أميركا وزمن «الإرهاب الأبيض»

أصولية يمينية تنتقل من كرايستشيرش إلى تكساس وأوهايو

شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا وزمن «الإرهاب الأبيض»

شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)

عبر أقل من أسبوع واحد شهدت الولايات المتحدة الأميركي 3 حوادث إطلاق نار، غالباً ما ستسفر التحقيقات عن أنها نتاج لخطاب الكراهية والعنصرية، وارتفاع المد اليميني المتطرف، في ثلاثة أماكن مختلفة: غيلوري في كاليفورنيا، وإل باسو بتكساس، ودايتون بأوهايو.
تضيق الأسئلة التي يستدعيها المشهد الأميركي الآنيّ عن المسطح المتاح للكتابة، غير أننا باختصار مفيد نبدأ من عند إشكالية توافر الأسلحة في أيدي الأميركيين، ونمضي مع تطورات القوميات ونهوضها الضار حتى في الداخل الأميركي الواسع والفسيح، والذي هو في الأصل جماعة مهاجرة تجمعها بوتقة انصهار، وصولاً إلى كارثية وسائل التواصل الاجتماعي تلك التي جعلت بعض مرتكبي عمليات أميركا واقعين تحت التأثيرات الكارثية لمشاهد المذبحة التي جرت في كرايستشيرش قبل بضعة أشهر في نيوزيلندا، ومن دون أن نغفل الآثار الكارثية للأفكار الفاشية التي عادت لتضرب من جديد.
مَن المسؤول عما جرى حديثاً من العناصر الثلاثة المتقدمة، أم أنها، ومن سوء الطالع، باتت تمثل مختلطةً تركيبة مسمومة تنزع الحياة من الآمنين في الحل والترحال؟
بشيء من التفصيل، لطالما تشكّى الأميركيون من العنف المسلح، ذاك الذي سهّل من حدوثه الإجرامي توافر الأسلحة في يد الشعب الأميركي، ونظرة إلى الماضي منذ عام 2012 حتى الساعة نجد أننا أمام تصاعد خطير وغير مسبوق في تاريخ أميركا، ففي يوليو (تموز) 2012 وقع في سينما بمدينة أورورا بولاية كاليفورنيا 12 قتيلاً، وفي العام نفسه سقط 26 قتيلاً في مدرسة ساندي هوك في شمال شرق ولاية كونيتيكت، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015 قتل متطرفان من باكستان 14 شخصاً، أما جريمة نادي المثليين التي حدثت في أورلاندو في يونيو (حزيران) 2016 فقد أسقطت بـ49 قتيلاً، وفي 2017 راح 17 شخصاً ضحية أميركي أفغاني، وبالوصول إلى لاس فيغاس نجد 58 قتيلاً لا يزال سر قاتلهم ستيفن بادوك مجهولاً، أما هجوم كنيسة ساذرلاند في تكساس في العام نفسه فقد ذهب بـ25 قتيلاً غير الجرحى، والقائمة طويلة ومتسعة وصولاً إلى الأحداث الأخيرة.
محور النقاش هذا موصول بمدى حرية الوصول إلى السلاح في الفكر الشعبوي الأميركي، لكن يبقى التساؤل المقلق: «ألم تكن القوانين هي عينها من قبل، وإذا كان ذلك كذلك فأي سبب جعل هذه الأحداث تتصاعد على هذا النحو المخيف مقارنةً بالعقود الماضية؟».
الشاهد أن علماء الاجتماع الأميركيين في حيرة قوية من أمرهم، ولأن التفسيرات السيكولوجية بعيدة حتى الساعة عن منظورهم التحليلي، لهذا يبقى النقاش محشوراً ومحصوراً في دائرة شرعية امتلاك الأسلحة من عدمها، والكل يعرف أن التعديل الثاني الصادر عن الكونغرس الأميركي في سبتمبر (أيلول) 1789 جاء فيه أن «وجود قوات شعبية (ميليشيا) جيدة التنظيم ضروري لأمن أي ولاية حرة، حق الأفراد في اقتناء أسلحة وحملها لا يجوز انتهاكه».
غير أن البعض يحاجج بأن الظروف البيئية والحياتية قد تغيرت وعلى هذا الأساس لا بد من إعادة النظر في هذا البند، فهل يوافق الأميركيون على مثل هذا التوجه أم يرفضونه؟
حسب استطلاع رأي لمركز «بيو» للأبحاث جرى في الفترة بين سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول) 2018، فإن 57% من الأميركيين يرون أن القوانين الخاصة بالسلاح ينبغي أن تكون أكثر صرامة، في حين يذهب 31% إلى أن القوانين الحالية كافية.
الانقسام الأميركي يتعزز حسب الانتماءات الحزبية، تجاه مسألة حيازة الأسلحة، وهي ركن أساسي في تسهيل عمليات القتل داخل المجتمع الأميركي.
يقول 80% من الديمقراطيين والمستقلين الذين يصوّتون لصالح الحزب الديمقراطي إن القوانين ينبغي تشديدها، في حين لا يوافقهم على ذلك سوى 28% من الجمهوريين والمستقلين الذين يصوّتون لصالح الحزب الجمهوري.
بل إن 76% من الجمهوريين يرون أن حماية حق الأميركيين في امتلاك أسلحة أهم من فرض قوانين حول حيازتها، في حين لا يشاطر ذلك الرأي سوى 19% من الديمقراطيين.

