داني سيبايوس: تجاهل زيدان لي كاد ينهي مسيرتي الكروية مبكراً

لاعب «المدفعجية» المعار من «النادي الملكي» يؤكد أنه لم يلحظ أي فارق بين آرسنال وريال مدريد

سيبايوس أشاد بقوة فريق ليفربول
سيبايوس أشاد بقوة فريق ليفربول
TT

داني سيبايوس: تجاهل زيدان لي كاد ينهي مسيرتي الكروية مبكراً

سيبايوس أشاد بقوة فريق ليفربول
سيبايوس أشاد بقوة فريق ليفربول

كان جمهور آرسنال الإنجليزي يعرف أن نجم خط الوسط الإسباني داني سيبايوس لاعب جيد، أو هكذا كانوا يتمنون، خاصة أنه قادم من نادٍ كبير بحجم ريال مدريد، لكن الشيء المؤكد هو أن أي لاعب لا يرحل عن فريقه إلا إذا كان هناك أشخاص داخل هذا النادي يريدون ذلك! لكن خلال المباريات القليلة التي لعبها مع «المدفعجية» حتى الآن في الموسم الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز، صنع سيبايوس هدفين وقدم بعض اللمسات السحرية التي تثبت أنه يمتلك قدرات وفنيات هائلة، وكان أكثر لاعبي آرسنال قياماً بالمراوغات الناجحة، وهو ما جعل جمهور آرسنال يتغنى باسمه في المدرجات.
يقول اللاعب الإسباني عن ذلك: «أنا ممتن للغاية. لقد تغنى الجمهور باسمي في أول يوم لي مع النادي، وشعرت وكأنني ألعب في إنجلترا منذ عشر سنوات». وقد عاد سيبايوس إلى إسبانيا للانضمام إلى معسكر المنتخب الإسباني، وكان يجلس تحت أشعة الشمس في لاس روزاس، المقر الرئيسي للمنتخب الوطني، بعد مرور 20 يوماً على فوز آرسنال على بيرنلي، وهي الفترة التي شهدت تذكيره مرتين بأن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود مع آرسنال - فخلال مباراة آرسنال أمام ليفربول على ملعب «آنفيلد» كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، كما خرج من التشكيلة الأساسية وجلس على مقاعد البدلاء في ديربي شمال لندن أمام توتنهام هوتسبير.
يقول سيبايوس عن ذلك: «أنا أحب المدينة وأحب الدوري الإنجليزي الممتاز وأحب آرسنال، وأنا سعيد للغاية لكوني جزءاً من هذا النادي الرائع. في الحقيقة، لم ألحظ أي فرق يذكر في الحجم بين ريال مدريد وآرسنال. والمشجعون متحمسون للغاية ويحبون اللاعبين كثيراً. من السهل للغاية التكيف مع الأمور هنا، لأنهم يجعلونك تشعر وكأنك ستكون داخل هذا النادي إلى الأبد. إنني أحب الطريقة التي عاملني بها الجميع هنا، وقد وضعوا الكثير من الثقة بي».
وكما هو الحال مع جناح آرسنال السابق خوسيه أنطونيو رييس، ولد سيبايوس في بلدة أوتريرا، وكان والداه يبيعان وجبات الطعام الخفيفة على سيارة متنقلة بينما كان هو يلعب كرة القدم. ويقول سيبايوس عن المكان الذي ولد فيه: «إنها بلدة صغيرة ومتواضعة». انضم سيبايوس إلى نادي إشبيلية وهو في الثامنة من عمره، لكن النادي تخلى عن خدماته عندما بلغ الثالثة عشرة، ثم انتقل إلى ريال بيتيس وهو في السابعة عشرة. وفي اليوم الذي خضع فيه للاختبار، تم استبداله مبكراً بعدما رأى مسؤولو النادي أنه من الأفضل إخراجه من المباراة حتى لا يلفت أنظار مسؤولي ريال مدريد وبرشلونة!
