قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

العالم بانتظار لقاء تاريخي بين الرئيسين الأميركي والروسي

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟
TT

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

بعد عدة أشهر من التكهّنات والتساؤلات، تقرر انعقاد أول لقاء «قمة» بين الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هلسنكي، عاصمة فنلندا، يوم 16 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي هذا اللقاء في حقبة تعد من أسوأ الحقب للعلاقات بين واشنطن وموسكو منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

كانت فكرة عقد لقاء قمة بين القائدين الأميركي والروسي (زعيم الاتحاد السوفياتي في حينه) قد ولدت في الأصل عام 1954، وذلك بعد حسم صراع الزعامة السوفياتية في موسكو بإزاحة جورجي مالينكوف، وخروج كل من نيكيتا خروتشوف ونيكولاي بولغانين منتصرين. ذلك أنه مع نجاح الاتحاد السوفياتي في أن يغدو قوة نووية، قبل بضع سنوات، اقتنعت إدارة الرئيس الأميركي (يومذاك) دوايت أيزنهاور بأن «القمم الثلاثية» القديمة، التي كانت انطلقت إبان الحرب العالمية الثانية بمشاركة بريطانيا، ما عادت تعبّر عن واقع ميزان القوى العالمي. إذ بات في العالم قطبان لا ثالث لهما، وصار بمقدور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فرض جدول أعمال كثير من القضايا الدولية.
القمة الأولى عقدت بين الرئيس أيزنهاور والثنائي خروتشوف وبولغانين في مدينة جنيف السويسرية في يوليو 1955. إلا أنه سرعان ما سقط بولغانين في جولة جديدة من صراع السلطة في موسكو، خرج خروتشوف «زعيماً» أوحد للاتحاد السوفياتي. ومن ثم، بعد عهد الرئيس الأميركي جون كيندي، تحوّلت القمم الأميركية - السوفياتية إلى لقاءات دبلوماسية روتينية الغاية منها إدارة الأزمات إبان حقبة «الحرب الباردة».

- 22 قمة
هذا «التقليد» اشتمل على 22 قمة، انعقد ما يقرب من نصفها خلال فترة قيادة ميخائيل غورباتشوف المهزوزة «سفينة» الاتحاد السوفياتي وسط أمواج عاتية. ولكن، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حافظت الإدارات الأميركية المتعاقبة على هذا التقليد... ولو كتذكار من الماضي، وطريقة لبقة لبلسمة معنويات روسيا الجريحة، من دون إعطائها أهمية لا تستحقها.
ثم، مع طي صفحة رئاسة بوريس يلتسين لروسيا عندما بدت خلالها موسكو كأنها تبحث عن مكان لها بين «الكبار»، رأى فلاديمير بوتين في تقليد لقاءات القمة عنصراً مهماً في استراتيجيته الكبرى الهادفة لاستعادة روسيا مكانتها «قوة عظمى» تستحق أن يكون لها صوت مسموع ومقرّر في كل القضايا الدولية من دون استثناء.
كان هذا الطموح متعذراً في عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ذلك أن بوش تعامل مع روسيا بفتور يداني قلة الاكتراث. ومع أنه استضاف بوتين وأكرم وفادته فإنه لم يعطه شيئاً. أما أوباما، الذي عمل حتى على تقزيم دور أميركا كقوة عالمية نافذة، فما كان منتظراً منه أن يعامل روسيا أفضل مما تعامل مع بلده!