- انقسام عميق حول حيازة السلاح
خلاصة المحور الأول الذي نحن بصدده أن الانقسام عميق بين الأميركيين أنفسهم، وسوف يظل إلى أجل أطول، وعليه سيكون الوصول إلى السلاح أمر متاح ومباح، وسقوط القتلى أيضاً وارد وبقوة، كما أن احتمالات فرض الكونغرس قيوداً على شركات السلاح المحلية أمر ضئيل من جراء النفوذ الذي تتمتع به، والسطوة التي تمثلها تبرعاتها لنواب وشيوخ الكونغرس الأميركي، في مقابل غض الطرف عن الإشكالية القاتلة المتقدمة.
والشاهد أنه كما يقول الروائي الروسي الكبير ليو تولوستوي: «إذا أشرت في الفصل الأول من روايتك إلى أن هناك بندقية معلقة على الحائط، فإنه على أبعد تقدير سوف تنطلق رصاصاتها في الفصل الثالث...». ماذا نعني بهذا الحديث؟
يضحى من الطبيعي أن حرية الوصول إلى السلاح تغري أصحاب النفوس الضعيفة بارتكاب ما يحلو لهم من جرائم، بعضها عرقيّ وغيرها دوغمائي ديني، لم يعد يقتصر على الأميركيين فقط، بل بتنا نرى جنسيات مهاجرة تُستغل كـ«كعب أخيل» الأميركي في تحقيق أهدافها الأصولية، وثالثها متصل بالجندر، أي النوع ذكر أو أنثى. ولعل الناظر إلى عمليتي إطلاق النار الأخيرتين يرى شابين تجمعهما الكراهية العمياء، الأول ضد المهاجرين خصوصاً المتحدرين من دول أميركا اللاتينية، والآخر ضد الجميع مع كراهية خاصة للنساء. بدأت أميركا كحلم للمهاجرين من دول العالم كافة، لا سيما الأوروبيين المضطهدين والهاربين من نيران الصراعات المذهبية والطائفية في أوروبا القرون الوسطى، وتالياً هاجرت جنسيات من مختلف دول العالم إلى الأرض الأميركية البكر، وبالتالي فإنه لا يوجد عِرق أميركي خالص، بل خليط من كل الأمم وكل الشعوب وكل القبائل، بلغة اليمين الأميركي المسيحي، وعليه فقد انصهر الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصحاب الأرض الأصليين من الهنود الحمر قد تعرضوا للإبادة من قِبل الرجل الأبيض، وعليه فإن قيام باتريك كروسيوس (21 عاماً)، مطلق النار في مدينة إل باسو، بنشر بيان له على شبكة الإنترنت يُظهر فيه عداءه للمهاجرين، أمر يؤكد وجود خلل نفسي ومجتمعي داخل دولة عمادها الرئيس المهاجرين.
في هذا السياق يمكننا أن نتساءل: «هل هناك مَن نجح في إصابة البنية الهيكلية الأميركية بخلل جسيم إذ بات المهاجر يعد خصماً من رصيد القوة الأميركية متعددة الصفات حول العالم؟».
في البيان الذي صدر عن مكتب المباحث الاتحادية بعد حادثة إل باسو، نجد التعبير التالي: «إن الهجوم يؤثر على التهديد المستمر الذي يشكله المتطرفون المحليون ومرتكبو جرائم الكراهية. يحتاج الحديث عن الأسباب التي دفعت وستدفع هذا الفصيل الأميركي المتنامي إلى دراسات مطولة بعينها يقوم عليها علماء النفس والاجتماع، ورجالات الدين والسياسة، عطفاً على خبراء المال والأعمال، وفي غالب الأمر فإن هناك تخوفات شديدة من انقلاب معدلات الموازين الديموغرافية في الداخل الأميركي، بمعنى أن الإحصاءات السكانية الأخيرة أضحت مقلقة للرجل الأبيض الأنغلوساكسوني، الذي كان ولا يزال يعرى نفسه السيد من دون منازع، أي أنها مخاوف «الواسب»، من البيض أصحاب الخلفيات الأوروبية البروتستانتية، من أن يصحوا ذات نهار ليجدوا أنفسهم أقلية وسط طوفان بشري من جنسيات أخرى لا سيما القادمين من أميركا اللاتينية.