وبالفعل بدأ الناديان العملاقان يتنافسان على ضم سيبايوس عندما بلغ العشرين من عمره، واستطاع النادي الملكي الفوز بخدماته في نهاية المطاف. لكن هذه الخطوة لم تكلل بالنجاح حتى الآن، لذلك صمم اللاعب على الرحيل إلى آرسنال على سبيل الإعارة من أجل المشاركة في المباريات وإثبات قدراته. ولم يحصل سيبايوس على الكثير من الفرص مع ريال مدريد تحت قيادة المدير الفني الفرنسي زين الدين زيدان، حيث لم يشارك سوى في 16 في المائة فقط من المباريات خلال الموسم الأول لزيدان مع الفريق الملكي. وقال سيبايوس عن ذلك في حديث لراديو ماركا: «تأتي عليك بعض الأوقات التي ترى فيها أن الأمور باتت مستحيلة: لقد كان الفريق يفقد خدمات توني كروز ولوكا مودريتش معاً بسبب الإصابة في بعض الأوقات، وكان زيدان يغير خطة اللعب تماماً من أجل الدفع بلاعبين آخرين، ولم يفكر في الدفع بي».
وقد اعترف سيبايوس بأنه لو كان زيدان قد استمر مع ريال مدريد ولم يرحل بعد ولايته الأولى، فإنه كان سيرحل عن صفوف الفريق. لكن بعد ستة أشهر من هذه التصريحات، عاد زيدان مرة أخرى لتولي قيادة الفريق. وقد شارك سيبايوس في التشكيلة الأساسية لريال مدريد في مباراة واحدة من بين 11 مباراة تولى خلالها زيدان قيادة الفريق بعد عودته مرة أخرى، لذا استعان سيبايوس بمدرب شخصي يساعده على تطوير مستواه حتى لا يتأثر كثيراً بسبب عدم المشاركة في المباريات. وقال إنه شعر في بعض الأحيان أن تجاهل زيدان له كاد ينهي مسيرته الكروية.
وخلال الصيف الجاري، قام زيدان بمحاولة صغيرة لإقناعه بالبقاء، ويقول سيبايوس عن ذلك: «يتعين عليك أن تتحلى بالواقعية، فعدد الساعات التي لعبتها مع آرسنال حتى الآن لم ألعب مثلها مع ريال مدريد على مدار عامين كاملين! إنني لم ألعب كثيراً، لكن من المؤكد أيضاً أنني عندما أشارك لا أقدم أفضل ما لدي، ويعود الأمر في ذلك إلى فقدان الثقة، لكن يتعين على اللاعب أن ينتقد نفسه ويعمل على تطوير مستواه بشكل مستمر».
ومنذ أول يوم لسيبايوس في ملعب «الإمارات»، أدرك جمهور آرسنال أن هذا اللاعب يجب أن يبقى مع الفريق ولا يرحل بعد نهاية فترة الإعارة، حتى لو شكك البعض في قدرات اللاعب بسبب عدم تقديمه للأداء المتوقع بعد ذلك. لقد خسر آرسنال أمام ليفربول، وفي مباراة الفريق أمام توتنهام هوتسبير لم يشارك سيبايوس في التشكيلة الأساسية وكان يجلس على مقاعد البدلاء، وهو ما أثار العديد من الأسئلة حول التوازن بين الدفاع والهجوم في آرسنال وكيفية الدفع بلاعب مثل سيبايوس بالشكل الذي لا يؤثر على النواحي الدفاعية للفريق.
