أسباب الهجرة الجماعية للاعبين الشباب الإنجليز إلى الخارج

فرصة اللعب في الفريق الأول في سن مبكرة بإنجلترا أقل بكثير من بلاد أخرى

نوني مادوكا  -  كينان بينيتس  -  جوناثان بانزو  -  ريو غريفيث  -  جادون سانشو  -  ويليام جيوبلز... موهبة فرنسية أثارت الأطماع («الشرق الأوسط»)
نوني مادوكا - كينان بينيتس - جوناثان بانزو - ريو غريفيث - جادون سانشو - ويليام جيوبلز... موهبة فرنسية أثارت الأطماع («الشرق الأوسط»)
TT

أسباب الهجرة الجماعية للاعبين الشباب الإنجليز إلى الخارج

نوني مادوكا  -  كينان بينيتس  -  جوناثان بانزو  -  ريو غريفيث  -  جادون سانشو  -  ويليام جيوبلز... موهبة فرنسية أثارت الأطماع («الشرق الأوسط»)
نوني مادوكا - كينان بينيتس - جوناثان بانزو - ريو غريفيث - جادون سانشو - ويليام جيوبلز... موهبة فرنسية أثارت الأطماع («الشرق الأوسط»)

انتقل أسطورة نادي ليفربول الإنجليزي إيان راش لنادي يوفنتوس الإيطالي عام 1987 واعترف بعد ذلك بأنه لم يقدم أفضل مستوياته خلال العام الوحيد الذي قضاه مع النادي الإيطالي بسبب اختلاف اللغة والثقافة، قبل أن يعود مرة أخرى لليفربول، لكن الآن أصبح هناك جيل كامل من اللاعبين البريطانيين الشباب الذين يفضلون الانتقال إلى أندية خارجية من أجل إيجاد فرصة للمشاركة في الفريق الأول بدلا من الانتظار في الأندية التي نشأوا بها.
ومن المؤكد أن جوناثان بانزو، المولود في حي بروكلي بجنوب العاصمة البريطانية لندن لوالدين إيفواريين، لن يواجه مثل هذه المشكلات مع نادي موناكو الفرنسي. وكان بانزو أحد الأعمدة الأساسية في صفوف المنتخب الإنجليزي تحت 17 عاما الذي فاز على إسبانيا في المباراة النهائية لكأس العالم العام الماضي والذي كان يلعب في صفوف نادي تشيلسي منذ أن كان في التاسعة من عمره، وكان يجيد التحدث بالفرنسية حتى قبل أن ينتقل إلى اللعب في الدوري الفرنسي الممتاز في بداية يوليو (تموز) الماضي. وفاز بانزو، الذي يكمل عامه الثامن عشر في أكتوبر (تشرين الأول) القادم، بخمسة ألقاب في موسمه الأخير في لندن، بما في ذلك بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي للشباب للمرة الخامسة على التوالي. وسيعمل بانزو مرة أخرى مع المدير الرياضي السابق لنادي تشيلسي النيجيري مايكل إيمينالو الذي انضم إلى موناكو العام الماضي بعد أسابيع من الرحيل عن «ستامفورد بريدج».
يقول بادو سامباجوي، الوسيط الذي عمل على انتقال بانزو إلى موناكو: «في البداية، اعتقد الجميع أن بانزو انتقل إلى موناكو بسبب وجود مايكل هناك، لكن النادي الفرنسي كان يتابع جوناثان عن كثب لمدة عامين أو ثلاثة أعوام». وأضاف: «تلقى نادي موناكو الكثير من التقارير وحاول بالفعل التوقيع مع اللاعب لكن تشيلسي لم يكن يرغب في التخلي عن خدمات اللاعب. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حظي اللاعب باهتمام من جانب كل من يوفنتوس وبوروسيا مونشنغلادباخ وفالنسيا وموناكو، وفي نهاية المطاف قرر اللاعب أن يرحل عن تشيلسي في نهاية الموسم. لكن تشيلسي يدرك جيدا أن اللاعب بحاجة لبعض الوقت لكي يتطور ويتحسن وقال إنه ما زال هناك فرصة لعودته مرة أخرى في المستقبل».
وبعد أن توج المنتخب الإنجليزي تحت 20 عاما بلقب كأس العالم العام الماضي، وبعد المستوى الجيد الذي يقدمه زميل بانزوا في صفوف المنتخب الإنجليزي، جادون سانشو، مع نادي بوروسيا دورتموند الألماني بعد الرحيل عن مانشستر سيتي، ازداد الطلب على اللاعبين البريطانيين الشباب بشكل غير مسبوق. وفي يونيو (حزيران) الماضي، انتقل نوني مادوكا، البالغ من العمر 16 عاما، لنادي بي إس أيندهوفن الهولندي قادما من توتنهام هوتسبير بعدما رفض الانتقال لنادي مانشستر يونايتد. وكان صانع الألعاب الشاب قد شارك في بطولة دوري أبطال أوروبا للشباب الموسم الماضي بقميص نادي توتنهام هوتسبير وتألق في صفوف المنتخب الإنجليزي في مراحل سنية مختلفة، وهو ما أضفى قدرا أكبر من الإثارة على قرار رحيله إلى الدوري الهولندي. وقال جون دي جونغ، رئيس فريق الكشافة بنادي أيندهوفن الهولندي عن ضم اللاعب الإنجليزي الشاب: «نتلقى إشارات على نحو متزايد تفيد بأن المواهب الإنجليزية ترغب في اللعب في هولندا. إنهم يرون أن فرصة اللعب في الفريق الأول هنا في سن مبكرة أكبر بكثير عن الأماكن الأخرى».
