إيميل هيسكي... مهاجم من الطراز الرفيع نادراً ما يحرز أهدافاً

صناعته لـ53 هدفاً في الدوري الإنجليزي تعد دليلاً على قيمة اللاعب الحقيقية

هيسكي يربك دفاع ألمانيا في المواجهة التي انتهت بفوز إنجلترا بخماسية
هيسكي يربك دفاع ألمانيا في المواجهة التي انتهت بفوز إنجلترا بخماسية
TT

إيميل هيسكي... مهاجم من الطراز الرفيع نادراً ما يحرز أهدافاً

هيسكي يربك دفاع ألمانيا في المواجهة التي انتهت بفوز إنجلترا بخماسية
هيسكي يربك دفاع ألمانيا في المواجهة التي انتهت بفوز إنجلترا بخماسية

كان المهاجم السابق لنادي ليفربول والمنتخب الإنجليزي، إيميل هيسكي، في فندق ألدرلي في مقاطعة تشيشاير البريطانية لمناقشة الأمور المتعلقة بكتابه الجديد والذي يحمل اسم «حتى هيسكي سجل أهدافا». وقال هيسكي ضاحكا إنه اختار هذا الاسم لأن «هذا ما كان يقوله الجميع».
وإذا كانت الأرقام التي حققها هيسكي في مسيرته الكروية ضئيلة بالنسبة للاعب قضى معظم حياته الكروية يلعب مهاجما صريحا - سبعة أهداف من 62 مباراة دولية مع المنتخب الإنجليزي، و110 أهداف في 516 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز - فإن صناعته لـ53 هدفا في الدوري الإنجليزي الممتاز تعد دليلا على قيمته الحقيقية بصفته لاعبا من الطراز الرفيع، خاصة عندما نعرف أن عدد الأهداف التي صنعها هيسكي يقل بهدفين فقط عن عدد الأهداف التي صنعها نجم خط الوسط المبدع لمانشستر يونايتد بول سكولز.
وتشير الإحصائيات والأرقام أيضا إلى أن هيسكي يحتل المركز السابع في قائمة أكثر اللاعبين مشاركة في المباريات في الدوري الإنجليزي الممتاز عبر تاريخه، على مدار 21 عاما لعب خلالها لسبعة أندية خلال الفترة بين عامي 1995 و2016، حيث دافع عن ألوان كل من ليستر سيتي وليفربول وبرمنغهام سيتي وويغان أثليتيك وأستون فيلا ونيوكاسل جيتس وبولتون واندررز.
يقول هيسكي عن حصيلته التهديفية: «أنا ألعب من أجل الفريق، ولم يكن الحديث عن قلة عدد الأهداف التي أحرزها يزعجني على الإطلاق. أنا أعرف بعض المهاجمين الذين يخرجون من الملعب وهم غاضبون إذا فاز فريقهم بخمسة أهداف، لمجرد أنهم لم يسجلوا أهدافا! لكنني لا أهتم بما إذا كنت سأحرز أهدافا أم لا، فقد كان كل همي هو أن يحقق الفريق الفوز».
وردا على النقاد الذين كانوا يشككون في قدراته، قال هيسكي: «عندما كنت في الرابعة والعشرين من عمري كنت قد مثلت المنتخب الإنجليزي عبر فئاته العمرية المختلفة، وشاركت مع الفريق الأول وأنا في السابعة عشرة من عمري، وشاركت في ثلاثة نهائيات كؤوس في أربع سنوات مع ليستر سيتي في مسقط رأسي، ثم انتقلت في صفقة قياسية إلى ليفربول، الذي يعد أحد أكبر الأندية في العالم، وحصلت على الثلاثية [كأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفية، وكأس الاتحاد الأوروبي] في الموسم الأول لي مع الفريق. كما مثلت المنتخب الإنجليزي في كأس العالم مرتين، ولعبت في نهائيات كأس الأمم الأوروبية، وشاركت في واحدة من أكثر مباريات المنتخب الإنجليزية إثارة ومتعة عبر التاريخ والتي لا ينساها الجمهور حتى الآن، كما حصلت على ستة أو سبعة ألقاب وأنا لم أتجاوز الرابعة والعشرين من عمري!». ويشير هيسكي بالمباراة التي لا تنسى إلى المباراة التي فاز فيها المنتخب الإنجليزي على نظيره الألماني بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد في ميونيخ في سبتمبر (أيلول) 2001، والتي سجل هيسكي خلالها الهدف الخامس.
ويؤكد هيسكي أن هذه الأرقام والإحصائيات تثبت أن مسيرته الكروية كانت رائعة للغاية. ولم يكن هيسكي قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره عندما شارك مع فريق ليستر سيتي الذي هزم كريستال بالاس في المباراة النهائية لملحق الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز عام 1996.