لقد أظهر سيبايوس خلال الفترة التي لعبها أنه يمتلك أسلوباً مميزاً ويلعب بحرية كبيرة داخل الملعب، ويمتلك موهبة كبيرة لا يمكن لأحد أن يتجاهلها، كما يؤكد سيبايوس على أنه ما زال في مرحلة التأقلم والتكيف مع الفريق ومع بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز ككل. ويرى سيبايوس أن المباراة التي خسرها آرسنال أمام ليفربول كانت بمثابة درس كبير يتعين على الفريق الاستفادة منه، قائلاً: «لم أرَ في حياتي شيئاً مثل الذي رأيته على ملعب آنفيلد، فلم أرَ فريقاً يلعب بشكل أفضل من هذا، ولا فريقاً يضغط بهذا الشكل، ولا مشجعين يؤازرون فريقهم بهذه الطريقة». وأضاف: «إنهم يجعلونك تشعر بأنهم يسحبون الهواء من حولك. إنك تقضي الكثير من الوقت في الدفاع، وعندما تريد أن تفعل شيئاً عندما تستحوذ على الكرة وتريد أن تتنفس، فإنهم يعودون للإجهاز عليك. إنه فريق منظم للغاية».
وعما إذا كان المدير الفني لآرسنال، أوناي إيمري، يسعى لمحاكاة ما يقوم به ليفربول، قال سيبايوس: «لا يمكننا المقارنة بين الناديين في الوقت الحالي، فنحن نعمل على بعض الأشياء المماثلة، لكن يورغن كلوب يتولى قيادة ليفربول منذ عام 2015. أما أوناي إيمري فلم يأت إلا الموسم الماضي. وكان آرسنال على بُعد نقطة واحدة من احتلال أحد المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، كما كان على وشك الحصول على بطولة الدوري الأوروبي، وهو ما يعني أن إيمري يقوم بعمل جيد. وفي غضون بضع سنوات، سيكون آرسنال ضمن أفضل 10 أندية على مستوى العالم وسينافس على كل البطولات».
وأضاف: «لدينا فريق جيد ومتماسك للغاية، كما أن الثلاثي الأمامي يصنع الفارق دائماً. ويمكننا أن نشبه بيير إيمريك أوباميانغ بالنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو خلال الفترة التي كان فيها في ريال مدريد من حيث اللعب بالقرب من المرمى من أجل إحراز الأهداف. إنه لاعب مهم للغاية بالنسبة لنا، كما أن نيكولاس بيبي يلعب بشكل مباشر على مرمى الفرق المنافسة. وبالنسبة لي، أرى أن ألكسندر لاكازيت هو أفضل لاعب، فهو قادر على قراءة المباريات بشكل رائع، وعندما يكون في كامل لياقته الذهنية والبدنية فإنه يقدم لنا الكثير».
يقول سيبايوس وهو يضحك: «عندما يكون جميع اللاعبين في حالة جيدة، فإن ذلك يسبب صداعاً في رأس المدير الفني بسبب الحيرة في اختيار التشكيلة الأساسية. ولا أعتقد أن المدير الفني قد كرر نفس التشكيلة الأساسية في المباريات التي لعبها الفريق هذا الموسم، وهو ما يعني أنه لا يوجد لاعب يضمن مكانه في التشكيلة الأساسية. وفي مباراتنا أمام توتنهام هوتسبير، جلست أنا على مقاعد البدلاء وكنت أفهم الدور الذي يتعين علي القيام به عند نزولي أرض الملعب».
ويضيف: «إيمري يعرفني جيداً، ويريد مني أن أظهر شخصيتي داخل الملعب وأن أظهر رغبتي في التعلم، خاصة أنني ما زلت صغيراً في السن. أنا أعشق كرة القدم، ويمكنني أن ألعب صانع ألعاب أو محور ارتكاز، لكنني أشعر بالمسؤولية لقيادة الفريق داخل الملعب وأن أطلب الكرة في المواقف الصعبة ولا أختبئ، حتى يمكنني مساعدة الفريق على اللعب، وهذا هو الفارق الرئيسي بين اللاعب الجيد وغير الجيد. يتعين على اللاعب الجيد أن يظهر عندما يكون الفريق في أشد الحاجة إليه».
