تشابي ألونسو: سنواتي الخمس مع ليفربول لا تنسى

النجم الإسباني يستعيد أبرز ذكرياته مع الفريق الإنجليزي وريال سوسيداد وريال مدريد

من اليمين لليسار... ألونسو بقميص كل من ريال مدريد وليفربول وريال سوسيداد
من اليمين لليسار... ألونسو بقميص كل من ريال مدريد وليفربول وريال سوسيداد
TT

تشابي ألونسو: سنواتي الخمس مع ليفربول لا تنسى

من اليمين لليسار... ألونسو بقميص كل من ريال مدريد وليفربول وريال سوسيداد
من اليمين لليسار... ألونسو بقميص كل من ريال مدريد وليفربول وريال سوسيداد

كنت أعرف بعض الأمور عن نادي ليفربول، لكن اتضح أنني لم أكن أعلم الكثير، ولم أكن أدرك حجم السحر الذي يطغى على ملعب «آنفيلد»، والشغف الشديد الذي يتمتع به الجمهور في هذا الملعب، وجمال وروعة الليالي التي تقام فيها المباريات وسط زئير الجمهور المتحمس الذي لا يتوقف عن الهتاف، والذي يهز جنبات الملعب طوال أوقات المباراة. لقد كان كل هذا، وأكثر من ذلك بكثير، بمثابة شيء جديد بالنسبة لي، عندما انضممت للريدز في خطوة كبيرة، وأنا في الثانية والعشرين من عمري. لكنني كنت مستعدًا لهذا التحدي، وكنت مستعداً لاستيعاب الأمور الجديدة والتعلم بأسرع وقت ممكن.
لقد كنت معتاداً على التعلم السريع، خاصة أنه في أول نادٍ ألعب له على المستوى الاحترافي لم ألعب مع المتدربين أو حتى مع فريق الشباب، لكنني لعبت مباشرة مع فريق الرديف بالنادي. لكن كيف يمكن أن أكون مستعداً لخطوة مثل هذه؟ في الحقيقة، يعود الفضل في ذلك إلى نادي أنتيغوكو، بمدينة سان سيباستيان الإسبانية، والذي كنت قد لعبت له لمدة عشر سنوات تقريباً. صحيح أنه لم يكن نادياً محترفاً، لكنه كان يسير بشكل جيد للغاية، وكان لدينا فرق جيدة، ولاعبون جيدون مثل ميكيل أرتيتا، وأريتز أدوريز، وأندوني أيراولا، وشقيقي ميكيل. وفي نادي أنتيغوكو، كان كل شيء يتمحور حول كرة القدم والخطط الفنية والتكتيكية، وكيفية فهم وقراءة المباريات والتعامل معها. لقد كان هذا الأساس الجيد هو الشيء الذي بقي معنا جميعاً في رحلتنا المستقبلية، وقد أعطانا مبادئ وعادات جيدة ساعدتنا على التقدم والتطور كلاعبين بعد ذلك.
ومنذ اللحظة الأولى لمشاركتي مع الفريق الأول بنادي ريال سوسيداد، كان هدفي هو الفوز بلقب الدوري الإسباني الممتاز. وبعد بضع سنوات، تحول الحلم إلى حقيقة، ففي موسم 2002 - 2003 كان لدينا مجموعة من اللاعبين المتفاهمين والذين تربطهم علاقة جيدة للغاية، كما تم تدعيم الفريق بلاعبين رائعين من الخارج مثل داركو كوفاسيفيتش، ونيهات كاهفيسي، وفيلاري كاربين، وهم اللاعبون الذين منحونا الإضافة التي كنا نحتاجها من أجل المنافسة على البطولات والألقاب.
كما كان لدينا المدير الفني الفرنسي رينالد دينويكس، الذي ساعدنا على اللعب بطرق مختلفة لم يكن يتوقعها أحد، وقاتلنا خلال ذلك الموسم للحصول على لقب الدوري الإسباني الممتاز ودخلنا في منافسة شرسة مع ريال مدريد حتى الجولة الأخيرة من الموسم. لقد كان ذلك بمثابة حلم لنا جميعاً، وكنا على وشك تحقيقه. وبالنسبة لريال سوسيداد، فإن الفوز بلقب الدوري الإسباني الممتاز يعادل الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا أو الفوز بكأس العالم. لكن عندما تقترب من اللقب بهذا الشكل ولا تحصل عليه في نهاية المطاف فإن ذلك يجعلك تشعر بمرارة شديدة.
