مؤسس موقع «فوتبول ليكس» متهم أم بطل كشف الفساد؟

كيف أصبحت تسريبات كرة القدم فضيحة سياسية كبيرة في البرتغال؟

الشرطة المجرية لحظة القبض على بينتو قبل ترحيله إلى البرتغال (أ.ف.ب)  -  بينتو يخشى على نفسه بعد خضوعه للمحاكمة في لشبونة (إ.ب.أ)
الشرطة المجرية لحظة القبض على بينتو قبل ترحيله إلى البرتغال (أ.ف.ب) - بينتو يخشى على نفسه بعد خضوعه للمحاكمة في لشبونة (إ.ب.أ)
TT

مؤسس موقع «فوتبول ليكس» متهم أم بطل كشف الفساد؟

الشرطة المجرية لحظة القبض على بينتو قبل ترحيله إلى البرتغال (أ.ف.ب)  -  بينتو يخشى على نفسه بعد خضوعه للمحاكمة في لشبونة (إ.ب.أ)
الشرطة المجرية لحظة القبض على بينتو قبل ترحيله إلى البرتغال (أ.ف.ب) - بينتو يخشى على نفسه بعد خضوعه للمحاكمة في لشبونة (إ.ب.أ)

يقول رافائيل بوشمان، مراسل مجلة «دير شبيغل» الألمانية الذي التقى لأول مرة مؤسس موقع «فوتبول ليكس» روي بينتو، منذ ما يقرب من أربع سنوات: «بينتو يشعر بخوف أكبر مما سيحدث على الساحة السياسية لأن كرة القدم متوغلة تماماً في آليات الدولة البرتغالية. عندما أخبرني بهذا الأمر لأول مرة، لم أكن متأكداً من ذلك، لكن عندما رأيت علاقة ذلك بأنطونيو كلوني، أدركت أنه كان محقاً تماماً».
لقد مرّ الآن أكثر من ثلاثة أسابيع على تسليم روي بينتو من المجر إلى بلده الأصلي البرتغال بعد اتهامه بمحاولة الابتزاز والإجرام عبر الإنترنت، وهي التهم التي قد تؤدي إلى عقوبة السجن لمدة 10 سنوات إذا ثبتت صحتها. وظل مؤسس موقع «فوتبول ليكس»، الذي كشف بالفعل العديد من قضايا الفساد على أعلى مستوى في لعبة كرة القدم، قيد الحبس الاحتياطي وهو ينتظر المحاكمة، على الرغم من احتجاجات محاميه بأنه ينبغي السماح له بالخروج بكفالة.
وخلال الأسبوع الماضي، ظهر بينتو ومحاميه وعضوة البرلمان الأوروبي آنا غوميز، في مؤتمر صحافي إلى جانب أنطونيو ديلتور الذي شارك في الكشف عن فضائح «لوكسمبورغ ليكس»، في لشبونة لتأكيد تصميم بينتو على الكشف عن المعلومات التي لديه للمدّعين العامّين من فرنسا وبلجيكا وسويسرا عبر وحدة التعاون القضائي في الاتحاد الأوروبي «يوروجست». وأكدت غوميز أن بينتو، البالغ من العمر 31 عاماً، يمكنه «تقديم مساعدة قيمة في استرداد الأموال المسروقة من خلال التهرب الضريبي».
وينتظر بينتو الذي وُصف بأنه «إدوارد سنودن كرة القدم»، مصيره وهو يشعر بخوف شديد بعد أن ادّعى في مناسبات عديدة أنه يخشى على حياته بعد أن أصبح الآن تحت رحمة السلطات البرتغالية. واعترف بوشمان، مراسل مجلة «دير شبيغل» الألمانية، بأنه لا يزال يشك في أن العدالة ستتحقق، وقال: «بينتو متفائل للغاية لأنه واثق من أنه لم يرتكب أي خطأ. لكن يمكنك أن ترى في البرتغال أن الأمر أصبح فضيحة سياسية كبيرة للغاية، وهذا يجعل من الصعب للغاية تحديد الطريقة التي ستمضي بها هذه الأمور».
ومنذ ديسمبر (كانون الأول) 2016 وبالنيابة عن مجلة «دير شبيغل» وشركاء آخرين في شبكة المنظمة الأوروبية للتعاون في التحقيقات، استخدم بوشمان وفريقه، المستندات التي تم الحصول عليها عبر موقع «فوتبول ليكس» لكشف ارتكاب مخالفات في عالم الرياضة، بما في ذلك التهرب الضريبي من جانب النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، والمدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو –وكلاهما يعمل مع وكيل الأعمال البارز خورخي مينديز– فضلاً عن الانتهاك المزعوم من جانب مانشستر سيتي لقواعد اللعب المالي النظيف التي أقرّها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بالإضافة إلى نشر أقوال كاثرين مايورجا التي تتهم فيها كريستيانو رونالدو باغتصابها في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنّ مهاجم يوفنتوس ينفي تلك الاتهامات.
وأعلنت مجلة «دير شبيغل» أنها فازت باستئناف بشأن حكم قضائي صدر عام 2017 يحظر عليها نشر مقالات تتعلق بضرائب النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو عندما كان لاعبا في ريال مدريد، بعد أن سحب المحامون الذين يعملون نيابةً عن شركة «سن فيريرو» الإسبانية، التي ضمت قائمة عملائها السابقين رونالدو ونجم آرسنال مسعود أوزيل، الطلب المقدم أمام المحكمة.
