مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

وسط حملة تغيير واسع في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»
TT

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

يقود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تغييراً واسعاً في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية. ولدى دخوله بالبلاد إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»، أشار إلى وجود العزيمة لإنجاز هذا التغيير في عدة لقاءات مع الشباب أخيراً. وقال للمصريين في مؤتمر للشباب قبل أسبوع، إن رفض الإصلاح الاقتصادي يعني أننا سنواجه معضلة كبيرة.
عدد سكان مصر يربو الآن على 100 مليون يعيشون في معاناة، منذ عقود، في قلب منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالاضطرابات والتربص والحروب. ولكن بات من الممكن أن يرى المرء على جانبي الطرق الدولية الجديدة مشاريع ضخمة لم يُعلن عنها رسمياً بعد، مع مرونة سياسية ودبلوماسية في التعاطي مع تقاطعات تضرب منطقة الشرق الأوسط بين حين وحين. ووفق الدكتور إبراهيم عبد الله، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، المستشار الاقتصادي لوزارة الداخلية المصرية، فإن «ما يجري تطبيقه الآن من سياسات يعكس إيقاعاً هادئاً، لحقن مجموعة قرارات، في جسد الاقتصاد المصري، لتصحيح وتصويب ما ارتُكب من أخطاء في الماضي».
يتابع العديد من الخبراء والاقتصاديين ويترقبون توجهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للتغلب على الواقع الاقتصادي الصعب، ويعتبرون أن من شأن ما يقوم به تغيير وجه مصر في السنوات المقبلة، مع ملاحظة أن السيسي يفضل مكاشفة الرأي العام بما يجري. وبالفعل، دعا الشعب إلى ضرورة تحمل إجراءات الإصلاح الاقتصادي، قائلاً: «أنتم مَن سيتحمل النجاح والفشل أيضاً بجانب الدولة».
على أرض الواقع تبدو الأسعار حالياً مرتفعة، والحياة مُرَّة، لدى قطاع كبير من عامة المصريين، خصوصاً بعد ما يزيد على سنة من تحرير سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وكان هذا قراراً لم يجرؤ أي رئيس سابق على الإقدام عليه. غير أنه تظهر اليوم، وفق محللين ومتابعين، بوادر للأمل لكي يشعر الناس بالطمأنينة. فوفقاً للمؤشرات والتقارير الاقتصادية، ومنها تقرير مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني، الأخير، تبدو معدلات الاستثمار بمصر مشجعة، وهي على ارتفاع. ويقول رجل الأعمال المصري، محمد أبو العينين: «انظر... في عامي 2011 و2012 كان المعدل صفراً في المائة. أما اليوم فأصبح يزيد على 5.2 في المائة. هذه معدلات جيدة. أقول لك إن هذا إنجاز ضخم جدا، مقارنة بالظروف التي مررنا بها». وبينما تؤكد الحكومة أنها تستهدف مواصلة زيادة معدل النمو للوصول به إلى 7 في المائة وأكثر، تتوقع «فيتش» أن يصل المعدل إلى 5.5 في المائة خلال العام الحالي (2018 - 2019).

انعكاسات الوضع الأمني
في السنوات الثلاث التي أعقبت إطاحة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، فقد الشارع المصري الأمن، وانتشرت أعمال السرقة والإرهاب وخطف السيارات. وصار السفر عبر الطرق السريعة محفوفاً بالمخاطر. كذلك توقفت السياحة الأجنبية المهمة لخزينة الدولة، وهجر كثير من المستثمرين البلاد. وبالتالي، حين تولى السيسي الحكم في منتصف عام 2014 وضع على رأس أولوياته تحقيق الأمن وإنعاش الاقتصاد.
وحقاً، تراجعت العمليات الإرهابية بشكل كبير، بعد اتخاذ إجراءات دقيقة ومعقدة. أما بالنسبة للاقتصاد، فالحقيقة على الأرض تقول إن الشكوى من الغلاء لم تمنع تدفق نحو 15 مليون مصري، إلى سواحل البحر للاستجمام و«التصييف» في شهور الحر الحالية، كما يقول الخبير الاقتصادي الذي يعيش في الساحل الشمالي الغربي، أيمن غازي. وأنعش هذا تجاراً ومشاريع عقارية، وقطاعات النقل السياحي. وظهرت في الخلفية مقاطع مصورة لمشاهير وهم يرقصون بجوار سياراتهم، وهي تتحرك، على أغنية «كيكي»، التي تم حظرها في عدة دول، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي. وانتشر المصريون بعائلاتهم في المصايف، خصوصاً على الشواطئ الممتدة من الإسكندرية حتى مرسى مطروح. ويقول أيمن غازي: «هؤلاء لديهم قدرة على الإنفاق... وحين تكون هناك حركة، فالكل يستفيد».