- تطرف يميني عابر للقارات
هناك جزئية خطيرة باتت تفتّ في عضد المجتمع الأميركي، وهي أن الصراع الآن قومي عرقي أكثر منه إيمانياً أو دينياً، فالمعروف أن قارة أميركا الجنوبية عن بَكْرة أبيها هي قارة كاثوليكية، والمهاجرين منها إلى الولايات المتحدة الأميركية هم كاثوليك بالمولد والنشأة، لكنّ رجال «الواسب» يرون في هؤلاء أيضاً تهديداً مقلقاً بنفس القدر الذي باتوا يعاملون به المسلمين سواء من أصحاب الأصول الأفريقية، أو الوافدين من العالم العربي والشرق الأوسط، أو المسلمين الآسيويين.
يتبقى المحور الثالث في هذه السطور وهو الخاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أنها كانت سبباً رئيساً، وستكون كذلك من أسف في قادم الأيام، إن لم تتم معالجة الأمر على عجل، وإن كان المرء يظن أنه قد فات الأوان، فقد انطلق الجنّي من القمقم، وبات من العسير إرجاعه ثانية.
في بيان مكتب التحقيقات الاتحادية الأخير بعد هجوم إل باسو نقرأ تحذيراً من أن المتطرفين الذين يمارسون العنف المحلي في الولايات المتحدة قد يستلهمون هذه الهجمات، والهجمات البارزة السابقة، للقيام بأعمال عنف مماثلة.
في بيان الكراهية الذي نشره كروسيوس على الإنترنت قبل إقدامه على ارتكاب فعلته الشنعاء هذه، أشار إلى دعمه للمشتبه به في إطلاق النار في مسجد كرايستشيرش في نيوزيلندا، والذي قتل 51 شخصاً في هجومين متتاليين في شهر مارس (آذار)، مؤكداً أنه كان محقاً فيما فعله.
هل بات العالم على موعد مع كوارث قدرية أسوأ من هذا الذي حدث من جراء التواصل المعلوماتي غير المسبوق في التاريخ الإنساني؟ وإذا كان ذلك كذلك فأي قيمة إنسانية وأخلاقية لتواصل وابتكار يوقع آلاف الجرحى والقتلى ضحايا لخطابات الكراهية، التي تروَّج صباح مساء كل يوم بسرعة أسرع من البرق؟