- مكمن الأهمية
بالمناسبة، قمة هلسنكي المرتقبة لن تكون اللقاء المباشر الأول بين ترمب وبوتين، اللذين سبق لهما أن اجتمعا وجهاً لوجه لفترات قصيرة على هوامش «قمة الدول العشرين» (G 20) ومؤتمرات «دول آسيا وحوض المحيط الهادي»، وخرجا منها بمجاملات متبادلة. غير أن قمة هلسنكي تستحق اهتماماً كبيراً وخاصاً لجملة من الأسباب، على رأسها أنها أول «قمة كاملة» حقيقية بينهما.
في هلسنكي قد تكون الأمور مختلفة بين زعيم يعتبر نفسه قائد «مسيرة استعادة أميركا عظمتها» وزعيم عصبة «روسيا... أولاً»! ثم إن اختيار هلسنكي، في حد ذاته، لا يخلو من دلالات... إذ إنه يعود بالذاكرة إلى أيام «الحرب الباردة» عندما كانت واشنطن وموسكو يضبطان إيقاع العالم. ولكن، في المقابل، فإن العاصمة الفنلندية هي أيضاً المكان الذي صدرت فيه «اتفاقية هلسنكي» عام 1975، وبموجبها وافق قادة 35 دولة بينها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، على إنهاء عملي لـ«الحرب الباردة» بتهدئة الأوضاع في أوروبا عبر اتفاقية أمن وتعاون بين دول القارة.
خلال القمة المقبلة، قد نشهد الفصل الأخير من «اتفاقية هلسنكي» للأمن والتعاون في أوروبا مع إقرار الجانبين الأميركي والروسي بوجود حقائق جديدة على الأرض منذ 1975. إذ انهار الاتحاد السوفياتي وتقسّم، وصار «حلف وارسو» نسياً منسياً مقابل تمدد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بعمق أوروبا، وأُجبرت روسيا تحت قيادة بوتين، على الاكتفاء بعرض عضلاتها في جورجيا وأوكرانيا، وبطرق أخرى، في القوقاز وآسيا الوسطى. ولكن، قد يطمح بوتين اليوم في العودة إلى ما قبل «هلسنكي 1975»، وإذا نجح في ذلك قد نشهد حقبة «حرب فاترة» لا «باردة» هذه المرة. وهذا إذا تحقق سيكون «سيناريو» مقلقاً لكثرة من الأوروبيين الذين يشكون في وجود علاقة ودية بعض الشيء بين ترمب وبوتين، وهما زعيمان تطغى على تصرفاتهما وممارساتهما السياسية النوازع الشخصية.
وبصرف النظر عما إذا كانت هناك علاقات ود وإعجاب تربط الرجلين أم لا، فمجرد اجتماعها يمكن أن يبرّد أجواء التوتر الدولي، ولا سيما، في منطقة الشرق الأوسط المأزومة. بل، قد يؤشر إلى بداية مسيرة جديدة نحو تسوية بعض الأزمات عبر ترويج التفاهم حيث أمكن.
والواقع، أنه رغم أزمات الولايات المتحدة الداخلية، فإنها تظل لاعباً يستحيل الاستغناء عنه في معظم مناطق الصراع السياسي، في حين تسعى روسيا لإعادة فرض نفسها لاعباً مناكفاً حيث تستطيع. وما يستحق الإشارة، أن آخر قمة أميركية - روسية عقدت في سبتمبر (أيلول) 2016 في أواخر فترة رئاسة باراك أوباما، فضّل بوتين انتظار نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية. وبالتالي، لم تكن تلك القمة التي استضافتها مدينة هانغتشاو الصينية عملياً أكثر من عرض عضلات متبادل. ذلك أن أوباما حاول في الأيام الأخيرة من حكمه الظهور بمظهر القوي، وسعى بوتين في المقابل جهداً للتقليل من شأنه. وهكذا، بدلاً من أن ينتهي اللقاء بخفض التوتر، شهدت الأجواء تفاقماً وتصعيداً، لا سيما، مع اتهام أوباما للرئيس الروسي بمحاولة التأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية لمصلحة دونالد ترمب.
اليوم، ومع أن ترمب يدرك أنه مهدّد بما يمكن أن ينتهي إليه «تحقيق مولر» في تهم التلاعب الروسي المزعوم بالانتخابات الأميركية، فإن الرئيس الأميركي يتوجه إلى هلسنكي بنية البحث عن «صفقات كبرى».
وفي المقابل، لا يسعى بوتين للمساومة على «صفقات»... لأن هذا ليس من طبعه ولا أسلوبه. إنه يأمل أن يحقق تقدماً ملموساً وحقيقياً على صعيد عودة روسيا «لاعباً أساسياً» في الحلبة العالمية. وفي هذه السبيل يريد إقناع ترمب، وعبر ترمب، إجبار الدول الأوروبية لتقبل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم كأمر واقع لا يستدعي مواجهة مع موسكو من أجله.