ولكن يقول محللون إن الأمر لا يتعلق فقط بإصلاح حكومة السيسي لتداعيات كارثية نتجت عن مرحلة اضطرابات كبرى من عام 2011 إلى عام 2013. ويرون أن القضية تتجاوز ذلك إلى عقود مضت، حين كانت الدولة هي من يقوم بكل شيء نيابة عن المواطن. وفي محاولة لترسيخ أوضاع جديدة، في الوقت الراهن، فإن الدولة ستظل موجودة، لكنها لن تقدم لك الطعام في ملعقة وأنت جالس في البيت؛ فقد ورث المصريون، منذ ما قبل العهد الاشتراكي، مقولة: «إن فاتك الميري (العمل الحكومي) تمرّغ في ترابه».

تركة الاشتراكية
وحاول الرئيس الأسبق أنور السادات تغيير هذا النمط، في أواخر سبعينات القرن الماضي، لكنه لم يكمل الخطة. ومن بعده حاول مبارك فعل الشيء نفسه، وألغى بنوداً اشتراكية و«اتكالية» من الدستور والقانون، وطبق برامج للإصلاح، إلا أنه لم يتمكن من الترسيخ العملي لاقتصاد السوق المتكامل. أما اليوم، حسب الدكتور رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية: «من حيث المبدأ، الأوضاع تتحسن... نعم، لكن بشكل بطيء». لقد حاول مبارك لي ذراع الأدبيات الخاصة بالاشتراكية، وعلى رأسها الاعتماد على الدولة في التوظيف والسكن ودعم الخدمات والسلع، بما فيها وقود السيارات، إلا أن المقاومة كانت أكبر من إمكانيات النظام السياسي الذي ظل يحكم لمدة 30 سنة. كانت هناك عوامل أخرى، بطبيعة الحال، تحاول أن تحرك الشارع ضد مبارك، من بينها التنظيمات الاشتراكية، وجماعة «الإخوان»، وخصومه الآخرون داخلياً وخارجياً. وشارك الاشتراكيون و«الإخوان» بقوة في الحراك الذي أسقط نظامه في 2011.
وحين تولّت جماعة الإخوان الحكم، برئاسة الرئيس الأسبق محمد مرسي، حاولت أن تفعل كما فعل أتباع الإمام الخميني مع شركائهم في «الثورة الإسلامية» في إيران في 1979. وبدأ إخوان مصر في إظهار «العين الحمراء» للاشتراكيين المصريين، لدرجة أن مرسي كان يلتقي بأغلب مسؤولي الأحزاب ما عدا اليساريين. ولم يكن برنامج «الإخوان» الاقتصادي واضح المعالم. ووقفت غالبية الاشتراكيين في نهاية المطاف مع السيسي، حين وقف ضد سياسات مرسي الفوضوية. لهذا من السهل أن تفهم سبب مؤازرة كثير من اليساريين لنهج السيسي بما فيه من تحولات اقتصادية كبيرة، بشرط توفير السلع الرئيسية بأسعار مناسبة للطبقات الفقيرة. وفي اجتماع لقيادات أحد أهم الأحزاب الاشتراكية في وسط القاهرة، كانت هناك ثقة في إجراءات الرئيس.
ويقول أحد هذه القيادات: «الرئيس السيسي يقوم بالتحديث، ومحاربة الفساد، وهذا مهم بالنسبة لنا». ويضيف: «في الحقيقة نرى أنه يواجه (لوبي) يرفض تحديث المجمعات الاستهلاكية التي تبيع السلع المدعومة للفقراء، ويواجه (لوبي) يرفض عودة التصنيع الوطني (القطاع العام)». ويزيد قائلاً: «في النهاية، وجود رأسمالية وطنية، أفضل من الحكم الفاشي لجماعة الإخوان».
