بيرنلي خالف التوقعات وحقق نجاحاً كبيراً في الدوري الإنجليزي الممتاز

النادي الذي ينتمي لبلدة صغيرة ويمتلكه رجل الأعمال الأقل ثراءً أصبح نموذجاً يحتذى به

شون دايك نجح في إبقاء بيرنلي بين فرق الممتاز رغم الميزانية المحدودة
شون دايك نجح في إبقاء بيرنلي بين فرق الممتاز رغم الميزانية المحدودة
TT

بيرنلي خالف التوقعات وحقق نجاحاً كبيراً في الدوري الإنجليزي الممتاز

شون دايك نجح في إبقاء بيرنلي بين فرق الممتاز رغم الميزانية المحدودة
شون دايك نجح في إبقاء بيرنلي بين فرق الممتاز رغم الميزانية المحدودة

قال المدير الفني الإنجليزي شون دايك، الذي سيحتفل بالذكرى السابعة لتوليه قيادة نادي بيرنلي يوم الأربعاء المقبل: «قبل عدة سنوات كنت أقول لنفسي... هل يدرك أي شخص ضخامة الإنجاز الذي حققه هذا النادي الآن؟ لكنني في الحقيقة لست مهتماً بهذا الأمر حالياً، نظراً لأن العاملين بالنادي واللاعبين ومجلس الإدارة والرئيس التنفيذي يعرفون جيداً ما الذي نقوم به، وأعتقد أن الأمر ينطبق على المشجعين أيضاً، وهؤلاء هم الأطراف المهمة في هذه المعادلة. إننا نعمل بكل قوة وبكل أمانة». ويجب الإشارة إلى أن الصفات التي يبدو أنه قد عفا عليها الزمن وسط أندية النخبة في الدوري الإنجليزي الممتاز هي التي جعلت بيرنلي نادياً يحتذى به.
وقد جاء كل من ستيفان بلاخ، وكاميلو غيرا، وبرنارد براسيور، ولورانت تيتوكس من الخارج - فرنسي وإسباني واثنان من بلجيكا - لمشاهدة مباراة بيرنلي أمام إيفرتون في الدوري الإنجليزي الممتاز. ويعمل هؤلاء الأربعة معاً في لوكسمبورغ، ويشاهدون مباراتين في الدوري الإنجليزي الممتاز في أسبوع واحد كل عام، واختاروا مشاهدة مبارتين لبيرنلي للموسم الثاني على التوالي، لأنهم يصرون على أن الأجواء داخل ملعب «تيرف مور» هي الأفضل من بين معظم الملاعب الأخرى التي قاموا بزيارتها. ونظراً لأنهم يحبون مقهى «رويال دايك»، التي أُعيدت تسميتها لتصبح على اسم المدير الفني شون دايك العام الماضي بعد أن تحولت مزحة حول الاحتفال بالمدير الفني الإنجليزي إذا نجح في قيادة النادي للمشاركة في البطولات الأوروبية، إلى حقيقة.
في الحقيقة، لا يوجد شرف أكبر لهذا الرجل من أن تزين صورته جدران المقهى وأن يوجد توقيعه، الذي يشبه توقيع الملك هنري الثامن، فوق الباب، بل وتم نحته على جذع شجرة في إحدى الحدائق. يقول غيرا: «لا أعتقد أننا كنا سنسمع عن بيرنلي إذا لم يكن النادي يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز. لقد ذهبنا إلى لندن لبضع سنوات، ثم إلى مدينة مانشستر، ومن هناك اكتشفنا بيرنلي. الأجواء مدهشة هنا، والناس ودودون للغاية».