- فكر «الاستبدال العظيم»
في خطابه الممجوج أكد كروسيوس أيضاً قناعاته واعتقاده الكبير بفكر «الاستبدال العظيم»، وهي النظرية التي تدّعي تفوق الرجل الأبيض، وترى أن الناس المتحدرين من أصل أوروبي حققوا القوة والانتشار في العالم، وأن هناك جنسيات أخرى حول العالم تسعى إلى طردهم من المراكز الحضرية والأساسية للحضارة، إلى التخوم والأطراف واحتلال أماكنهم بالتسرب السكاني أولاً، ثم بامتلاك ناصية القوة ثانية.
«الاستبدال الكبير» عنوان كتاب صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 لصاحبه الكاتب الفرنسي صاحب النزعات اليمينية المدعو رينو كامو، وقد أحدث خللاً فكرياً كبيراً في القارة الأوروبية، من جراء الترويج لفكر «أسلمة أوروبا»، وتعرُّض الحضارة الغربية والرجل الأبيض لحصار من أقوام وأجناس صفراء وسمراء، جلبتها موجات الهجرة الجماعية في العقدين الأخيرين، وقد تسببت في الكثير من العداءات، وصحوة خطابات الكراهية في نفوس الأوروبيين. هل قُدِّر للخطاب عينه أن يقفز إلى الجانب الآخر من الأطلسي؟
الكارثة أن الأفكار لها أجنحة، والغضب له ضحايا، وبينهما يبقى العالم قلقاً حائراً ومضطرباً، إلى حين إشعار آخر، أو كارثة أصولية يمينية أوروبية أو أميركية أخرى، وساعتها يتجدد الحديث الذي لا يشفع أو ينفع، إن لم يتم التنادي من أجل حلول جامعة مانعة، شافية وافية لاستئصال شأفة الإرهاب الأبيض.


مقالات ذات صلة

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

المشرق العربي تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا سكان في بيني يحملون جثث مدنيين أعدمهم مقاتلو تحالف القوى الديموقراطية في الكونغو (أ.ف.ب)

مقتل سبعة بهجوم مسلّحين مرتبطين بـ«داعش» في الكونغو الديموقراطية

اندلعت اشتباكات الأحد في شمال شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية بعد مقتل سبعة أشخاص على الأقل في هجوم شنه مسلّحون مرتبطون بتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بيني)
الخليج أعضاء التنظيم المرتبط بـ«ولاية الفقيه» الذين قُبض عليهم في البحرين (بنا)

البحرين: التحقيقات مع عناصر «الحرس الثوري» أكدت ارتكابهم جرائم ماسّة بالأمن

كشفت النيابة العامة البحرينية، الأحد، جانباً من نتائج التحقيق مع التنظيم الرئيسي المرتبط بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
أوروبا ركاب يمرون بسيارة شرطة متوقفة أمام محطة القطار المركزية حيث قام رجل بإصابة ثلاثة أشخاص بسلاح أبيض في وينترتور بالقرب من زيوريخ يوم 28 مايو 2026 (أ.ف.ب)

سويسرا: عملية الطعن في محطة القطارات «هجوم إرهابي»

وصفت السلطات السويسرية عملية الطعن التي أسفرت عن إصابة ثلاثة أشخاص، الخميس، في محطة قطارات وينترتور بالقرب من زيوريخ بأنها «هجوم إرهابي».

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
العالم امرأتان وطفلة من عوائل «داعش» بعد وصولهن إلى مطار ملبورن من سوريا (أ.ب)

أستراليا توجه اتهامات بالإرهاب لامرأة على صلة بتنظيم «داعش»

تصل إلى السجن 10 سنوات العقوبةُ القصوى لتهمتَي «الانتماء إلى جماعة إرهابية» و«دخول منطقة نزاع محظورة»...

«الشرق الأوسط» (سيدني)

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
TT

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

يقول كثير من الخبراء الاستراتيجيّين إن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). عالم يمرّ في مرحلة انتقالية بين نظام عالميّ لم يعد ناجعاً، وعالم مُنتظر ما زال في طور التبلور؛ عالم لا مرجعيّة فيه سوى فوّهة البندقيّة. عالم تغيب فيه الدبلوماسيّة التقليديّة؛ عالم تصبح فيه الحرب الإعلاميّة تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعليّة في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقيّة؛ عالم تتبدّل فيه نظريات النصر.