وفي العموم، لم يعد هناك من يقبل في مصر بأن تكون الدولة هي «ماما... وبابا». وهو مصطلح شهير ظهر في فيلم «عمارة يعقوبيان» بطولة الفنان عادل إمام. وبدأت الدولة في تقليب هذه الأرض. ويقول رجل الأعمال محمد أبو العينين: «الحقيقة هناك قرارات جريئة تم اتخاذها، من أجل توصيل الدعم لمستحقيه، ولتقليل فاتورة الدعم التي تتحملها الموازنة العامة للدولة. هذه القصة بالتأكيد تجعل الناس تشعر بالأذى. لكن هناك مزايا على الاقتصاد الكلي. وهذا مهم جداً». ويضيف «أعتقد أن (ترشيد الدعم) عالج مشكلة أساسية كنا نعاني منها خلال الثلاثين سنة الماضية، وهي عملية (ترشيد الاستهلاك). وفي الوقت الحالي أصبح كل واحد يقوم بترشيد نفسه غصباً عنه. عاداتنا وتقاليدنا في الاستهلاك كان يجب أن تتغير منذ فترة طويلة»، ثم يزيد قائلاً: «يوجد برنامج إصلاح، مضت منه سنوات وباقي سنوات. إنه دواء مرّ. ونحن نقوم بالمعالجة. نريد تصحيح سياسات أربعين سنة مضت، حتى يتم بناء مصر الحديثة، من خلال تعمير الصحراء وتدشين المدن الجديدة، وتشغيل عمالة تصل إلى 11 مليون عامل في المشاريع القومية كافة».
من جانبه، يلفت غازي الانتباه إلى طريقة الاستثمار الجديدة المرتبطة بالتحديث ومواكبة العصر، سواء في الطرق أو المنشآت. ويقول إن بعض المستثمرين من المصريين والعرب، أصبحوا يعملون بعقلية أوروبية في التخطيط وتقديم الخدمات. ويضيف: «هؤلاء لديهم خبرة. ويرون أن الأجواء الاقتصادية التي تقدمها الدولة مواتية، سواء في محور قناة السويس، أو في الساحل الشمالي.. نحن ننتقل نقلة كبيرة، لكن، أصارحك القول: هذه النقلة تحتاج إلى تنظيم محلي قادر على مواكبة مثل هذه المتغيرات، وعلى كل حال، سوف تتسبب هذه المشاريع الجديدة في طفرة إيجابية بشكل عام في اقتصاد الدولة».
وعلى كل حال يمكن أن تلمس تغير الطريقة التي أصبح يفكر بها كثير من المصريين، من خلال الدردشة مع سائقي سيارات الأجرة، وأنت تتنقل معهم في شوارع القاهرة. إنهم يشكون من ارتفاع أسعار البنزين إلى أضعاف ما كان عليه أيام مبارك، لكن يوجد تفهم للأمر مع نوع من الصبر. وفي شارع مراد في محافظة الجيزة المجاورة، على سبيل المثال، تنتظر ألوف السيارات لوقت طويل، يومياً، بسبب اختناق المرور أمام ميدان النهضة. وهذا الحال كان مستمراً لسنوات دون علاج. وتقوم الحكومة حالياً بإنشاء نفق للقضاء على مشكلة التكدّس في هذا الميدان، مما فاقم مشكلة المرور أكثر من السابق، وحوَّل السير إلى مسارات جانبية صعبة. ويقول سائق الأجرة وكأنه يحثك على الصبر: «نحن، في مصر، لدينا مشكلات كثيرة. لكننا نعلم أن كل هذا سينتهي، مثلما سينتهي هذا الزحام بمجرد افتتاح النفق قريباً». ويقع على هذا الشارع سفارات عدة. ويوجد فيه كذلك فنادق كبرى ظلت مظلمة في فترة الاضطرابات قبل تولي السيسي الحكم. والآن يمكن أن ترى طوابق بأكملها مضاءة. وهذا يعني عودة الحجوزات سواء للسياح، أو رجال الأعمال. لقد انتهت تقريباً مرحلة الترويج ضد النظام الجديد على ضفاف النيل.

بيئة آمنة للاستثمار
ويقول أبو العينين، الذي يعد قطباً سياسياً واقتصادياً في البلاد منذ عقود: «نعم... كانت هناك حملات منظمة، ومدفوعة، قام بها أهل الشر، لكي يروّجوا بأن مصر غير آمنة للاستثمار، خصوصاً الاستثمار الأجنبي. لكن أريد أن أقول لك إنه في الفترة القليلة الماضية، بدأت الأمور تتحسن بشكل كبير، مقارنة بأعوام 2012 و2013 و2014. وهذا بفضل زيارات متكررة قام بها الرئيس للخارج، وأيضاً بفضل مجهودات بعض الناس ممن جاءوا وقالوا إن الدنيا، في مصر، آمنة. والتفَّ الشعب المصري في ثورته ضد حكم «الإخوان» في 30 يونيو (حزيران) 2013، حول السيسي، حين كان وزيراً للدفاع، وانتخبه رئيساً للدولة بعد ذلك بسنة.