وقبل أيام قليلة من الموافقة على تسليم بينتو، تمت دعوة بوشمان إلى لاهاي في نهاية فبراير (شباط) الماضي لحضور مؤتمر صحافي أكدت فيه وحدة التعاون القضائي في الاتحاد الأوروبي «يوروجست» رغبتها في الوصول إلى بعض المعلومات المقدمة من المُبلغين عن المخالفات، لكنه فوجئ بمعرفة أن الممثل البرتغالي للوحدة هو أنطونيو كلوني.
يقول بوشمان: «عندما رأيته في القائمة قلت لزميلي إنني أعرف هذا الاسم. وعندما راجعت اسمه في قاعدة بيانات (فوتبول ليكس) في وقت لاحق، وجدت أن هناك العديد من الروابط بين نجله وبين اللاعبين الذين يمثلهم مينديز لدرجة أنني لم أكن أتخيل كيف يمكن لشخص ما أن يكون لديه تضارب في المصالح في هذه القضية بهذا الشكل الفج».
ويضيف: «كان هذا مؤتمراً صحافياً مهماً، حيث أظهر للعالم لأول مرة أن السلطات كانت مهتمة بهذه القضية وكانت تفكر في أن يخضع روي بينتو لبرنامج حماية الشهود. وعندما اتصلت بروي وسألته عما إذا كان يعرف ذلك، قال: بالطبع، هذه هي البرتغال».
وتبين أن نجل كلوني، جواو ليما، هو محامٍ يعمل لدى شركة «مورايس ليتاو»، وهي الشركة التي مثّلت رونالدو ومورينيو وعدة عملاء آخرين لمينديز ووكالة «غيستيفوت» التابعة له، على مدى أكثر من عقد من الزمان. وكتب بوشمان في صحيفة «دير شبيغل» في فبراير الماضي يقول: «في رسائله الخاصة، وصف رونالدو بكل مودة أحد شركاء الشركة، وهو كارلوس أوسوريو دي كاسترو، بأنه أب. ويعمل أوسوريو دي كاسترو مستشاراً قانونياً لرونالدو منذ بداية المسيرة الرياضية للاعب البرتغالي، كما قام المحامي المقيم في بورتو بتنسيق استراتيجية الدفاع عن رونالدو بشأن مزاعم الاغتصاب التي وُجهت ضده».
وعلى الرغم من أن أعضاء في «يوروجست» ومجلة «دير شبيغل» قد أثاروا مخاوف بشأن تضارب المصالح المحتمل فيما يتعلق بتورط كلوني في هذه القضية، فقد تم رفض هذا الاتهام بعد أسبوع من تدخل المدعي العام البرتغالي الذي قال: «لا يوجد تضارب في المصالح في ضوء المادة 54 من القانون الجنائي البرتغالي».
يقول بوشمان عن ذلك: «إنه أمر طبيعي بالنسبة إليهم. لقد قال لنا كلوني إنه لم يشارك بشكل مباشر في هذا التحقيق، لكن بعد أيام قليلة من نشر قصتنا عن كريستيانو رونالدو، تم تسريع عملية إصدار مذكرة التوقيف بحق بينتو لمدة ثلاث سنوات. ربما يرى البعض أن الأمر مجرد مصادفة، لكننا لا نعتقد ذلك».
وفي هذه الأثناء، يتفاوض المدعون العامون الفرنسيون مع نظرائهم البرتغاليين بشأن ما إذا كان يمكن منح بينتو حصانة من المقاضاة بسبب الابتزاز المزعوم لوكلاء مؤسسة «دويونغروب» في عام 2015 من أجل مساعدتهم في مواصلة التحقيقات في فساد كرة القدم. وقد حصل المكتب المالي الوطني -الذي حقق في مزاعم الفساد بشأن التصويت على حق استضافة كأس العالم 2018 و2022 والمسؤول عن إنفاذ القانون ضد الجرائم المالية الخطيرة في فرنسا- على 26 تيرابايت من البيانات من بينتو. هذا بالإضافة إلى وثائق أخرى جاءت من 3.4 تيرابايت من المعلومات المقدمة مسبقاً.
وفي 12 مارس (آذار) الماضي -وبالتحديد بعد أسبوع واحد من تأكيد تسليم بينتو في بودابست- أعلن البرلمان الأوروبي عن اتفاق مبدئي لإدخال تشريع جديد من شأنه أن يساعد في حماية المبلغين عن المخالفات بموجب قانون الاتحاد الأوروبي. لكن على الرغم من أن هذا القانون لم يتم التصديق عليه حتى الآن، يأمل بوشمان أن يتم التصديق عليه في الوقت المناسب لكي يساعد بينتو وآخرين ممن يرغبون في كشف الفساد.
يقول بوشمان: «حتى الآن، الكثير من قوانين الاتحاد الأوروبي بشأن الإبلاغ عن المخالفات لم تحمِ سوى الأشخاص الموجودين داخل الشركة أو المنظمة التي يبلغون عن الفساد بداخلها، لكنني أعتقد أنه في المستقبل قد يكون هناك الكثير ممن يتصرفون مثل روي بينتو أو مثل جون دو الذي سرب وثائق بنما، وكلاهما من خارج المؤسسات التي كشفا عن فسادها للعامة. عندما لا يستطيع القانون منحهم أي نوع من أنواع الحماية، فإنهم سيواجهون حياة قاسية ومن الضروري مساعدتهم قدر المستطاع».
ويضيف: «لقد استلهم روي ما قام به من فكرة محاولة تنظيف شركة ما من الفساد. لقد تحدثت إليه عدة مرات حول هذا الموقف وحول التضحيات التي يقدمها. إنه ينظر إلى الأمر على أنه مسألة خطيرة للغاية، لأن كرة القدم لم تصبح مجرد لعبة هذه الأيام، لكنها تطورت لتصبح آلة غسل أموال كبيرة للأثرياء. لقد كشفت هذه الأمور أن بعض المشجعين يفكرون بشكل مختلف قليلاً عن بعض في هذه القضايا وعن الأندية التي يشجعونها».