ماذا يعني، مثلاً، أن تُعلن دولة ما انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ فهل يُقاس النصر استناداً إلى نسبة ما حقّق العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

لقطة من حرب أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في مثل هذا العالم أصبح «المُعطّل» (Disruptor) يتحكّم بديناميكيّة العلاقات الدوليّة وحركيتها. عالم مترابط «رقميّاً» (Digital) إلى حدّ الذوبان، لكنه مُفتّت فعلياً على مستوى العلاقة بين الدول، وعلى مستوى سلاسل التوريد. في هذا العالم، ماذا يعني ميزان القوى؟ تتمثل عناصر قوّة الدولة بـ: القوة العسكريّة، القوة الاقتصاديّة، القوة السياسيّة، وكذلك القوة التكنولوجيّة، ولكن ماذا يعني ذلك عندما تصبح تكلفة الحرب مُتدنّية جدّاً، بحيث تسمح للاعب من خارج الدولة أن يستحصل على التكنولوجيا المتطوّرة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use)، وتحويلها عند الحاجة سلاحاُ فتّاكاً؟

انطلاقاً من ذلك، بات يُطرح سؤال عما هو فنّ الحرب في عالم اليوم، وكيف يتم تطبيقه. يقول المفّكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد»، إن العالم الغربي أصبح في حاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المُستعمَر) أسرار هذا الفنّ ووسائله. فبدل النصر المُطلق الذي كان ولا يزال يعتمده الغرب، أصبح فن الحرب الجديد لا يقوم على تدمير الخصم فقط، بل على تعطيل نظامه، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة ولا متماثلة. تنطبق أكثر ما تنطبق هذه المعادلة على الفريق الأضعف في الحرب. أما الأقوى، فلا يزال يعتمد على استعمال القوّة المفرطة، حتى تصل إلى حدّها الأقصى، لتنتقل الحرب بعدها، وفي حال صمود الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة، لا يمكن للأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

في هذا الإطار، كتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، في «فاينانشال تايمز» مقالاً تحت عنوان «قرن الانسداد»، قال فيه إن الانسداد هو سيّد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا. أميركا حائرة ماذا تفعل في الخليج. وفي الوقت نفسه، تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاه تايوان. لكن الفكرة الأهم التي وردت في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين، كان الاستقرار ينتج من انتصار فريق على فريق آخر. هكذا حصل في الحرب العالميّة الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم، في القرن الـ21، قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأفرقاء بالواقع والتعايش معه، وكأنه الحالة الطبيعية. يعيد ذلك التذكير بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة؛ وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. ومن الواضح أن هناك جهوداً اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وتحديداً ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد، الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرتها عليه.

تفرض هذه الخلفية طرح تساؤلات حول كيف يُفكّر المُنظّرون الجيوسياسيّون اليوم في النظريّات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعيّة. فهل لا تزال نظريات البريطاني هالفورد ماكندر، حول أهميّة السهل الأوراسيّ (هارتلاند) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكّم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا والتي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. فأين أصبحت هذه النظريات؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتيّ كل من ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسيّ. حالياً، يعاني الريملاند، المفترض أن يُشكّل خط الاحتواء للصين بعد أن كان خطّ الاحتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان، ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطّد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدل السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدّد نحو أوروبا الشرقيّة للسيطرة على السهل الأوراسيّ. فهل بدأ التحول لتكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره هنا، أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقيّة، عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسيّة التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسعة حلف «ناتو»، أو الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ولكن ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث تصبح الطريق سالكة على مدار السنة: هل ستستمرّ النظريات الجيوسياسيّة الغربيّة القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذريّة لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسيّ؟

طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران 3 مارس 2026 (رويترز)