وقضى الزائرون الأربعة عطلة نهاية الأسبوع في مانشستر، حيث شاهدوا المباراة التي خسرها مانشستر سيتي على ملعبه أمام وولفرهامبتون واندررز، بعد يوم واحد من فوز بيرنلي على إيفرتون بهدف من توقيع جيف هندريك، وهو الفوز الذي جعل الفريق يحتل المركز الرابع في جدول ترتيب أغنى دوري في العالم. من المؤكد أن مدينة بيرنلي لا يمكنها أن تنافس مانشستر أو ليفربول كقوة جذب للسائحين من عشاق كرة القدم، ولا تنظر إلى نفسها على هذا النحو، كما أن وسط المدينة يتسم بالهدوء النسبي. ومع ذلك، يستمر هذا النادي في الازدهار والتطور، وليس مجرد البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وقد تم إعادة بناء مجمع «بارنفيلد» التدريبي، والذي كانت ملاعبه عرضة ذات مرة للفيضانات، وأصبح ينافس كبرى المنشآت الرياضية في القرن الحادي والعشرين بتكلفة تزيد عن 10 ملايين جنيه إسترليني. وأظهرت أحدث حسابات منشورة للنادي، لموسم 2017 - 2018. ربحاً قياسياً قدره 45 مليون جنيه إسترليني، في الوقت الذي لا توجد فيه قروض مستحقة للبنوك. وبلغت دورة رأس المال بالنادي 139 مليون جنيه إسترليني، ليحتل النادي المرتبة الثالثة عشرة بين أندية الدوري الإنجليزي الممتاز في هذا الصدد، لكن لم يكن هناك سوى ناديين فقط بفاتورة أجور أقل من فاتورة أجور بيرنلي التي تصل إلى 82 مليون جنيه إسترليني. وقد زادت الأجور منذ ذلك الحين، لكن لكي تتقدم في بطولة تصل فيها دورة رأس المال وفاتورة الرواتب في نادي مانشستر يونايتد إلى 590 مليون جنيه إسترليني و296 مليون جنيه إسترليني على التوالي في موسم 2017 - 2018، وأن ينجح بيرنلي في القيام بذلك على مدار أربعة مواسم، يعد بمثابة دليل على دقة التخطيط واتخاذ القرارات من قبل شون دايك ومجلس إدارة بيرنلي.
يقول مايك غارليك، رئيس مجلس إدارة نادي بيرنلي: «الشيء الرئيسي الذي يجب أن يتوفر في رئيس النادي هو قدرته على اختيار المدير الفني المناسب للفريق. وإذا فعلت ذلك فستكون قد قطعت نصف الطريق نحو النجاح على الأقل. لقد كان شون دايك عنصراً أساسياً في النجاح الذي حققه الفريق. لقد كان لدينا إيدي هاو (مدرب بورنموث حالياً) قبل ذلك، لكن موقع النادي لم يكن مناسبا لإيدي وعائلته، لذلك لم تسر الأمور معه على ما يرام، رغم أنه مدير فني عظيم».
ويتحدث غارليك من مكتب لندن في شركة «مايكل بيلي أسوشيتس غروب»، وهي شركة استشارية لإدارة مشاريع القوى العاملة أسسها عام 1989 ويقودها الآن كرئيس تنفيذي. وقد نشأ غارليك في مدينة بيرنلي، كما أن معظم زملائه المديرين من نفس المنطقة، وهو ما يعني أن هذا النادي قد نجح بسواعد أبناء هذه المدينة.
يقول رئيس بيرنلي: «لقد ولدت في هذه المدينة، على بُعد نحو 400 متر من النادي. وذهبت إلى المدرسة هناك، ثم ذهبت إلى الجامعة وانتقلت بعد ذلك إلى لندن للبحث عن فرصة. عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، أخبرت والدي بأنني أريد أن أكون رئيساً لنادي بيرنلي في يوم من الأيام، وقال لي إن ذلك يتطلب أن أعمل بكل قوة. لقد كنت أطمح دائماً لتولي هذا المنصب، وكان هذا هو حلم حياتي. أعتقد أن أحد الأسباب وراء قيامنا بعمل جيد هو أنني والمديرون الآخرون جميعاً من نفس المدينة، ولذلك نهتم كثيراً بها وبالنادي. نحن لا نعمل في النادي من أجل الحصول على راتب، حيث لا يحصل أي مدير على أي مبالغ مالية، وكل ما في الأمر هو أن النادي يتكفل بتكاليف الإقامة في أحد الفنادق لمدة ليلة».
ويضيف: «إنني أقول وبكل فخر إنني المالك الأكثر فقراً في الدوري الإنجليزي الممتاز. ومن الواضح أن جميع الملاك الآخرين من أصحاب الملايين! لكنني فخور بذلك وبما حققناه لأننا بذلنا أقصى ما في وسعنا داخل وخارج الملعب حتى نظهر بهذا الشكل. ويعني هذا العمل بذكاء في سوق انتقالات اللاعبين والبحث عن لاعبين يقدمون القيمة الحقيقية - وإذا لم نر هذه القيمة فلن نشتري هذا اللاعب. يؤدي ذلك أحياناً إلى رفع توقعات المشجعين فيما يتعلق بنتائج الفريق، لكن يتعين علينا أن نبحث عن القيمة في أي شيء نقوم به».