- واشنطن وموسكو... وأوروبا
بعض المصادر تتحدث عن إمكانية لجوء واشنطن إلى صيغة دبلوماسية تنقذ ماء وجه الأوروبيين المتنازلين، شبيهة بتلك التي سمحت للغرب بالتبسم مع تجرّعه مرارة ضم روسيا دول حوض البلطيق بعد الحرب العالمية الثانية، وفرضها حياد فنلندا. إذ بين عام 1945 وانهيار الاتحاد السوفياتي، دأبت القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة على رفض الاعتراف بجمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) كجزء من الاتحاد السوفياتي لكنها لم تفعل شيئاً لتحريرها. كذلك، أحجمت عن اجتذاب فنلندا المؤيدة للغرب للدخول في التحالف مع الديمقراطيات الغربية.
وبناءً عليه، إذا كان تمرير هذه الصيغة أولوية عند بوتين، فإن بين أولويات ترمب - كما عبر عنها وزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون - توضيح وتحديد مطامح روسيا، وبالأخص، في أوروبا والشرق الأوسط. والحال، أن سياسة موسكو الراهنة تبدو كأنها تهدف إلى دق إسفين بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وفعل كل ما بوسعها لخلخلة حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي. وما عاد سراً الدعم المالي والإعلامي الذي يقدمه الكرملين للأحزاب الشعبوية المتطرفة يساراً ويميناً في أوروبا، المعادي منها لواشنطن، والمعادي للاتحاد الأوروبي.
أولاً، قد يزعم بوتين أنه إنما يواجه الاتحاد الأوروبي من قبيل الدفاع عن النفس، وكرد فعل مشروع ضد العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا. غير أن الأوروبيين، طالما أكدوا أن العقوبات فرضت على روسيا رداً على عدوانيتها المتمثلة في ضمها القرم، وتهديدها الضمني بالتدخل العسكري في شرق أوكرانيا، ثم في الفترة الأخيرة، الاعتداء بالغاز السام على عميل مزدوج سابق وابنته في مدينة سولزبري بجنوب بريطانيا. والأمر الآخر الذي يسعى إليه بوتين هو منع أي توسع مستقبلي لـ«الناتو»، ولا سيما في أوروبا ومنطقة القوقاز. وهنا، قد لا يجد ترمب صعوبة كبرى في تقديم تنازلات، وذلك في ظل تراجع حماسة البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) للخطة بعكس ما كانت عليه الحال إبان رئاسة جورج بوش الابن. ومهما يكن من أمر، كان موقف ترمب متذبذباً - في الأصل - إزاء «الناتو»، ولا سيما، لجهة إصراره على أن حلفاء واشنطن عليهم زيادة مساهماتهم الدفاعية إلى ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج القومي لكل منهم، كما اتفق عليه عام 2007.
الرئيس الروسي، في هذه الأثناء، قلق من احتمال جر روسيا إلى سباق تسلّح جديد على غرار الذي شل الاقتصاد السوفياتي... وسرّع بالنتيجة في إسقاط الاتحاد السوفياتي. الواقع أن بوتين يحسب منذ الآن حساب مشروع التسلح الجبار الذي باشرته الصين، بما فيه سلاح بحري ضخم ومتطور تعجز روسيا عن بناء مثيل له ونشره في بحار العالم ومحيطاته. ثم إن إمكانية إقدام اليابان، وربما ألمانيا أيضاً، على استئناف التسلّح مسألة إضافية تثير قلقاً شديداً عند الكرملين. وقد يكون وراء قول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنه «ما عاد بوسع الأوروبيين الاعتماد إلا على أنفسهم» تخوفها من صفقة ما يعقدها ترمب مع بوتين تأتي على حساب الاتحاد الأوروبي.

- أزمة سوريا
الموضوع الثاني المهم على جدول أعمال القمة يرجح أن يكون الوضع في سوريا، وذلك في سياق تنامي طموحات موسكو في الشرق الأوسط. والبديهي أن بوتين مهتم جداً بأن يعترف ترمب لروسيا بأنها اللاعب الأقوى في سوريا، بالتوازي مع الموافقة على «مناطق نفوذ» تجسدها ما سمتها موسكو «مناطق خفض التصعيد»، ومقابل ذلك، فإنه يسعى عملياً لإجبار الإيرانيين على الخروج من سوريا برفضهم تأمين الغطاء الجوي لهم في وجه غارات سلاح الجوي الإسرائيلي. وهكذا، عبر إبعاد إيران ومرتزقتها من المناطق المأهولة في سوريا، فإن بوتين يؤدي المهمة التي يريدها الأميركيون وحلفاؤهم منه، والتي كانت تتطلب تدخلهم العسكري المباشر لتحقيقها. ولقاء هذه «الخدمة»، يأمل الرئيس الروسي في إقناع نظيره الأميركي، وعبره إقناع الدول الغربية عموماً، بتقاسم أعباء «استقرار» سوريا، ولاحقاً، إعادة إعمارها.
بوتين يرغب، كما هو واضح، في إبقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في السلطة لفترة قصيرة، ولكنها كافية لتجذّر حضور روسيا ونفوذها إلى درجة يتعذّر معها على أي نظام سوري مستقبلي تجاهلهما. ولـ«بيع» هذه الصفقة للغرب، سيعرض بوتين أمامه إغراءي إبعاد الملالي الإيرانيين من سوريا، ومساعدة تركيا - الدولة العضو في «الناتو» - في التمتع بـ«حقوق مراقبة ورصد» داخل الأراضي السورية على طول الحدود التركية - السورية.
وهنا أيضاً، يهم الرئيس الروسي الحصول على نتائج سريعة بينما تعطيه القوى الغربية والإقليمية النفوذ الذي يشتهيه في سوريا.