وكان هيسكي قد شارك مع الفريق الأول لليستر سيتي للمرة الأولى في الموسم السابق تحت قيادة المدير الفني مارك ماكغي، لكن عندما تولى مارتن أونيل قيادة الفريق شهد مستوى هيسكي تطورا ملحوظا للغاية. يقول هيسكي عن ذلك: «كل ما طلبه مني هو أن أكون أكثر سرعة وأن أنطلق كالسهم عندما تسلم الكرة. لقد سمح لي مارتن بأن ألعب بحرية أكبر، كما علمني جيرار هولييير في ليفربول كثيرا عن كرة القدم. ويضحك الناس عندما أخبرهم أنني كنت أنام خلال الاجتماعات التي كان يعقدها جيرار والتي كان يقوم خلالها بعرض مقاطع فيديو لساعات طويلة! لقد كنت أشعر بالإرهاق الشديد خلال هذه الفترات الطويلة».
وينطبق الأمر نفسه أيضا على المدير الفني السويدي سفين غوران إريكسون، الذي تولى قيادة المنتخب الإنجليزي خلال الفترة بين عامي 2001 و2006. ويقول هيسكي عن ذلك: «لقد كنت أحبه، فهو دقيق للغاية في التحضير للمباريات. أنا لا أتذكر التفاصيل المتعلقة بطريقة تدريبه، لكنا عندما كنا ننزل إلى الملعب كنا نعرف تماما ما يتعين علينا القيام به».
ومع ذلك، تسبب ستيف مكلارين، الذي تولى قيادة المنتخب الإنجليزي خلفا لإريكسون، في حالة من الجدل والارتباك عندما استدعى هيسكي مرة أخرى لقائمة المنتخب الإنجليزي في سبتمبر 2007 ولأول مرة منذ ثلاث سنوات. يقول هيسكي: «لقد قال لي إنه تحدث مع مايكل أوين بشأني. كنت أريد أن أشكره على ذلك، لكن كنت أود أيضا أن أسأله عن سبب القيام بذلك! لقد لعبت كثيرا من المواسم في الدوري الإنجليزي الممتاز، فهل لم يكن هذا كافيا لكي يعرفني؟ وربما كان يتعين علي أن أشكر مايكل أوين لأنه ساهم في عودتي إلى صفوف المنتخب الوطني!».
وبعد اعتزال آلان شيرر في عام 2000، أصبح هيسكي هو المهاجم الأساسي للمنتخب الإنجليزي إلى جانب أوين على مدار ثلاث سنوات، حتى ظهور واين روني. وأعرب هيسكي عن دهشته من الخلاف الأخير بين أوين وشيرر، بشأن الفترة التي لعبها خلالها سويا في صفوف نيوكاسل يونايتد، قائلا: «لقد كانا يضحكان ويمزحان سويا طوال الوقت عندما كانا يلعبان في صفوف المنتخب الإنجليزي».
وعندما انضم هيسكي إلى ليفربول في مارس (آذار) 2000، كان ذلك في صفقة قياسية في تاريخ الريدز بـ11 مليون جنيه إسترليني. وبحلول ذلك الوقت، كان هيسكي قد فاز بكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفية مرتين في عامي 1997 و2000، وشارك في أول مباراة له مع المنتخب الإنجليزي تحت قيادة كيفن كيغان، والتي انتهت بالتعادل أمام المجر بهدف لكل فريق.
ومع ذلك، كان هيسكي يشعر بالحنين إلى مسقط رأسه بعد انتقاله إلى ليفربول، ويقول عن ذلك: «لقد استمر هذا الشعور لمدة ستة أشهر. لكن كان يتعين علي أن أتأقلم بسرعة مع الأجواء الجديدة، لأنه كان لدي أطفال وصديقة. لقد كنت أرقد على الأرض وأنخرط في البكاء، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد كنت أسأل نفسي قائلا: ماذا فعلت؟ وفي ذلك الوقت، لم أكن أعرف ما إذا كنت قد اتخذت القرار الصحيح أم لا، لكن أغرب شيء كان يحدث لي هو أنني عندما أذهب إلى التدريبات أكون على ما يرام».
وأضاف: «لكن سرعان ما وجدت حلاقا، وتعرفت على أصدقاء جدد، وسارت الأمور بعد ذلك بشكل طبيعي. وقد كان هذا الوقت عصيبا وغريبا في حقيقة الأمر، لكنني كنت سخيفا ولا أتوقف عن التفكير في الماضي. وعندما أفكر فيما حدث الآن أسأل نفسي: لماذا لم أكن أعيش هذا الوقت كما هو وأذهب للجلوس مع زملائي في الفريق حتى تسير الأمور بشكل طبيعي؟» ويقول هيسكي، الذي دائما ما كان يتسم بالأمانة والوعي والذكاء: «أنا شخص عادي مثل عامة الشعب، وأدرك ما يفكرون به، كما كنت أتميز بالهدوء. ومع ذلك، كان من الممكن أن أفقد أعصابي في بعض الأوقات، فقد حصلت على البطاقة الحمراء في إحدى المباريات الودية».