مقالات ذات صلة

«كأس العالم»: نوير يعادل رقماً قياسياً في عودته للمشاركة مع ألمانيا

رياضة عالمية مانويل نوير حارس مرمى ألمانيا (رويترز)

«كأس العالم»: نوير يعادل رقماً قياسياً في عودته للمشاركة مع ألمانيا

عاد مانويل نوير، حارس مرمى ألمانيا، من اعتزاله الدولي ليعادل رقماً قياسياً على مستوى حراسة المرمى في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الأوروبي (اليويفا) السلوفيني ألكسندر تسيفرين (يمين) (رويترز)

اتحادات كروية أفريقية تندد بتصريحات رئيس «اليويفا»

نددت اتحادات كروية عدة لبلدان تأهلت منتخباتها إلى مونديال 2026 لكرة القدم بتصريحات رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة (اليويفا) السلوفيني ألكسندر تسيفرين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية الهولندي ديك أدفوكات مدرب كوراساو الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم (رويترز)

رسمياً... أدفوكات أكبر مدرب سناً في تاريخ المونديال

تصدر الهولندي ديك أدفوكات، مدرب كوراساو، المشارك لأول مرة في تاريخه بنهائيات كأس العالم، قائمة أكبر المدربين سناً في تاريخ المونديال.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية أسطورة كرة القدم الإيرانية خداداد عزيزي (وكالة الأنباء الإيرانية)

نجم إيران السابق عزيزي: على كرة القدم خدمة السلام وليس السياسة

يرى أسطورة كرة القدم الإيرانية، خداداد عزيزي، أنه يجب على اللعبة الشعبية الأولى في العالم أن تخدم «السلام».

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.

 

عاجل مونديال 2026: ألمانيا تسحق كوراساو بسباعية