وكان السبب الرئيسي في انتقالي لنادي ليفربول هو إصرار وجدية مسؤولي ليفربول ورغبتهم الشديدة في التعاقد معي، وبالتأكيد المدير الفني للريدز رفائيل بينيتيز، الذي اتصل بي هاتفياً وشرح لي بالضبط الأهداف التي يسعى النادي لتحقيقها، وأكد على أن النادي تعاقد معي في إطار مشروع طويل الأجل. لقد كان بينيتيز مديراً فنياً طموحاً للغاية. وفي ذلك الوقت، كان قد فاز للتو بلقب الدوري الإسباني الممتاز وكأس الاتحاد الأوروبي مع فالنسيا، لذلك كانت التوقعات والطموحات عالية للغاية. لكنه كان يدرك أيضاً أنه يتعين عليه أن يبني الفريق خطوة بخطوة، ويعلم جيداً أن عاماً واحداً لن يكون كافياً لتكوين فريق قادر على المنافسة على البطولات والألقاب. لقد شرح لي بالضبط ما يريده مني، وكان واضحاً للغاية، حيث كان يريدني أن ألعب في خط الوسط بجوار ستيفين جيرارد وديدي هامان، وأن أساعد الفريق على السيطرة على خط الوسط، لأننا نعرف مدى قوة وشراسة الدوري الإنجليزي الممتاز.
وقد كان التكيف مع الوتيرة السريعة للدوري الإنجليزي الممتاز هو أكبر تحدٍ لي في مسيرتي مع الريدز، لكنني كنت مستعداً تماماً لهذا التحدي، وكنت أعرف جيداً أنه إذا لم يكن اللاعب قوياً للغاية من الناحية البدنية فإنه لن يتمكن من اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، لذلك كنت مستعداً لهذا الأمر جيداً. لكنني في المقابل كنت أريد أن ألعب بطريقتي الخاصة، والتي تتمثل في الاستحواذ على الكرة ومساعدة زملائي على اللعب بشكل أفضل، وقد كانت هذه هي فكرتي عن كرة القدم.
وعندما تنضم إلى فريق جديد وتذهب إلى غرفة خلع الملابس التي تتمتع بالاستقرار الشديد وتضم لاعبين موجودين بالنادي منذ فترة طويلة، يكون من المهم للغاية أن يرحب بك هؤلاء اللاعبون ويستقبلونك بشكل جيد. وفي ليفربول، كان أبرز اللاعبين في ذلك الوقت هم ستيفن جيرارد وجيمي كاراغر وديدي وسامي هيبيا، فقد كانوا هم قادة الفريق، وقد استقبلوني بشكل جيد للغاية ورحبوا بي.
وبعد بضعة أشهر من وصولي إلى ليفربول، أتذكر أننا لعبنا أمام فريق «آرسنال»، الذي لا يقهر على ملعب آنفيلد، وكان فريق «المدفعجية» في ذلك الوقت يضم لاعبين من العيار الثقيل من أمثال باتريك فييرا، وفريدي ليونغبرغ، وروبير بيريز، وتيري هنري. لقد كان فريقاً رائعاً في حقيقة الأمر، لكننا فزنا عليهم بهدفين مقابل هدف وحيد، وسجلت أنا الهدف الأول. لقد كانت هذه البداية القوية شيئاً رائعاً للغاية بالنسبة لي، وقد لعبت بالطريقة التي أحبها، فقد كنت أريد أن أترك بصمة واضحة على أداء الفريق وكنت أريد الاستمتاع باللعب.