ولعب هيسكي، البالغ من العمر الآن 41 عاما، مع عدد كبير من اللاعبين الرائعين، من بينهم بول سكولز وديفيد بيكهام وروني وأشلي كول وسول كامبل وستيفن جيرارد. وقال هيسكي إن جيرارد كان هو الأكثر موهبة من بين هذه الأسماء، مشيرا إلى أن كامبل كان أصعب خصم واجهه خلال مسيرته الكروية، كما يصنف كول «أفضل» لاعب في الجيل الذهبي في إنجلترا.
ويضم كتاب هيسكي صورة لكول باعتباره «مُدخنا دائما» ويصفه بأنه ما زال قادرا على أن يضع النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في «جيبه». ويضحك هيسكي وهو يعلق على هذه الصورة، قائلا: «أنا لا أعلم ما هو شعور اللاعب عندما يدخن، لكن لا يمكنني أن أتخيل أن ذلك يساعد اللاعب كثيرا». وكان جد هيسكي لأبيه من أنتيغوا، كما أن جدته من جزيرة باربودا. وكتب هيسكي عن كيف وصل والده، تيرون، ووالدته، ألبرتين، إلى مدينة ليستر عندما كان في العاشرة من عمره، واضطر للتعامل مع التمييز القبيح الذي تضمن قراءة لافتة تقول: «غير مسموح بدخول السود والآيرلنديين والكلاب».
وإذا كان هيسكي قد عانى من العنصرية عندما كان مراهقًا، فقد تعرض لاعبا مانشستر يونايتد بول بوغبا وماركوس راشفورد، ولاعبا تشيلسي تامي أبراهام وكورت زوما، ولاعب ريدينغ، ياكو ميتي، لإساءات عنصرية على موقع «تويتر». ولا يزال هيسكي يعاني من العنصرية حتى الآن، ويقول عن ذلك: «كنت مؤخرا في أحد المطارات في طريقي إلى فرنسا وجلست هناك وأنا أتناول مشروبا. وكان هناك امرأة وبجوارها حقيبتها وتجلس على كرسي، وبمجرد أن رأتني أجلس التقطت حقيبتها ورحلت. لقد شعرت بالاستياء من ذلك، لكن في نهاية المطاف يجب ألا ندع أمورا مثل هذه تؤثر علينا».
يذكر أن هيسكي لديه سبعة أطفال - جمال وميكا وليا من شريكته السابقة، كايل، وجادين وريغان وميلانا ومينديز من زوجته، شانتيل. ومن المؤكد أن جميع أبناء هيسكي سيشعرون بالمتعة عندما يشاهدون مقطع فيديو لوالدهم عندما كان في الحادية عشرة من عمره وهو يقابل شخصيتي «رود» و«إميو» الشهيرتين في مسلسلات الكرتون. يقول هيسكي: «لقد كانت تجربة رائعة. لقد ظهرت على شاشات التلفزيون مع أحد أكبر النجوم في ذلك الوقت».
لكن ما الذي يعتزم هيسكي القيام به في المستقبل؟ ربما لا يمتلك هيسكي «رغبة ملحة» في الدخول في عالم التدرب حتى الآن، لكنه يقول: «لا أريد أن أبدأ مسيرتي في هذا المجال الآن». لكن من المؤكد أن هيسكي سيكون إضافة قوية في عالم التدريب، نظرا لهدوئه وخبراته الكبيرة.


مقالات ذات صلة

رسمياً... أدفوكات أكبر مدرب سناً في تاريخ المونديال

رياضة عالمية الهولندي ديك أدفوكات مدرب كوراساو الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم (رويترز)

رسمياً... أدفوكات أكبر مدرب سناً في تاريخ المونديال

تصدر الهولندي ديك أدفوكات، مدرب كوراساو، المشارك لأول مرة في تاريخه بنهائيات كأس العالم، قائمة أكبر المدربين سناً في تاريخ المونديال.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية أسطورة كرة القدم الإيرانية خداداد عزيزي (وكالة الأنباء الإيرانية)

نجم إيران السابق عزيزي: على كرة القدم خدمة السلام وليس السياسة

يرى أسطورة كرة القدم الإيرانية، خداداد عزيزي، أنه يجب على اللعبة الشعبية الأولى في العالم أن تخدم «السلام».

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عربية حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر (أ.ب)

حسام حسن: كرة القدم ليست مجرد لعبة بمصر

أكد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، سعادته بتمثيل الفراعنة في نهائيات كأس العالم 1990 لاعباً، مشيراً إلى أنه كان جزءاً من جيل صنع تاريخاً للكرة المصرية.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.