ويتابع: «أحاول أن ألعب وأنا سعيد، حتى يمكنني أن أقدم أفضل ما لدي وأستمتع بما أقوم به. إننا فريق يحب الاستحواذ على الكرة، لذلك فأنا أشعر بالراحة هنا. وأعتقد أن الجمهور سيرى أفضل ما لدي خلال النصف الثاني من الموسم». ويقول سيبايوس: «أنا أحاول دائماً الوصول إلى مرمى الفريق المنافس وأن أصنع الفارق لمصلحة فريقي. صحيح أن الرغبة الدائمة في الحصول على الكرة تجعلني أقدم أفضل ما لدي، لكنها قد تجعلني أخطئ في التمركز داخل الملعب في بعض الأحيان. وأعتقد أنه يمكنني التحسن بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل الخبرات التي اكتسبتها بالفعل. من الواضح أن أوناي إيمري يثق كثيراً في قدراتي، فهو الشخص الذي اتصل بي وطلب مني الانضمام إلى آرسنال، ويؤمن بأنني قادر على القيام بدور فعال وبارز مع الفريق، وأنا أحب طريقته في التدريب كثيراً».
ويضيف: «في الحقيقة، لقد فوجئت بطريقة عمله وشعرت بسعادة كبيرة. عندما تحصل على ثقة المدير الفني، يكون من السهل للغاية عليك أن تقدم أداء أفضل، وأنا ممتن للغاية لأوناي إيمري وأريد أن أرد له الدين. لاعبو كرة القدم لديهم مشاعر وأحاسيس مثل باقي البشر، ونشعر بالإحباط في بعض الأوقات، لكن يتعين علينا أن نكون أقوياء من الناحية الذهنية. وسأكون كاذباً لو قلت شيئاً غير ذلك».
ويتابع: «عندما تعرف أن المدير الفني يثق بك فهذا يساعدك بنسبة 60 في المائة على تقديم أفضل ما لديك. وعندما تعرف أن المدير الفني سيدعمك إذا ارتكبت خطأ فإن ذلك يساعدك كثيراً. أنا لم ألعب مع الفريق إلا أسابيع قليلة فقط، وبالتالي من المبكر للغاية أن أحكم على الأمور الآن، لكن ما رأيته يجعلني أقول إن هذه هي أقوى مسابقة في العالم من حيث التنافسية والقوة البدنية. هذه هي أفضل بطولة وتتطلب لاعبين بقدرات وإمكانيات خاصة، ويتعين علي أن أتكيف مع هذا الوضع».
ويقول سيبايوس أيضاً إنه قادر على التكيف مع الطقس البارد في لندن. وعندما قلت له إنه من السهل أن يقول ذلك في شهري أغسطس (آب) أو سبتمبر (أيلول) حيث تكون فيهما درجة الحرارة مرتفعة، وأنه يتعين علينا أن ننتظر إلى فبراير (شباط) لنسمع وجهة نظره في هذا الأمر، رد ضاحكاً: «لقد تم تحذيري من الطقس البارد. لكنني أحب كرة القدم هنا، وأحب الطريقة التي يعيشون ويتنفسون بها. في الحقيقة، لم أرَ شيئاً من هذا القبيل مطلقاً، فحتى عندما تلعب خارج ملعبك يكون هناك ما لا يقل عن ألف مشجع يدعمونك».
ويضيف: «لا يهمني ما إذا كانت السماء تمطر أم تسقط ثلوجاً، فكل ما يهمني هو أن ألعب مباراة كل ثلاثة أيام خلال فترة أعياد الميلاد. إنها تجربة رائعة. أنا لا أعرف ما الذي سأقوله بعد عام من الآن، لكنني الآن سعيد. إنهم يرون كرة القدم كما أراها أنا، فأنا أحب هذه اللعبة كما يحبونها هنا. إنهم يحترمونني، ومن المهم للغاية أن يشعر اللاعب بأنه مرغوب داخل النادي. إنك تحبهم وتصفق لهم وهم يبادلونك نفس الشعور، وهذا أمر رائع». ولم يكن سيبايوس بحاجة لوقت طويل لكي ينال حب الجمهور، فقد تم ترديد اسمه في المدرجات منذ اليوم الأول له مع الفريق.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.