كاريوس يحتاج الكثير ليبقى حارس ليفربول الأول

اللاعب الألماني يبحث عن نادٍ آخر بعد الأخطاء المكررة والتعاقد مع أليسون

كاريوس يندب حظه بعدما فقد تركيزه مرتين أثناء المباراة النهائية لدوري الأبطال (رويترز)
كاريوس يندب حظه بعدما فقد تركيزه مرتين أثناء المباراة النهائية لدوري الأبطال (رويترز)
TT

كاريوس يحتاج الكثير ليبقى حارس ليفربول الأول

كاريوس يندب حظه بعدما فقد تركيزه مرتين أثناء المباراة النهائية لدوري الأبطال (رويترز)
كاريوس يندب حظه بعدما فقد تركيزه مرتين أثناء المباراة النهائية لدوري الأبطال (رويترز)

ربما حان الوقت كي يتوقف لوريس كاريوس عن النظر إلى نفسه باعتباره فناناً، وأن يشرع في التفكير في دوره كعالم. لقد واجه حارس مرمى ليفربول فترة عصيبة على الصعيد المهني في الفترة الأخيرة، أو على الأقل عصيبة تبعاً لمعايير أي شخص يتقاضى أجراً أساسياً يبلغ قرابة 25 ألف جنيه إسترليني أسبوعياً، وذلك منذ وقوعه في خطأين فادحين خلال مباراة نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا التي انتهت بالهزيمة أمام ريـال مدريد في مايو (أيار).
في وقت لاحق، جرت الإشارة إلى صدمة ارتجاج مخي لم يتم تشخيصها في حينها باعتبارها السبب وراء فقدان حارس المرمى الألماني تركيزه مرتين أثناء المباراة النهائية في كييف. أما كلوب فقد أبدى تعاطفه مع الحارس قبل أن ينفق 65 مليون جنيه إسترليني لضم حارس مرمى روما، البرازيلي أليسون. ويبدو هذا القرار مبرراً عبر بضعة أخطاء، سرعان ما جرى تضخيمها، سقط فيها كاريوس خلال المباريات التي جرت استعداداً لانطلاق الموسم الجديد لبطولة الدوري الممتاز. وذكرت هذه الأخطاء الجميع بقسوة أنه في الوقت الذي يمكن في الغالب للاعبي جميع المراكز الأخرى الإفلات من مجموعة متنوعة من الأخطاء، فإن حراس المرمى على وجه التحديد نادراً ما يفلحون في التمويه على زلاتهم.
وفي أعقاب الهزيمة بنتيجة 3 - 1 أمام بوروسيا دورتموند في نورث كارولينا، جاءت انتكاسة اتفق الكثيرون على أن كاريوس المسؤول عنها لتسببه في اختراق هدفين لمرماه.
وسرعان ما اجتاحت موجة من العداء والهستيريا موقع «تويتر»، ما أثار حارس المرمى ليعبر من خلال منشور عاطفي قال فيه: «إلى من يستمتعون برؤية الآخرين يخفقون أو يعانون، أشعر بالأسى لحالكم. أياً ما كان ما يجري في حياتكم وخلق كل هذا الغضب والكره، أدعو أن يتلاشى ويأتيكم الخير».
وشعر محمد صلاح بالتأثر ما دفعه للتدخل، وقال مهاجم ليفربول مغرداً وداعماً لحارس مرماه: «ابقَ قوياً يا كاريوس. لقد حدث هذا من قبل مع أفضل اللاعبين. تجاهل الكارهين».
تبدو نصيحة وجيهة بالفعل، لكن حارس المرمى قد يخالجه بعض الشك في صحة حدسه. في رده عن سؤال له الموسم الماضي حول ما إذا كان حاول دراسة التوجهات الغريبة للمهاجمين، قال كاريوس: «ليس هذا شيئاً أفعله بصورة خاصة. إلى حد معين، من الجيد أن يتولى المرء التحليل، لكن في النهاية لا تدري ما الذي سيحدث».
ويبدو هذا التوجه القدري متناقضاً مع شخصية مولعة بالتفاصيل الدقيقة لنظام الغذاء ومستوى جودة النوم، لكن كاريوس يعتقد أن الإبداع الحقيقي لحارس المرمى يكمن في أن «يكون معتمداً على حدسه بصورة كبرى». ولدى كاريوس مكتبة «دي في دي» لتصديات مبهرة حققها مع فريق ماينز الألماني وليفربول للتأكيد على صحة وجهة نظره. إلا أن الواقع يؤكد أن أفضل لاعبي كرة القدم لا يعتمدون فحسب على استعدادات الفيديو التي يضطلع بها محللو الأندية.
من جانبه، يقضي حارس مرمى إيفرتون والمنتخب الإنجليزي جوردون بيكفورد ساعات في دراسة حركات وتكنيك خصومه. في سبتمبر (أيلول) الماضي عندما مد بيكفورد ساقه ليحرم جيرمين ديفو من تسجيل هدف في غوديسون بارك، شرح أنه مرت أمام عينيه مجموعة من السيناريوهات المرتبطة بديفو وأنه أجرى أبحاثاً حول الخطوات الأكثر احتمالاً التي قد يقدم عليها ديفو.
وقال: «لقد فعلت الواجب الدراسي الخاص بي كي لا أضطر إلى التخمين. لقد كنت واثقاً من أن ديفو سيدفع بالكرة إلى يميني، لذا انتظرت وكان هذا ما فعله حقاً وتمكنت من التصدي للكرة وخرجنا فائزين».
وإذا لم يكن ضعف المجهود البحثي السبب وراء الهدف الذي جرى تسجيله من كرة حرة ضعيفة سجل منها فريق ترانمير روفرز هدفاً في مرمى كاريوس خلال مباراة ودية أخرى على أرض استاد «برينتون بارك» خلال فترة ما قبل انطلاق الموسم الجديد، فإن السبب يعود إذن بالتأكيد إلى مزيد من الضغوط وفقدان الثقة.
من جانبه، توقع بروفسور ستيف بيترز، الطبيب النفسي المتخصص في المجال الرياضي الذي عمل بصورة مكثفة مع ليفربول في السنوات الأخيرة، أن الأمر سوف يستغرق من كاريوس 3 شهور كي يتعافى من المحنة التي تعرض لها في كييف.
وقال: «الأمر ليس أنه فقد أياً من قدراته أو مهاراته، وإنما تلك هي طبيعة الرياضة وتمر على المرء أحياناً أيام تسوء فيها الأمور»، مشيراً إلى أنه مثلما الحال مع العظام المكسورة أو الأربطة الممزقة، يحتاج الرأس وقتاً كي يتعافى. وأضاف: «القاعدة العامة التي لا نعلم لها تفسيراً حتى اليوم أن المخ يحتاج قرابة 3 شهور كي يتمكن من معالجة هذه الأمور، لكن مع توافر مساعدة مهنية من طبيب نفسي يعمل بالحقل الرياضي فإنه يمكن للاعب ضمان أن هذه التجربة ستقويه، ولن تضعفه عندما يتعافى منها (بعد فترة الشهور الثلاثة)».
ومع هذا، تكمن المشكلة بالنسبة لكاريوس في أنه بحلول أغسطس (آب)، من الممكن أن يصبح أليسون الخيار الأول بالنسبة لكلوب في حراسة المرمى. واتفق الحارس البالغ 25 عاماً على أنه: «بالطبع هذا ليس وضعاً مثالياً بالنسبة لي». إذن، هل من الممكن أن يرحل عن النادي قبل الموعد النهائي للانتقالات الشهر المقبل؟ أجاب كاريوس: «لا أدري. لا يمكنني تحديد ما سأفعله الآن». وبالنظر إلى أن ليفربول دفع مبلغاً متواضعاً - بمعايير الدوري الإنجليزي الممتاز - إلى نادي ماينز بلغ 4.75 مليون جنيه إسترليني مقابل ضم كاريوس الذي جاء قرار ضمه بصورة أساسية من أجل تحدي سيمون مينيوليه، فإن كلوب قد ينظر إلى صفقة ضم الحارس الألماني باعتبارها مقامرة منخفضة المخاطرة لم تؤتِ الثمار المرجوة.
والسؤال الآن: ماذا سيحدث لاحقاً؟ مع تقاضي كاريوس أجراً أقل عن السائد داخل كثير من الأندية وارتباطه مع النادي بعقد ممتد حتى عام 2021، فإن السماح بانتقاله لنادٍ آخر على سبيل الإعارة يبدو أمراً محتملاً للغاية. في المقابل، فإنه حال انتقال مينيوليه ربما للاضطلاع بدور الحارس الاحتياطي لدى برشلونة - قد يعود كاريوس حينها إلى مقعد البدلاء في «أنفيلد».
ومن هناك، قد ينجح كاريوس في استعادة مكانته حال لجوء الفريق إليه إذا تعرض أليسون لإصابة أو اضطر للغياب لأي سبب آخر. إلا أنه في كل الأحوال، ينبغي لكاريوس توجيه مزيد من الاهتمام إلى الجانب التحليلي وألا يغفل حقيقة أن «الشيطان يكمن في التفاصيل».