وقال الرئيس في كلمة له قبل شهر، بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة، إن نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه مصر، منذ ذلك الوقت، تشير إلى أننا نسير على الطريق الصحيح. فأثناء حكم «الإخوان» تراجع احتياطي النقد الأجنبي في الدولة إلى أقل من 15 مليار دولار. بينما زاد في ظل حكم السيسي إلى أكثر من 44 مليار دولار. ويهدف الرئيس المصري، في برنامجه الاقتصادي، إلى تحقيق أمرين... الأول وقف تردي الأوضاع الاقتصادية، والثاني تحقيق نهضة اقتصادية واسعة وحقيقية من خلال بنية تحتية ومشروعات عملاقة توفر ملايين فرص العمل.
ويرى الرئيس أن الإصلاح في مصر، تم تأجيله كثيراً في السابق، لكنه اليوم ضرورة وليس رفاهية. ووضع البرلمان والحكومة تشريعات مشجعة، وأسساً لمشاريع عملاقة في مناطق مختلفة من البلاد، بعضها تم افتتاحه رسمياً، وبعضها ما زال تحت الإنشاء. وبالإضافة إلى توسيع مجرى قناة السويس، تقوم ببناء ميناء ضخم في منطقة جرجوب (شمال غربي مصر)، بالإضافة إلى إنشاء أكبر مزرعة سمكية في منطقة الشرق الأوسط على البحر المتوسط، بالتعاون مع مستثمرين عرب وأجانب، إلى جانب المصريين.
أبو العينين، الحاصل على جائزة «أفضل صانع في أفريقيا لهذا العام»، يضيف: «في الحقيقة الدولة المصرية قامت بعمل قانون استثمار جديد، وهذا القانون محفِّز إلى حد كبير. ويعطي مزايا خاصة للاستثمار في بعض المناطق المعينة، وإعفاءات، وغيرها... معدلات الاستثمار في تزايد. وتوقعاتي أنها ستزداد أكثر، لأنه توجد مصداقية لدى الدولة، وجدية بأنه مطلوب مشاركة حقيقية بينها وبين القطاع الخاص؛ فالمستثمر الأجنبي، والعربي أصبح له الحقوق والمزايا ذاتها التي يحصل عليها المستثمر المصري».
وأيا ما كان الأمر، هناك شروط للسير قدماً، دون عراقيل كبيرة، أو، على الأقل، لتسريع الانتقال من حال إلى حال أفضل؛ فمن جانبه، يقول الدكتور رشاد عبده، إنه لكي تقوم بنقلة حقيقية في مصر، فأنت في حاجة لعدة نقاط... «تحتاج، أولاً، أن يكون لديك سياسات اقتصادية ثابتة ومستقرة. وهذا نفتقده. تحتاج لأن يكون هناك تحدٍ حقيقي لمواجهة الفساد والبيروقراطية والروتين، وتحتاج بشكل قوي للاستعانة بالكفاءات، بعيداً عن أهل الثقة».
ويضيف أن البرلمان كذلك «يحتاج إلى أن يقوم بدوره الحقيقي نحو تحسين بيئة ومناخ الاستثمار، وإصدار تشريعات تعمل على جذب الاستثمار، والمستثمرين، وتعطيهم ضمانات، ولا نقول حوافز... هذا كله ليس موجودا بعد. هذه مشكلة كبيرة جدّاً. خصوصاً قضية عدم الاستعانة بالكفاءات. فهذه مشكلة العالم الثالث كله. من الخطأ أن تأتي بالأقرب، لا الأكفأ».
لكن الدكتور عبده يعود ويقول إنه «بلا جدال، المؤشرات الدولية والوكالات العالمية، والمنظمات الدولية، سعيدة بما يتم في مصر... نعم، لأن المؤشرات جيدة، ولأن معدل النمو، بالفعل، يرتفع، ومعدل البطالة ينخفض، وكل شيء جيد»، إلا أنه، مع هذا كله، لديك مشكلة كبيرة، وهي المواطن. ويستطرد: «المواطن يعاني بشدة نتيجة لما سُمِّي بالإصلاح، لأن هناك ضغوطاً عليه من غلاء في الأسعار، ثم هو غير قادر على أن يعيش حياة كريمة. وما إلى ذلك. أعتقد أن هذا هو التحدي».
