طبيبة نفسية تشرح: لماذا تخشى ضحية الاعتداء الجنسي إخبار أفراد أسرتها؟

كريستين بليسي فورد اتهمت القاضي بريت كافانو بالاعتداء عليها والصورة من جلسة استماع في واشنطن (أ.ب)
كريستين بليسي فورد اتهمت القاضي بريت كافانو بالاعتداء عليها والصورة من جلسة استماع في واشنطن (أ.ب)
TT

طبيبة نفسية تشرح: لماذا تخشى ضحية الاعتداء الجنسي إخبار أفراد أسرتها؟

كريستين بليسي فورد اتهمت القاضي بريت كافانو بالاعتداء عليها والصورة من جلسة استماع في واشنطن (أ.ب)
كريستين بليسي فورد اتهمت القاضي بريت كافانو بالاعتداء عليها والصورة من جلسة استماع في واشنطن (أ.ب)

منذ العام الماضي انطلقت حركة Metoo في العالم الغربي والعديد من دول العالم والتي تشجع النساء بالبوح والحديث عن تعرضهن لحوادث التحرش والاغتصاب اللاتي تعرضن لها في الماضي مما فتح الباب لتوجيه الاتهام لشخصيات عدة من بينهم مؤخرا القاضي الأميركي بريت كافانو الذي سانده رئيس بلاده دونالد ترمب للانضمام إلى المحكمة الدستورية في الولايات المتحدة بعد جلسات استماع، وقبل كافانو تم اتهام ساسة وفنانين وشخصيات عامة... الطبيبة النفسية مونيكا هيسي تشرح سبب كتمان النساء لتعرضهن لهذه الحوادث عن أقرب الناس إليهن.
تلقيت رسالة إلكترونية من رجل تعليقا على ما كتبته بشأن ظاهرة التحرش في الشوارع. وقد أبدى سعادته بأن ابنته التي في سن الدراسة الجامعية لم تتعرض لمثل هذه التجربة. لكن قبل أقل من يوم واحد، كتب لي مجددا.
كان قد تحدث لتوه مع ابنته وأخبرته أنها تعرضت للتحرش مرات عديدة أخرها كان في ذات أسبوع محادثتهما، وأنها لم تخبره بهذا الأمر لرغبتها في حمايته من الألم الذي تعانيه.
ففي حين تبقى الأراء النمطية حول كون النساء في غاية الهشاشة والعاطفية، كشفت الأسابيع الأخيرة ما تدركه العديد من النساء بالفعل، وهو أن مجهودا كبيرا يبذل في حماية الرجال الذين نحبهم من مواجهة الأمور السيئة التي تحدث لنا، والكثير من الآباء يكونون أقرب إلى هذه الأمور السيئة أكثر مما يمكنهم في يوم إدراكه.
يقول مذيع محطة فوكس الإخبارية كريس والاس متأملا على الهواء "اثنين من بناتي أخبراني قصصا لم أسمعها من قبل عن أمور جرت لهم في المدرسة الثانوية"، ، فيما كان يطالب من المشاهدين المتشكيين التفكير بعناية في شهادة كريستين بلاسي فورد الأستاذة الجامعية التي تتهم بريت كافانو المرشح قاضياً للمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة بمحاولة اغتصابها عام 1982.
إذا كنت أب ولم تسمع من قبل مثل هذه القصص، فهذا لا يعني أنها لم تقع بالفعل. فهذه القصص تتدفق على بريدي الإليكتروني بشكل يومي تقريبا.
إلى والد السيدة الشابة التي تعرضت للاعتداء من جانب الطالب الرياضي الذي تم توظيفها لمنحه دروسا خاصة. هي لم تخبرك أبدا لأنها لم ترغب في كسر قلبك. ولكنها أخبرتني في رسالة إلكترونية مطولة، لأنى ذكرى ما جرى كانت تكسر قلبها هي، واستغرقت خمسة أعوام تعيد معايشة ما جرى لها.
إلى والد طالبة الصف الأول الثانوي التي تم محاصرتها وتجريدها من ملابسها خلال تجمع قبل ثلاثين عام، هي لم تخبرك لأنها لم ترد أن تراك تبكي. ولكنها أخبرتني أنها مازالت تتذكر تفاصيل ما جرى.
إلى والد المراهقة التي تعرضت للاغتصاب خلال حفل، أنت لا تعلم عن هذا لأنها كانت واثقة أنك لو علمت، فأنك ستبادر إلى قتل مغتصبها وتذهب إلى السجن، ويكون هذا خطأها.
إلى والد الصبي الذي تعرض للاعتداء من جانب رجل أكبر منه سنا، اتمنى لو يمكنني أن أخبرك بالمزيد عن ما تعرض له، ولكنه لم يخبرني، وحتما لن يخبرك، لأن الرجولة مهمة بالنسبة لك، هكذا يقول.
إلى جميع آباء الضحايا الصامتين، إن ابناءكم يحملون هذه القصص بهدوء، ليس لأنه لا يمكنهم التعامل مع مشاعرهم، ولكن لقلقهم أن لا تتمكنوا أنتم من ذلك.
يقلقهم أن مشاعركم سيكون لها العديد من التبعات، أو يخشون ألا تعودا تفكروا فيهم بالطريقة ذاتها، أو أنكم ستشعرون بالاضطراب لأنكم لم تقوموا بحمايتهم.
"كان ليعني ذلك أن اتحدث عن شأن جنسي."، إحدى السيدات كتبت لي عن سبب استغراقها عقود حتى تخبر أباها بتعرضها للاعتداء خلال حفل بحمام للسباحة عندما كانت في العاشرة من عمرها. " وذلك كان من التابوهات المحرم الحديث عنها."
أفكر مؤخرا في التابوهات وكيف أن الكثير منها موجود لأن النساء لا يرغبن في منح الرجال هذا الشعور بعدم الراحة عند التعامل مع آلام السيدات- وهو نطاق واسع يتضمن التقلصات، والإرضاع الطبيعي، وأحوال الأحشاء في حالة الولادة، وآلام فترة الحيض.
صديقة عزيزة كشفت هذا الأسبوع عن تعرضها للاعتداء بشكل متكرر خلال طفولتها، هي بخير الأن، وفقا لما ذكرته. والسبب الوحيد أنها لم تكشف عن ما جرى لها علنا كان أن والدها لا يعلم بما جرى، فقد كان من شأن ذلك أن يدمره. ورأت المفارقة الدرامية في ذلك، أنه حتى وهي تحاول التعافي، كانت قلقة بشأن حماية رجل من العذاب.
فقد كتبت لي: " ياالله، لقد بذل أبي الكثير من أجلي"، "وأنا استطيع وسأبذل ذلك من أجله." يبدو هذا منطقي بالنسبة لي، فجميعنا يرغب في حماية أحبائهم من تلقي الأخبار المؤلمة. فأنا لا أرغب أيضا لوالد هذه السيدة أن يتعامل مع الأمر. ولكن عندما أفكر في التكتم الشجاع لصديقتي، أجد الرغبة لدي في البكاء.
إذن فبالنسبة للباقيين منكم، إن كان يمكنكم إخبار آبائكم بطريقة تبدو آمنة، وبطريقة تحقق لكم الارتياح، فأخبروا آبائكم. إخبروا أخوانكم. اجعلوهم في وضع عدم ارتياح، اجعلوهم يشاركونكم بعض آلامكم. لا تتركوهم على جهلهم. إن كان آبائكم سيشكلون معتقدات حول كيفية تصرف الضحية وكيف يكون مقترف الجرم، إذن فاجبروهم على التعامل مع مدى تعقيد وضع مثل هذه الافتراضات بالنسبة لشخص يحبونه.
وإن كنت أنت نفسك أب، وتعتقد أن ذلك لا يمكن أن يحدث لأبنتك، كيف يمكن لك أن تتأكد؟ فهي قد لا تخبرك، ولكنها أخبرتني.
سيدة في العقد الخامس من عمرها اتصلت بي هذا الأسبوع وأخبرتني أن والدها كان من هذا النوع الذي ترغب في نيل إعجابه، والتسبب في خيبة أمله كان أسوأ ما يمكن أن تتخيله. وذلك ما سيطر على عقلها قبل أربعين عاما عندما جذبها مجموعة من فتيان الحي إلى داخل منزل وقاموا بالإعتداء عليها، أحدهم كان يراقب الباب واثنان كانا يقوما بانتهاك جسدها. كانت تفكر في أنها لا ترغب في أن تخيب أمل والدها. الأسبوع الماضي، بدأت هذه السيدة تشعر أن والدها لا يمكنه أن يعرف من هي فعلا، إلا إذا أطلعته على تفاصيل الاعتداء الذي وقع عليها. اتصلت به، وخرجت تفاصيل القصة منها متعثرة. وعلى الهاتف في هذا اليوم، وفقا لرواية السيدة، كان يتحدث أبيها بــ "صوت الوالد". وليس الصوت الراشد الذي اعتاد استخدامه عندما يتحدثا هذه الأيام. ولكنه كان يستخدم صوته المرتبط بطفولتها، فيحاول تهدئتها والتعامل معها بأبوة.
وبـــ "صوت الوالد"، أخبرها أنه ليس عليها إخباره القصة كاملة الآن، ولكن عندما تكون على استعداد، كان يرغب في الاستماع لها.