وفي عام 2013، فاز فريق أيندهوفن بأول مباراة له في هذا الموسم بالدوري الهولندي الممتاز على ملعبه بخماسية نظيفة، لكن الشيء المثير للانتباه هو أن متوسط أعمار لاعبي الفريق الأول في هذا اللقاء وصل إلى 20.35 عام، وهو ما كان أقل من متوسط أعمار لاعبي فريق الشباب الذي خاض مباراة في إطار مسابقات الشباب في نهاية نفس الأسبوع! ومنذ ذلك الوقت، فاز هذا الفريق بلقب الدوري الهولندي الممتاز ثلاث مرات وباع لاعبين بقيمة تتجاوز 120 مليون جنيه إسترليني للأندية الإنجليزية، بما في ذلك ممفيس ديباي إلى مانشستر يونايتد وجورجينيو فينالدوم إلى نيوكاسل يونايتد. وينطبق الأمر نفسه على ألمانيا وفرنسا، حيث كان عدد الدقائق التي لعبها اللاعبون الأصغر من 21 عاما في أندية بوروسيا دورتموند وشالكه وموناكو أكبر من عدد الدقائق التي لعبها نظراؤهم من اللاعبين الشباب في باقي الدوريات الخمس الكبرى في أوروبا، على الرغم من التأهل بانتظام لدوري أبطال أوروبا في الوقت نفسه.
وهكذا، وبينما يتوقع زملاؤه السابقون موسما آخر من المشاركة في فرق الشباب، فإن بانزو - ومهاجم توتنهام هوتسبر السابق ريو غريفيث، الذي أصبح أول لاعب إنجليزي يلعب لنادي ليون في يوليو الماضي بعدما رفض عرضا للاستمرار مع نادي توتنهام هوتسبير بشكل مفاجئ - سوف يشارك في صفوف فريق الرديف للفريق الأول في فرنسا. يقول سامباجي، وهو لاعب دولي سابق في منتخب مالي: «في إنجلترا، يعني النظام أنه من الصعب الانتقال من فريق الرديف إلى الفريق الأول».
ويضيف: «الأندية ليس لديها الوقت الكافي لانتظار اللاعبين الشباب حتى يتطور مستواهم ويكتسبوا الخبرات اللازمة، ولديها ما يكفي من المال للذهاب وشراء لاعب بديل. أما في فرنسا، فيتعين على الأندية أن تمنح الفرص للاعبين الشباب ثم تبيعهم في المستقبل حتى تتمكن من تمويل أكاديميات الناشئين. إن مواجهة الكبار في الدوريات الأقل عندما تكون لاعبا شابا هي طريقة جيدة لإعداد نفسك للمستويات الأعلى. لقد لعبت ضد لاعبين من أمثال أوليفييه جيرو ولورنت كوسيلني، وبالتالي فهناك بعض اللاعبين الجيدين في هذا المستوى».
وجاء فوز المنتخب الفرنسي ببطولة كأس العالم 2018 بروسيا رغم أنه ثاني أصغر منتخبات البطولة من حيث معدل أعمار اللاعبين ليثبت أن فرنسا تسير في الطريق الصحيح. لكن استعداد نادي موناكو لدفع 16 مليون جنيه إسترليني لويليام جيوبلز البالغ من العمر 16 عاماً من نادي ليون في يونيو الماضي وتضخم أسعار لاعبي الدوري الفرنسي الممتاز المنتقلين للدوري الإنجليزي الممتاز في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة تعد بمثابة إشارة على أن السوق قد تشبعت بالفعل.
وأصبح اللاعب كينان بينيتس البالغ من العمر 19 عاما أحدث لاعب إنجليزي يجرب حظه في الدوري الألماني الممتاز، حيث رفض اللاعب الشاب، المولود لأم ألمانية لكنه نشأ في لندن، فرصة البقاء في توتنهام هوتسبير وفضل الانضمام إلى بروسيا مونشنغلادباخ مقابل مليوني جنيه إسترليني هذا الصيف. وبذلك ينضم بينيتس إلى سانشو ولاعب مانشستر سيتي السابق دينزيل بوادو، ولاعب فولفسبورغ، كايلين هيندز، الذي قضى الموسم الماضي يلعب على سبيل الإعارة لنادي غرويتر فورت، الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية.
وقال المدير الفني للمنتخب الإنجليزي تحت 21 عاما، أيدي بوثرويد، العام الماضي: «ربما نرى المزيد من ذلك، لأن لاعبينا يمتلكون إمكانيات جيدة مثل باقي اللاعبين في العالم. إذا وصل اللاعبون إلى أقصى حد للتطور ورأوا أنه يمكنهم الذهاب والمشاركة في عدد أكبر من الدقائق في مكان آخر، فهذا أمر جيد بالنسبة لهم ويجب أن يكون جزءاً من تطورهم».
وإذا تمكن بانزو ومادوكا من ترك بصمة كبيرة مع أنديتهم الجديدة، فسوف يساهم ذلك بكل تأكيد في هجرة المزيد من اللاعبين الإنجليز الشباب بحثا عن فرصة للمشاركة بصورة مستمرة بدلا من مجرد الانتظار في الأندية التي نشأوا بها.