ويوضح الدكتور عبده أن إقامة «الطرق، وغيرها من المشاريع القومية، هي بلا جدال شيء جيد، لأنها خلقت فرص عمل كثيفة وسريعة... لكن ضخّ الأموال في الخزينة العامة للدولة، معظمها قروض وسندات، بينما المطلوب أن يكون ضخ الأموال في الخزينة العامة من نتاج عمل الشعب المصري». ويزيد قائلاً: «إن شروط إنجاح نظام اقتصاد السوق في مصر، مثلما هو الحال في بيئات رأسمالية كثيرة كدول أوروبا وأميركا، يتطلب (سوق المنافسة الكاملة)»، مضيفاً: «في مصر، للأسف، لدينا سوق احتكار القلة.. عدد محدود يحتكرون السلع، ويتحكمون في الاستيراد، ويتفقون مع بعضهم بعضاً على تحديد الأسعار، بما يفوق طاقة المستهلكين».
أما الدكتور عبد الله، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، فيقول إن الوضع الاقتصادي في مصر يتلخص في «بضع نقاط، بعيداً عن المبالغات، وبعيداً عن النفاق». ويضيف: «رأس المال، بطبيعته، جبان. ولن يأتي لك أحد للمخاطرة برأسماله في بيئة استثمارية ملتهبة، ما لم تكن هذه البيئة فيها مزايا تنافسية أفضل من بيئات أخرى منافسة لك في منطقة البحر المتوسط».
ويشير عبد الله إلى ارتفاع معدلات الإقبال على الاستثمار في مصر في الفترة الأخيرة بشكل غير مسبوق، «لدرجة أنك حين تذهب إلى مقر هيئة الاستثمار، تجدها تعمل على مدار اليوم، وبسبب الزحام تضطر للانتظار إلى أن يأتي دورك». ويوضح قائلاً أن «هذا دليل على وجود إقبال كبير في هيئة الاستثمار. ووجود رؤوس أموال، وإيداعات في البنوك، وقيد شركات. نعم... هذا دليل على أن بيئة الاستثمار المصرية أصبحت بيئة جاذبة»، ويضيف أن «كل هذا يعكس أمرين... استقرار في الحالة الاقتصادية، خصوصاً بعد تعويم الجنيه، ووصوله لقيمته الحقيقية أمام كل العملات. والأمر الثاني صدور مجموعة من التسهيلات، لا يختلف عليها اثنان. وعلى رأسها المنفذ الواحد في هيئة الاستثمار».
وعن شكوى البعض من عدم شعور طبقات فقيرة بالانتعاشة الاقتصادية بعد، يقول إن «الرضا الحقيقي لا يقاس بالأكل والشرب فقط، ولكن بالوئام العام في حياة المواطنين، مثل توفير رعاية صحية وتعليم ومواصلات وبنية تحتية. وهذا ما تقوم به الدولة في الوقت الراهن، مع توفير الحماية الحقيقية للطبقات الفقيرة. ويدرك السيسي، من خلال أقواله وأحاديثه المفتوحة، أن غالبية المصريين يتحملون معه المصاعب الاقتصادية، وينتظرون العبور من عنق الزجاجة.

السيسي متفائل... والرهان على الإصلاح الاقتصادي
> خلال كلمة للرئيس عبد الفتاح السيسي أمام مؤتمر الشباب، توجه بالتحية إلى «كل رب أسرة، ولكل ربة أسرة، يتحملون، في كبرياء وشموخ، مشاق توفير الحياة الكريمة لأبنائهم... أؤكد لهم أن المستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، وأنهم بوعيهم الحقيقي بمتطلبات إصلاح وطنهم، يضربون المثل والقدوة ويثبتون مجدداً مدى حكمة وعبقرية هذا الشعب».
وبين حين وآخر يستخدم الرئيس السيسي روح الفكاهة في مؤتمرات مذاعة على التلفزيون، لتلطيف أجواء الإصلاحات الصعبة؛ فبعد نحو شهرين من زيادة سعر الوقود، في مؤتمر الشباب، تحدث مداعباً الحضور: «تركبون السيارات وتقولون كيكي، وما كيكي»، في إشارة إلى تلك الرقصة. ثم التفت إلى وزير البترول، طارق الملا، قائلاً له: «زوّد البنزين... لا تقلق». وضجّت القاعة بالتصفيق.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.