تماهي الخطوط في الحرب والسلم

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدّثون عن ثلاثة مستويات للحرب هي: الاستراتيجيّة، العملانيّة، والتكتيك. في هذه المعادلة، تعوّدت الجيوش على وضع الاستراتيجيّات، وتمريرها إلى المستوى التكتيكي، وعبر المستوى العملانيّ كي تُختبر ميدانيّاً. وبعد الاختبار، لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ومن ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تأخذ وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتاليّة. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال. يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المُبرمج (Coder). وبذلك تكون هذه الدورة، قد تقلّصت إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل، توماس كون، فهمنا لتاريخ العلوم. فهو كان قد نظّر حول مفهوم الثورات العلميّة، ونقد الفهم القديم التراكميّ والتدريجيّ في التطوّر العلميّ. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هي حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلميّة القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. فالعقيدة العسكريّة القتاليّة ترتكز عادة على الوسائل المتوافّرة. وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكريّة مع هذا التحوّل. ومن يُهمل هذا التحوّل العلميّ سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا هي حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركيّ. في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكريّة. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفّكر الأميركيّ، ستيفن بيتر روزن. وبذلك، تحوّل كل إنجاز إلى الاستعمال المزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفروض أن يسهِم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في المُسيّرة الانتحاريّة. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدوليّة التي من المفروض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضريّة (Urban) هي المسرح الأساسيّ للحرب. هكذا الحال في قطاع غزّة، وكذلك في لبنان. ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريّين.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهِر عنصراً منه يجهّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافيّة (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكريّة. فما ينجح في مكان مُحدّد، يأخذه مكان آخر، يُدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام، قد يمكن القول إن كل هذه التحوّلات إنما تحصل على حساب الدولة - الأمّة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسيّة، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المُعطّل» واللاعب «اللادولتيّ» إلى مجال العلاقات الدوليّة على حساب الدولة- الأمّة، أو بصفته شريكاً لها؟


الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)

توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، الثلاثاء، حدوث ظاهرة النينيو بقوة متوسطة أو ربما شديدة؛ ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة مخاطر التعرض لظواهر جوية متطرفة خلال الأشهر المقبلة.

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن ظاهرة النينيو هي ارتفاع دوري في درجات حرارة سطح الماء في وسط المحيط الهادئ وشرقه، وتستمر عادة ما بين تسعة أشهر و12 شهراً.

وقالت المنظمة إن مياه المحيط الدافئة تغذي تطور ظاهرة النينيو، وتوقعت درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أنحاء العالم من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب). ورجّحت المنظمة استمرار الظاهرة حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

شخص يحتمي تحت مظلة خارج كاتدرائية نوتردام وسط موجة حر شديدة في باريس (رويترز)

وقالت الأمينة العامة للمنظمة سيليسي ساولو: «علينا الاستعداد لظاهرة النينيو التي قد تكون قوية؛ ما سيؤدي إلى تفاقم الجفاف وهطول الأمطار الغزيرة وزيادة مخاطر موجات الحرارة، سواء على اليابسة أو في المحيط». وأضافت ساولو أن ظاهرة النينيو الأحدث، التي شهدها العالم في 2023 -2024، أسهمت في جعل عام 2024 الأشد حرارة على الإطلاق. وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أنه لوحظ تغير في المنطقة الواقعة على جانبي خط الاستواء في المحيط الهادئ؛ إذ ارتفعت درجات حرارة سطح المحيط بسرعة من أواخر أبريل (نيسان) إلى منتصف مايو (أيار)؛ ما يشير إلى تطور ظروف ظاهرة النينيو.

أحد الركاب الهنود يرتشف ماء الليمون البارد خلال ظهيرة يوم حار في كلكتا (إ.ب.أ)

ومن المعروف أن هذا النمط يؤثر في ظروف المناخ الإقليمية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأجزاء من القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، في حين يتسبب بجفاف في أستراليا وأميركا الوسطى وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. وقالت المنظمة إنه يمكن أن يسبب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، ويؤجج الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

يستمتع الرجال بالبحر بجوار ميناء دوفر في بريطانيا بينما صدرت تنبيهات صحية برتقالية اللون بجميع أنحاء المملكة المتحدة تحسباً لموجة حرّ (رويترز)

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: «يجب على العالم أن يتعامل مع الأمر على أنه تحذير مناخي ملح. ستؤجج ظروف النينيو الاحترار العالمي»، وحث على التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة.


انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
TT

انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

صعّدت الولايات المتحدة لهجتها تجاه حلفائها في حلف شمال الأطلسي خلال عطلة نهاية الأسبوع في سنغافورة، لكنّ مسؤولين من أوروبا الغربية شدّدوا على أن الحلف لا يزال متماسكاً.