لقد استمتعت كثيراً باللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، وكانت مبارياتنا أمام تشيلسي خلال الولاية الأولى للمدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو مع «البلوز» بمثابة معارك كروية طاحنة، إن جاز التعبير. وفي أول موسم لي مع الريدز، حققنا الفوز على تشيلسي في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا. وفي العام التالي، فزنا على تشيلسي أيضاً في الدور نصف النهائي لكأس الاتحاد الإنجليزي. وفي العام التالي، فزنا عليهم مرة أخرى في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا. لقد كنا نواجه تشيلسي أربع مرات على الأقل كل موسم، لكنني كنت لا أبالي بذلك، فأنا أحب المباريات الكبيرة والحماسية، وقد كنت أحب اللعب أمام نجم البلوز فرانك لامبارد، فهو لاعب قوي ورائع للغاية، وأنا دائما أحب اللعب أمام هذه النوعية من اللاعبين.
وبكل تأكيد، سوف يتم تذكر موسمي الأول مع ليفربول باعتباره الطريق الذي أدى للوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في إسطنبول. وفي الحقيقة، يمكنني أن أتحدث كثيراً عن هذا الطريق. وبالنسبة لي، هناك خطوة واحدة هامة للغاية لم نكن لنصل بدونها إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في ذلك العام، وأعني بذلك ليلة الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2004. وهي أول ليلة سحرية أعيشها على ملعب «آنفيلد». لقد كنا نلعب أمام نادي أولمبياكوس اليوناني، في آخر مباراة لنا في دور المجموعات، وكنا متأخرين بهدف دون رد بين شوطي المباراة، وكنا بحاجة لإحراز ثلاثة أهداف في الشوط الثاني لكي نتأهل إلى دور الستة عشر، ونجحنا بالفعل في إحراز ثلاثة أهداف وحجز بطاقة التأهل.
وبالتأكيد أنتم لستم بحاجة لكي أذكركم بأن جيرارد هو من أحرز الهدف الثالث في الوقت القاتل من عمر هذه المباراة، لكن الشيء المؤكد هو أن جمهور ليفربول كان له الفضل الأول والأخير في هذه الملحمة الكروية بفضل تشجيعه المتواصل والطاقة الهائلة التي بثها في نفوس اللاعبين في تلك الليلة - إنه أمر لا يصدق - لقد كان الجمهور يهز جنبات ملعب «آنفيلد»، وقد انتابنا شعور لا يمكن وصفه، ولا يمكن لأي شخص أن يشعر به إلا إذا كان هناك في تلك الليلة، إنه شيء استثنائي في حقيقة الأمر.
وعندما أنظر إلى الوراء وأتذكر السنوات الخمس التي دافعت فيها عن ألوان نادي ليفربول، يمكنني القول إن النادي كان يضم أفضل فريق في آخر عام لي هناك، فقد حصدنا عدداً كبيراً من النقاط في الدوري الإنجليزي الممتاز في ذلك الموسم، لكن في تلك السنوات كان نادي مانشستر يونايتد قوياً للغاية، ونفس الأمر ينطبق على نادي تشيلسي، لذلك كانت المنافسة على اللقب شرسة للغاية. لو فزنا بلقب الدوري في ذلك الموسم فإن ذلك كان سيكون تتويجاً كبيراً لمسيرتي مع ليفربول، لكننا لم نتمكن من حصد اللقب وشعرنا أننا خسرنا البطولة لأننا فرطنا في نقاط سهلة في بداية الموسم، وهو الأمر الذي صنع الفارق. لقد أنهينا الموسم بـ86 نقطة، لكن مانشستر يونايتد حصل على 90 نقطة وفاز باللقب. وباختصار فإن السنوات الخمس التي قضيتها في ليفربول لا تنسى.
وفي ذلك الوقت، شعرت بأن الوقت قد حان للبحث عن تحدٍ جديد، ولم يكن هناك تحدٍ أكبر من الانتقال إلى ريال مدريد، خاصة أن النادي الملكي كان يمر بسنوات صعبة ويحتل مركزاً لا يتناسب مع تاريخه العريق ومكانته الكبيرة، فقد خرج أكثر من مرة من دور الستة عشر لدوري أبطال أوروبا، وكان يبدأ مشروعاً جديداً لاستعادة المكانة التي يستحقها على المستوى المحلي والقاري. لقد كان نادي ريال مدريد يثق تماماً في قدراتي، وكان يؤمن بأنه يمكنني القيام بدورٍ هام مع الفريق، وقد كان هذا هو الدافع الحقيقي الذي جعلني أرغب في الرحيل إلى مدريد.