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: أوديغارد يبدد المخاوف بشأن إصابته قبل مواجهة العراق

رياضة عالمية مارتن أوديغارد قائد النرويج (نادي آرسنال)

«مونديال 2026»: أوديغارد يبدد المخاوف بشأن إصابته قبل مواجهة العراق

قال مارتن أوديغارد قائد النرويج إنه لا يشعر بأي قلق بشأن لياقته البدنية قبل مباراة فريقه الافتتاحية في المجموعة التاسعة من كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فوكسبورو )
رياضة عالمية جناح برشلونة ومنتخب اسبانيا لامين يامال (إ.ب.أ)

«مونديال 2026»: يامال لن يبدأ أساسياً أمام الرأس الأخضر

أكد مدرب المنتخب الاسباني لكرة القدم لويس دي لافوينتي الأحد أن جناح برشلونة لامين يامال بات جاهزا لكنه لن يبدأ أساسيا في مباراة الاثنين ضد الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (اتلانتا )
رياضة عالمية الدولي الإسباني بيدرو بورو (رويترز)

بيدرو بورو يمدد عقده مع توتنهام

أنهى الدولي الإسباني بيدرو بورو مدافع توتنهام الإنجليزي التكهنات حول مستقبله بتوقيعه عقداً جديداً طويل الأمد مع النادي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية ألكسندر تسيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» (رويترز)

تسيفرين يشعل عاصفة بالمونديال... و«يويفا» ينفي

وجد ألكسندر تسيفرين، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، نفسه في قلب عاصفة إعلامية جديدة مع انطلاق كأس العالم.

مهند علي (الرياض)
رياضة سعودية منتخب أوروغواي أنهى تدريباته في ماياكوبا ويستعد للسفر لميامي (رويترز)

عطل جوي يربك أوروغواي قبل مواجهة السعودية

عاشت بعثة منتخب أوروغواي ساعات من القلق قبل أقل من 24 ساعة على مباراتها الافتتاحية أمام السعودية في كأس العالم.

مهند علي (الرياض)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.