وفي كلمة أمام «حوار شانغريلا»، أشاد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بالشركاء الآسيويين لزيادة إنفاقهم الدفاعي واصطفافهم الوثيق مع واشنطن، في ظل تصاعد التوترات مع الصين. وقال: «عندما تتوافق مصالحنا، نتحرك معاً بعزم مركّز». وأضاف: «عندما تتباعد مصالحنا، نكيّف مواقفنا بواقعية، من دون دراما أو وعظ. أعتقد أن أوروبا الغربية قد تستفيد من ملاحظة ذلك». وتابع: «أمام أوروبا و(الناتو) قرارات كبيرة ينبغي اتخاذها».

زيادة الإنفاق الدفاعي

اتهمت إدارة الرئيس دونالد ترمب مراراً الحكومات الأوروبية بعدم الاستثمار بما يكفي في جيوشها، وبالاعتماد المفرط على الحماية الأميركية، في وقت حضّت فيه كلاً من أوروبا والحلفاء الآسيويين على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

جانب من جلسات «حوار شانغريلا» في سنغافورة يوم 31 مايو (أ.ف.ب)

وأعلنت واشنطن في مايو (أيار) خططاً لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، فيما هدّد ترمب بالانسحاب من «الناتو». وسعى مسؤول رفيع في «الناتو» إلى التقليل من شأن سحب القوات الأميركية، قائلاً إن الخطوة كانت مقرّرة سلفاً، وإن تماسك الحلف لم يتأثر، كما نقلت وكالة «رويترز».

وقال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية في «الناتو»: «في تحالف ناضج، إذا احتاج أحد الحلفاء (...) إلى إعادة توجيه بعض القوة إلى مكان آخر، فبوسعه أن يفعل ذلك، وعلى الآخرين أن يكونوا قادرين على سدّ الفراغ».

بدوره، قال نيلس هيلمر، وزير الدولة في وزارة الدفاع الاتحادية الألمانية، إن برلين تسرّع استثماراتها العسكرية بصرف النظر عن الانتشار الأميركي مستقبلاً. وأضاف: «ما نعرفه على وجه اليقين... هو أنه ستكون هناك تحولات في هذا المجال». وتابع: «لهذا السبب نحن بصدد تولّي أمننا بأيدينا».

«مصداقية الناتو» وترابط المسارح

استخدم وزراء أوروبيون المنتدى أيضاً لطمأنة الشركاء الآسيويين إلى أن «الناتو» لا يزال يحظى بالمصداقية خارج جواره المباشر.

وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران في كلمة أمام المندوبين إن «مصداقيتنا في آسيا تعتمد أيضاً على صلابتنا في أوروبا، في الدفاع عن أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي».

هيغسيث يتوسط نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

وقال وزراء دفاع أوروبيون آخرون إن مسارح الأمن باتت أكثر ترابطاً على نحو كبير. وقال وزير الدفاع النرويجي توري ساندفيك، مشيراً إلى أن قوات كورية شمالية تقاتل في أوكرانيا، إن «المسرحين الأوروبي - الأطلسي والهندي - الهادئ أصبحا غير قابلين للفصل». وأضاف: «ستكون الولايات المتحدة منشغلة في مسارح أكثر».

لكن، على الرغم من كل الانتقادات الصادرة عن البنتاغون، قال عدد من أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب الأميركيين إنهم يسعون إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيين والآسيويين إلى أنهم يحظون بدعم الحزبين في الكونغرس.

وقالت السيناتورة الأميركية تامي داكوورث: «سمعت القلق نفسه من الجميع، وليس فقط في المنطقة». وأضافت: «هناك بالفعل حلفاء في (الناتو) قلقون بشأن التزام أميركا بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ».

ومع ذلك، لا يزال التشكيك قائماً بين مندوبين آخرين بشأن وتيرة التحرك الأوروبي للاستثمار في الأمن الجماعي. وقال بافلو كليمكين، الزميل الأول غير المقيم في «مؤسسة كارنيغي»، ووزير الخارجية الأوكراني السابق: «على أوروبا أن تتعلم كيف تصبح لاعباً». وأضاف: «لا سبيل للالتفاف على ذلك. لكنه قد يكون مفيداً للغاية لشراكتها مع الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ستحترم مثل هذا الزخم الأوروبي».