ويتابع: «قد نرى أن لاعباً شاباً يمكن أن يقدم إضافة قوية للنادي، ويمكننا أن نبيع اللاعب من أجل تحقيق أرباح أو أن نتعاقد مع لاعب كبير في السن لأننا نعتقد أنه يقدم الإضافة للفريق في الوقت الحالي. كل ما يمكننا فعله هو التعامل في حدود إمكانياتنا. لم نعد الفريق الذي لديه أقل ميزانية في الدوري الإنجليزي الممتاز بعد الآن - الأندية الأخرى التي صعدت حديثاً للدوري الإنجليزي الممتاز لديها ميزانيات أقل هذا الموسم - لكنها بالتأكيد لا توجد في النصف الأعلى من جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز. لا يمكنني الخوض في تفاصيل حقيقية، لكن قد يكون لدينا أفضل لائحة للمكافآت في الدوري، من حيث البقاء في الدوري الممتاز واحتلال مراكز أفضل في المسابقة. إننا نساعد لاعبينا على تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب، وإذا قاموا بذلك فإنهم يستحقون الحصول على المكافآت».
ويرفض غارليك فكرة أن بيرنلي قد ثبت نفسه بقوة في الدوري الإنجليزي الممتاز، ويقول: «إننا لا نفكر بهذه الطريقة». لكن رئيس النادي والمدير الفني للفريق يصران بوضوح على ما وصفه دايك بـ«ضرورة القيام بتحسينات إضافية» في بطولة تشهد منافسة شرسة للغاية.
ويقول رئيس بيرنلي: «الأولوية الأولى كانت تتمثل في تطوير ملعب التدريب، أما الأولوية رقم اثنين فهي على الأرجح توسيع مرافق النادي ومدرجاته لأن هناك قائمة انتظار طويلة. وتتمثل إحدى الخطط على المدى المتوسط في بناء المزيد من المساحات المخصصة للمسؤولين التنفيذيين في ملعب الفريق، لأننا لا نملك ما يكفي لتلبية الطلب. تذاكر المباريات تنفد قبل بداية كل مباراة. وربما يتعين علينا تجديد أو إعادة بناء بعض المدرجات، لأن بعضها أصبح قديماً للغاية الآن، لكننا سنقوم بهذا الأمر بصورة تدريجية. يجب أن يكون الوقت مناسباً لنا، لكننا سنقوم بذلك بشكل بطيء».
وكان أحد الانتقادات التي وجهها الجمهور لمجلس إدارة نادي بيرنلي يتعلق بإنفاق النادي على التعاقدات الجديدة في سوق انتقالات اللاعبين - أو في الواقع عدم الإنفاق على التعاقدات الجديدة - إذ يعد كريس وود وبن غيبسون هما أغلى صفقتين في تاريخ النادي بـ15 مليون جنيه إسترليني لكل منهما. ويعترف دايك نفسه بوجود مشكلة في هذا الصدد، قائلاً: «لا تزال هناك تحديات لأنه يتعين علينا إعادة النظر في السياسة المالية لأن المنافسة أصبحت أقوى منا من الناحية المالية. إنه تحد مستمر، لكن إذا نظرت إليه على الورق، حول كيفية التخطيط لفترة ناجحة، فأعتقد أننا نموذج جيد لمن يرغب في بناء شيء ما».
ويضيف: «لقد رأينا العديد من الأندية المحلية التي واجهتها أوقات عصيبة - مثل بولتون واندررز، وبيري، وحتى بلاكبيرن إلى حد ما. لا يرغب المشجعون في أن يحدث ذلك لنادينا، لذلك أعتقد أنهم يقدرون النهج المنطقي الذي نتبعه. لكن المشجعين يريدون في النهاية الفوز بالبطولات والألقاب. أنا مشجع في الأساس وأفهم هذا الأمر جيداً. المديرون الفنيون يرغبون أيضاً في إنفاق الكثير على التعاقد مع لاعبين جدد لأن لديهم طموح لأنفسهم وللنادي. لكن يتعين علينا أن نكون واقعيين، وهذا هو كل ما في الأمر».
ويتابع: «نحن نادٍ قوي الآن، ونحقق أرباحاً وجيدين من الناحية المالية، وبالتالي فإن السؤال المنطقي هو: لماذا لا يستطيع أي شخص القيام بذلك؟ أعتقد أن الأمر يتعلق فقط بمبادئك الأساسية وعدم التراجع عنها، واتخاذ جميع القرارات الأساسية، مثل تعيين المدير الفني، بشكل صحيح، والتعاقد مع اللاعبين الذين يناسبون الفريق. أعتقد أن نادي شيفيلد يونايتد كان جيداً للغاية خلال السنوات القليلة الماضية. ونفس الأمر ينطبق على نوريتش سيتي، رغم أنه لم ينفق الكثير من الأموال. وقدم هيدرسفيلد تاون مستويات جيدة، وبالتالي فمن الممكن تكوين فريق جيد إذا التزمت بالأشياء التي أشرت إليها سابقاً».
