نيجيريا الدولة العملاقة في أفريقيا تواجه اليوم تحدي الانتخابات

للاختيار بين محمد بخاري الرئيس المنتهية ولايته وزعيم المعارضة عتيق أبو بكر

عتيق أبو بكر، محمدو بوخاري
عتيق أبو بكر، محمدو بوخاري
TT

نيجيريا الدولة العملاقة في أفريقيا تواجه اليوم تحدي الانتخابات

عتيق أبو بكر، محمدو بوخاري
عتيق أبو بكر، محمدو بوخاري

تشهد نيجيريا، اليوم السبت، انتخابات ستشكل تحديا حقيقيا لهذا البلد الذي يضم 190 مليون نسمة ووصف في 2015 بأنه نموذج للديمقراطية. وفي اليوم الأخير من حملة الانتخابات الرئاسية والتشريعية ساد توتر في البلاد، من عملية تنظيم هائلة إلى التوتر الأمني وشراء الأصوات. وسيصوت هذا البلد الأكبر في أفريقيا من حيث عدد السكان وأول قوة نفطية في القارة في انتخابات متقاربة جدا للاختيار بين الرئيس المنتهية ولايته محمد بخاري وزعيم المعارضة عتيق أبو بكر، النائب السابق لأحد الرؤساء.
والاجتماعات السياسية هي قبل كل شيء مناسبة لجمع بعض التذاكر، والمواد الغذائية أو «هدايا» توزعها فرق الحملة على الجموع. وقال أحد عناصر شرطة أبا «تعرفون ما يمكن أن يفعله الناس من أجل كيس من الأرز». وأضاف، لوكالة الصحافة الفرنسية أن «واجبكم هو التأكد من أنهم يستطيعون اختيار مرشحهم بحرية ومن دون ضغوط ومن دون أن يكشفوا لمن صوتوا، عبر التقاط صور لهم معه مثلا بهواتفهم النقالة». وشراء الأصوات شائع في نيجيريا ويتم مقابل بضعة آلاف من النايرات (بين 2 و5 يوروات على الأكثر).