مقالات ذات صلة

هيئة بريطانية تحقق مع «تلغرام» بشأن تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال

أوروبا تم تلقي أدلة من مركز لحماية الأطفال بشأن مزاعم مشاركة مواد تتعلق باعتداء جنسي على أطفال على منصة «تلغرام» (رويترز)

هيئة بريطانية تحقق مع «تلغرام» بشأن تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال

فتحت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم) تحقيقاً، الثلاثاء، بشأن تطبيق «تلغرام» للمراسلة بعد ظهور أدلة تشير إلى تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة عامة في بروكسل (رويترز)

المفوضية الأوروبية تحض البرلمان على تمديد قوانين كشف محتوى الاعتداء الجنسي على الأطفال

حضّت المفوضية الأوروبية نواب البرلمان الأوروبي على دعم تمديد القوانين التي تسمح بالكشف عن مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال في المراسلات الخاصة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية (رويترز) p-circle

وفاة إبستين: لماذا لم تؤكد الطبيبة الشرعية فوراً فرضية الانتحار؟

كشفت الطبيبة التي فحصت جثة جيفري إبستين لأول مرة عن سبب ترددها في تحديد أن وفاته كانت انتحاراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة التقطتها طائرة مسيرة تُظهر «مزرعة زورو» وهي كانت مملوكة سابقاً لجيفري إبستين بالقرب من ستانلي في نيو مكسيكو (رويترز)

محققون أميركيون يفتّشون مزرعة إبستين السابقة في نيو مكسيكو

بدأ المحققون في ولاية نيو مكسيكو الأميركية، أمس (الاثنين)، تفتيش المزرعة السابقة لجيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز) p-circle

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل.


رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.