ويملك دايك استراتيجية بالاعتماد على اللاعبين الإنجليزي ويرى أن سياسته لن تتغير على الأرجح.
وخلال الموسم الماضي حقق الفريق نجاحاً لافتاً في ظهوره الرابع على التوالي في الدوري الممتاز بتشكيلة أساسية ضمت 9 لاعبين إنجليز، إضافة للاعب آيرلندي وآخر من نيوزيلندا.
ويعتقد دايك أن نظرية الاستثمار في اللاعبين الأوروبيين باعتبارها الطريق المباشر نحو النجاح تمثل فكراً معيباً، ويقول: «ليس عليك إلا أن تمعن النظر الموسم الماضي للأندية التي أنفقت بقوة على الصعيد الأوروبي وهبطت».
وأعرب شون دايك عن سعادته بالتطور الذي يسير عليه الفريق ورشح لاعبيه جيمس تاركوفسكي وبن مي ثنائي قلب الدفاع للانضمام لتشكيلة منتخب إنجلترا.
وكان دايك قد أبدي استغرابه لعدم استدعاء غاريث ساوثغيت مدرب إنجلترا للاعبيه في فترة التوقف الأخيرة لمواجهة منتخبي التشيك وبلغاريا.
ولم يلعب تاركوفسكي مع منتخب إنجلترا منذ مشاركته مرتين العام الماضي، بينما لم يلعب مي، الذي لعب سابقاً في صفوف منتخب إنجلترا للشباب، ضمن صفوف المنتخب الأول.
وقال دايك: «لا أريد التدخل. غاريث لا يمكن أن يضم الجميع. أنا مندهش نظراً للأداء الجيد الذي قدمه تاركوفسكي ومندهش لعدم ضم بن مي على مدار العامين الماضيين. هناك أسباب مختلفة بالنسبة للمدربين لتفضيل لاعبين آخرين وأنا
أحترم ذلك. وليس من وظيفتي اختيار تشكيلة منتخب إنجلترا. لكن في رأيي أن تاركوفسكي أو بن مي يستحقان مكاناً بالمنتخب».
وتتصدر إنجلترا مجموعتها برصيد 12 نقطة من أربع مباريات، متفوقة على المنتخب التشيكي الذي يملك تسع نقاط من خمس مباريات بينما تتذيل بلغاريا الترتيب برصيد نقطتين.
وبالعودة مرة أخرى إلى مقهى «رويال دايك»، حيث تقول جوستين لوريمان، المسؤولة عن إدارة المقهى ومشجعة لنادي بيرنلي منذ الصغر وسبق وأن سافرت لمتابعة المباريات الثلاثة التي خاضها الفريق في تصفيات الدوري الأوروبي الشهر الماضي: «عندما يفوز بيرنلي ويقدم أداءً جيداً، فإن ذلك يكون له تأثير كبير على معنويات المدينة بأكملها. وفي الوقت الحالي، يبلي بيرنلي بلاءً حسناً في الدوري الإنجليزي الممتاز، ويدرك الناس ذلك الآن عندما يسافرون خارج المدينة. لقد ارتديت قميص بيرنلي وأنا في الفلبين وعرفه عدة أشخاص. إن الفوز على الأندية الكبرى مثل تشيلسي يساعدك على أن تكون معروفاً بالخارج»، وتضيف: «لقد كان لدينا هنا عدد قليل من مشجعي نادي نوريتش سيتي وقد أشادوا بما نقوم به. لقد أكدوا على أننا أصبحنا نمثل قدوة لهم، وأننا النادي الذي يتطلعون إلى أن يكونوا مثله، وكان هذا شيئاً لطيفاً في حقيقة الأمر. صحيح أن البعض يقول إن فريقنا يعتمد على الكرات الطولية ولا يقدم كرة قدم جميلة، وصحيح أن البعض لا يحبون شون دايك، لكن النقطة الأساسية هي أننا ما زلنا نلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز ونقدم مستويات جيدة منذ أربع سنوات. يعني ذلك بالتأكيد أننا نسير على الطريق الصحيح، وهو ما جعلنا بمثابة نموذج للأندية التي تنتمي إلى المدن الصغيرة».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.