وعبر أحد أعضاء مفوضية الانتخابات في يولا عن أسفه على «أن كل السياسيين يفعلون ذلك». وقال «إنهم لا يكشفون فورا لكن بعد إعلان النتائج من يخسر يذهب ليتشكى من ممارسات الآخرين».
هسا التي تعمل خياطة في كانو تميل إلى أن تكون براغماتية. فإلى جانب صلاتها، لا ترفض أن تتلقى مبلغا صغيرا. وقالت: «يقدمون لي المال وسآخذه». وأضافت: «إنها ليست جريمة لأنه في كل الأحوال مالنا وكل ما يفعلونه هو أنهم يعيدونه لنا».
وبات العملاق الأفريقي البلد الذي يضم أكبر عدد من الأشخاص الذين يعيشون في أدنى درجات الفقر (87 مليونا)، متقدما على الهند كما يفيد مؤشر «وورلد بوفرتي كلوك» لرصد مستويات الفقر في العالم. وقد غرقت البلاد في ركود اقتصادي بين 2016 و2017 بعد وصول محمد بخاري إلى الحكم. وخلال شهر جاب بخاري مرشح مؤتمر التقدميين، وأبو بكر مرشح الحزب الشعبي الديمقراطي أبرز أحزاب المعارضة الولايات الـ37 التي تتألف منها نيجيريا، واستقطب كلاهما مجموعات حاشدة من المؤيدين. ويرى عدد كبير من الخبراء والمراقبين في الواقع، كما نقلت عنهم الصحافة الفرنسية، أن الأرقام القياسية التاريخية للمشاركة في اللقاءات السياسية ترمز إلى التباطؤ الاقتصادي والفقر السائد، أكثر مما ترمز إلى الزيادة المفاجئة لشعبية هذين المرشحين اللذين لا يتمتعان بشعبية ولا بجاذبية. ويريد المعارض أبو بكر أن يتمحور الفارق حول المسائل الاقتصادية واعدا بـ«إعادة نيجيريا إلى العمل». ويدافع أبو بكر النائب السابق للرئيس ورجل الأعمال المرموق عن سياسة ليبرالية لإخراج نيجيريا من الكساد الاقتصادي، فيما شجعت إدارة بخاري سياسة تدخل الدولة في شؤون البنك المركزي من خلال تحديد أسعار الصرف أو منع الاستيراد. وجعل محمد بخاري من نفسه أيضا رجل سياسة قريبا من الشعب من خلال نظام للقروض الصغيرة (من 24 إلى 75 يورو) يطلق عليه «تدرير موني» لمليونين من التجار في الأسواق. وقال شيتا نوانزي، المحلل السياسي لمكتب «إس.بي.إم إنتليجنس» في لاغوس لوكالة الصحافة الفرنسية إن «بخاري يجعل من نفسه رجل دولة قريبا من الحكومة في منظومة لتأميم الخدمات، فيما يجعل أبو بكر من نفسه مقربا من عالم الأعمال ويريد تشجيع القطاع الخاص». وأضاف الباحث: «هذا أمر جديد في بلادنا. لم يحصل ذلك من قبل عندنا أبدا».
وبينما كان حشد ينتظر محمد بخاري الرئيس المنتهية ولايته المرشح لولاية ثانية، أمام منزله في دورا بشمال غربي البلاد، كان عتيق أبو بكر يلقي آخر خطاب له أمام آلاف المؤيدين في ولاية أداماوا (شمال شرقي).
وقال مرشح الحزب الشعبي الديمقراطي المعارض في آخر مهرجان في يولا: «أحبكم!».
وكان الرجل الذي شغل منصب نائب الرئيس من 1999 إلى 2007 ينتظر هذه اللحظة منذ فترة طويلة. فبعد أربع محاولات، قد يتم انتخاب رجل الأعمال هذا البالغ من العمر 72 عاما رئيسا لنيجيريا أول اقتصاد في أفريقيا وأول مصدر للنفط في القارة.
لكن المنافسة تبدو حادة في الاقتراع الذي دعي إليه 84 مليون ناخب. ويفترض أن تعلن النتائج في الساعات الـ48 التي تلي التصويت، لكن عملية فرز الأصوات معقدة ويمكن أن تستغرق بعض الوقت.
ويفترض أن يحصل الفائز على أصوات أغلبية الناخبين، إلى جانب 25 في المائة من الأصوات في ثلثي ولايات الاتحاد البالغ عددها 36، إضافة إلى منطقة العاصمة الفيدرالية أبوجا، وإلا يتم تنظيم دورة ثانية في الأسبوع التالي.
يأتي حزب مؤتمر كل التقدميين في الطليعة بين الناخبين، لكن المعارضة يمكن أن تستفيد من حصيلة أداء سيئة لرئيس الدولة البالغ عمره 76 عاما، والذي شهد عهده انكماشا اقتصاديا في 2016 و2017 وتفاقم غياب الأمن في عدد من مناطق البلاد.
وقالت يولا التي اعتمرت قبعة تحمل اسم «عتيق» لوكالة الصحافة الفرنسية: «في 2015، كنا نعتقد أن بخاري سيقوم بعمل جيد لكنه خيب أملنا». من جهتها، صرحت التاجرة تونويي غوونو (37 عاما): «كل صباح أصلي ليأتي لنا الله بعتيق»، مشيرة إلى أن المستثمر الثري «أفضل» في قطاع الأعمال من الجنرال السابق محمد بخاري. أما الخياط الشاب أحمد أدو هسا الذي يعمل في كانو (شمال غربي) فقد رأى أن «الله اختار أصلا الفائز. كل ما سنفعله هو أننا سنؤكد ذلك بأصواتنا». وفي هذه العاصمة التاريخية الهائلة للإسلام في نيجيريا، وصلت أولى الشاحنات التي أرسلتها المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات صباح الخميس وهي تنقل بطاقات اقتراع وصناديق وأجهزة قراءة البطاقات الانتخابية الإلكترونية. وقال الناطق المحلي باسم المفوضية محمد غاربا لاوان: «كل شيء بات جاهزا».
وتظاهر مئات من أعضاء حركة الشعوب الأصلية لبيافرا هذا الأسبوع داعين السكان إلى تحدي السلطة المركزية. لكن زعيمهم نامدي كادو أثار مفاجأة الجمعة بتراجعه عن التهديد بمقاطعة الاقتراع.
وفي بداية فبراير (شباط)، أحرق مكتب مفوضية الانتخابات في أبا مع أكثر من ثلاثة آلاف بطاقة لناخبين. وذكر صحافيون من وكالة الصحافة الفرنسية أن نقاط مراقبة عسكرية وللشرطة أقيمت على طول طرق المنطقة. لكن التهديد الأكبر الذي يهدد الانتخابات هو شراء الأصوات من قبل الأحزاب السياسية للحصول على دعم كثيف من قبل الناخبين.



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).