العام سماه «شعرية عراقية جديدة» وهي تُعد -كما أظن- من أنضج المختارات التي قرأناها في العراق، وذلك لمستوى النضج النقدي والرؤيوي الذي اكتنفها، فلأول مرَّة في المختارات تكون هناك شهادات لكل شاعر وضع اسمه فيها، شهادة يتحدث فيها عن تجربته الشعرية، وعن الظروف المحيطة به، وعن مشكلات البلد، كما أنَّها اشتملت على مقدمة نقدية، تحدَّث صاحب المختارات فيها عن هذا الجيل الخارج بعد 2003، ذلك التاريخ المفصلي في حياة العراقيين، وقد حملت المقدمة حمولة ثقافية هي أقرب إلى السياسة وتحولاتها، من الثقافة وأثرها، إذ اكتنزت بالآراء السياسية والاجتماعية، فقد أدانت تلك المقدمة التجارب الشعرية التي سبقت هذه المختارات، إذ يقول حسام السراي: «الشيء الجوهري هنا أن هؤلاء الشعراء لم يضعوا مكياج الخديعة على الصورة البشعة للحرب». وقد أطلق حسام السراي النيران الصديقة على مجمل الأجيال التي سبقتهم، بحيث اتَّهم تلك الأجيال بأنَّها مرتهنة للسلطات، ومؤدلجة، ومتحزبة، وبأنَّ ذممهم تُباع «في مواسم شراء الذمم وتهييج الجمهور بقصائد يرتاح لها المصفقون لأنَّها ترفدهم بسموم الانقسام بحجة الدفاع عن المكونات أو المظلومين في الأمس أو المهمَّشين اليوم». وهنا إشارة واضحة إلى المظلومين بالأمس للشعراء الشيعة، والمهمشين اليوم للشعراء السنة، وربما لأول مرة تحدث مثل هذه الإشارات في الشعر العراقي لهكذا تقسيمات، ولكنْ لا يمكن تعميم هذه الوجهة على مجمل الأجيال التي سبقت أصحاب هذه المختارات.
إنَّ وجود شاعرٍ أو شاعرين ينتهجان الفكرة التي أثارها حسام السراي لا يعني أنَّ تلك الأجيال مرتهنة لهذا النمط من الفهم، الذي استثنى من هذه التفصيلة شعراء المختارات فقط، حيث يقول: «هذه المجموعة لم تفعل هذا كله بل فعله شعراء من أجيال أخرى»، ولكن المُلاحظ على هذه المختارات هو غياب الحديث عن التحولات الشعرية التي بشَّرت بها المختارات، واللَّافتة الفرعية التي أعلنتها «شعرية عراقية جديدة»، إذ هيمن حديث التحول السياسي والاجتماعي الذي عصف بالبلاد على كل التحولات الشعرية، التي هي جوهر هذه المختارات، فلم تؤشِّر المقدمة ولا الشعراء الذي كتبوا شهاداتهم الشعرية على أي تحولٍ في الشعرية العراقية الجديدة، ما عدا إشارات إنشائية لا يمكن الركون إليها نقدياً، حيث تقول المقدمة: «ربما هذه الفعالية هي الأولى في إطار تقديم هذه النخبة والإعلان عن ظهورها جماعة شعرية لا رابط بينها إلَّا في رغبة الاقتران بنمط جديد من الكتابة»، ولكن لم نعرف ما هذا النمط الجديد في الكتابة؟ هل هو نمط فني مغاير لم تعرفه الأجيال السابقة؟ أم هو نمط فكري جديد؟ لذلك فهذه الجملة عائمة وغير محددة وفيها روح تبشيرية عالية، أو طموح شعري أكثر مما هو فعل شعري، كما آمنت هذه المختارات بخيار «قصيدة النثر» دون غيرها من بقية الخيارات، ولكنهم لم يحددوا ما الجديد الذي أضافوه إلى قصيدة النثر؟ التي سبقتهم بخمسة عقود، إذ اكتفوا بالرؤية السسيوثقافية دون الغوص بالتحول الجمالي على مستوى الشكل والأداء، كما أن شهادات الشعراء، أو كما سماها حسام السراي «بياناتهم الشعرية»، في هذه المختارات، لم تحتوِ على خزينهم الثقافي ومنطلقاتهم الشعرية ومرجعياتهم الثقافية، ومع كل ملاحظاتنا على التلويحة، إلا أنها -كما أظن- واحدة من أهم المختارات الشعرية في العراق على ضوء المقدمة السسيوثقافية التي حملتها وعلى ضوء شهادات الشعراء الخاصة بهم وخيارهم الفني في الكتابة.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.