عندما تحفز لاعباً وتشرح له ما هو متوقع منه بالضبط، فإن ذلك يجعله يثق في نفسه بدرجة أكبر. صحيح أنني انضممت إلى ريال مدريد وأنا لاعب ناضج كثيراً، لكن السيطرة على خط وسط فريق بحجم ريال مدريد كان يتطلب المزيد من العمل بكل تأكيد، وهو الأمر الذي يتطلب أن يثق اللاعب في قدراته تماماً، ويؤمن بأن زملاءه في الفريق يثقون في قدراته أيضاً.
وفي ذلك العام، تعاقد النادي مع العديد من النجوم، مثل كاكا، وكريستيانو رونالدو، وكريم بنزيما، وألفارو أربيلوا، وراؤول ألبيول، واستيبان غرانيرو. لقد أنهينا الموسم في المركز الثاني في الدوري الإسباني الممتاز بفارق ثلاث نقاط، وعانينا في دوري أبطال أوروبا، لكن هذا العام كان هو عام البناء لمشروع كبير على المدى الطويل، وهو الأمر الذي أدى في النهاية لحصولنا على لقب دوري أبطال أوروبا للمرة العاشرة في تاريخ النادي.
ومع ذلك، كان الأمر صعباً للغاية بالنسبة لنا، فقد واجهنا منافسة شرسة من الغريم التقليدي برشلونة، الذي كان في أفضل أحواله. دائماً ما يكون برشلونة جيداً، لكنه في ذلك العام كان استثنائياً بقيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا.
ونجحنا في الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا للمرة العاشرة. وقبل نهائي دوري أبطال أوروبا في لشبونة، كانت مباراة الدور نصف النهائي أمام بايرن ميونيخ واحدة من أشرس وأصعب المباريات بالنسبة لنا. لقد حققنا الفوز في المباراة الأولى على ملعبنا بهدف نظيف، لكنني في المباراة الثانية ارتكبت خطأً وحصلت على بطاقة صفراء، وهو ما كان يعني أنني لن أشارك في المباراة النهائية. وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن العالم قد انهار من حولي.
وبعد ذلك بشهر، كنت أشاهد المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا من خارج الملعب. لقد كنت أشعر بالكثير من الإحباط لعدم تمكني من الوجود على أرض الملعب. لقد كنت أرغب في المشاركة في هذه المباراة بشدة، لأنني قاتلت كثيراً من أجل هذه اللحظة. وكما هو الحال مع الآلاف من الجماهير، كنت متحمساً ومتوتراً للغاية. لقد كان الأمر صعباً للغاية بالنسبة لي. لقد بدا الأمر خلال فترة طويلة من المباراة بأن المباراة تهرب منا، لكن كل شيء تغير في لحظة واحدة، برأسية من سيرخيو راموس. وهنا تكمن روعة وجمال كرة القدم، التي دائماً ما تفاجئنا وتجعلنا نشعر بالسعادة.
ويعد هذا أحد الأسباب التي تجعلني مرتبطاً بصورة قوية بكرة القدم حتى بعد اعتزالي اللعب. وعندما بدأت التدريب مع فريق الشباب بنادي ريال مدريد، كان ذلك بمثابة تحدٍ جديدٍ بالنسبة لي، نظراً لأنني أمضيت وقتاً طويلاً في اللعب على أعلى المستويات. إن التكيف مع تدريب اللاعبين الصغار في السن وطريقة لعبهم ومستوى أدائهم جعلني أغير طريقة تواصلي مع اللاعبين. ومع ذلك، فإنني أشعر بالكثير من الرضا عن هذه التجربة، وأشعر بسعادة غامرة وأنا بين هؤلاء اللاعبين، خاصة عندما أرى الأمل والسعادة والرغبة في عيونهم، وأحاول أن أساعدهم على تحقيق أحلامهم خلال السنوات المقبلة.
والآن، عدت مرة أخرى إلى حيث بدأت، إلى ريال سوسيداد حيث أدرب فريق الرديف بالنادي، الذي شهد نجاحي في تحقيق أول أحلامي. ومرة أخرى، أنا مستعد لهذا التحدي الجديد، وعلى استعداد دائم للتعلم واستيعاب كل ما هو جديد.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.