مقالات ذات صلة

ناثانيال براون لاعب فرانكفورت يقترب من بايرن ميونيخ

رياضة عالمية الألماني الدولي ناثانيال برون يقترب من بايرن ميونيخ (أ.ف.ب)

ناثانيال براون لاعب فرانكفورت يقترب من بايرن ميونيخ

ذكرت تقارير صحافية أن نادي بايرن ميونيخ، بطل الدوري الألماني الممتاز لكرة القدم، اقترب من التعاقد مع المدافع الأيمن الألماني، ناثانيال برون.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية المدافع الدولي مارك كوكوريا في معسكر «لاروخا» بالمكسيك (إ.ب.أ)

ريال مدريد يتوصل إلى اتفاق لضم كوكوريا من تشيلسي

توصل ريال مدريد، وصيف بطل الدوري الإسباني لكرة القدم، إلى اتفاق مع تشيلسي الإنجليزي لضم المدافع الدولي مارك كوكوريا بعد انتهاء كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية بعثة المنتخب الإيراني غادرت تيخوانا وسط تحية الجماهير (رويترز)

وداع مبهج لمنتخب إيران في تيخوانا قبل مباراته الأولى بالمونديال

غادرت بعثة المنتخب الإيراني لكرة القدم معسكرها في تيخوانا الأحد بعدما حظيت بوداع حماسي.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية مانويل نوير حارس مرمى ألمانيا (رويترز)

«كأس العالم»: نوير يعادل رقماً قياسياً في عودته للمشاركة مع ألمانيا

عاد مانويل نوير، حارس مرمى ألمانيا، من اعتزاله الدولي ليعادل رقماً قياسياً على مستوى حراسة المرمى في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الأوروبي (اليويفا) السلوفيني ألكسندر تسيفرين (يمين) (رويترز)

اتحادات كروية أفريقية تندد بتصريحات رئيس «اليويفا»

نددت اتحادات كروية عدة لبلدان تأهلت منتخباتها إلى مونديال 2026 لكرة القدم بتصريحات رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة (اليويفا) السلوفيني ألكسندر تسيفرين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.