- الحرب «السايبرية»
ونصل إلى الموضوع الثالث على جدول الأعمال، الذي لا بد من ضمه إلى الأسلحة البرية والبحرية والجوية كسلاح حربي فتاك آخر، هو الحرب «السايبرية» أو الإلكترونية.
حتى الآن، كان لروسيا قصب السبق وزمام المبادرة في هذه «الحرب» بفضل توقها للمجازفة، مستفيدة من إحجام الديمقراطيات الغربية عن ذلك تخوفاً من المعارضة الداخلية. ولكن في المديين المتوسط والبعيد، لن يكون بمقدور الروس منافسة القوى الغربية التي تتفوق عليها بمراحل على صعيد الموارد العلمية والتكنولوجية. وكما كان الوضع مع التسابق على غزو الفضاء خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما حقق السوفيات تقدماً مبكراً على الغرب لبعض الوقت، غير أنهم في نهاية المطاف تخلفوا وسقطوا في السباق قبل خط النهاية.
قد يحاول بوتين كسب بعض النقاط الإعلامية باقتراحه آليات جديدة لرصد وتدمير ترسانات الأسلحة الكيماوية، مصحوبة بصيغة معدلة لـ«خطة تحقق» تقترحها بريطانيا. ومن ثم، فإن إعادة إطلاق مباحثات الحد من التسلح، وبالأخص ما يتعلق بالجيل الجديد من الرؤوس النووية الصغيرة، قد تجد طريقها إلى جدول أعمال القمة، بما أن الجانبين سيسعيان للادعاء أن أموراً أخرى جدّية مطروحة على بساط البحث. وتالياً، من أجل إعطاء القمة فرصة للنجاح، فإن بوتين قدّم بالفعل بعض المغريات لترمب. وبجانب ما يبدو من «تخفيف» تأييده لبشار الأسد، وبدئه سحب القوات الروسية، وافق الرئيس الروسي على زيادة إنتاج النفط تمشياً مع رغبة ترمب المعلنة. إلا أن العنصر الأهم، ربما، هو رفض الكرملين الرمي بثقله خلف إيران لتحدي موقف الرئيس الأميركي الرافض لـ«الصفقة النووية» التي ابتدعها سلفه أوباما.
من جهة ثانية، أمام خلفية المنجزات اللافتة غير المتوقعة لمنتخب روسيا لكرة القدم في مونديال 2018، يتوجه بوتين إلى العاصمة الفنلندية تحت هالة المنتصر. وحقاً، فإن أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها تصوره على أنه «رجل الانتصارات»، زاعمة أنه سيقابل نظيره الأميركي من موقع قوة، بذريعة أن الولايات المتحدة - إن لم يكن الغرب ككل - باتت أكثر حاجة إلى روسيا من حاجة روسيا إليها وإلى الغرب!
ولكن، بغض النظر عن المبالغة في إظهار العزة القومية التي تداني الغطرسة الفاقعة، فحقيقة الأمر أن الاقتصاد الروسي مريض والتوتر الاجتماعي في تصاعد. ومن ثم، فإن وضع بوتين ليس جيداً. ومع أن لا أحد في روسيا يستطيع اليوم تحديه، فربما كان قد بدأ يفقد قدرته على تطوير أفكار ومبادرات وخطط جديدة. وهذا، تماماً على النقيض من ترمب، الذي وإن بدا محاصراً أو مُربكاً، فإن الولايات المتحدة في وضعية اقتصادية جديدة، وتعيد إطلاق خطة التحديث العسكري التي سبق لأوباما إيقافها.
وهكذا، وكيفما نظرنا إلى ما سيحصل في هلسنكي، فإن «قيصر» الكرملين يحتاج إلى رضا الغرب أكثر مما يحتاجه الغرب. وعلى هذا الأساس، خلال القمة المرتقبة، ستكون للرئيس الأميركي اليد العليا، لكن ما يبقى غير محسوم هو ما إذا كان سيسعى للاستفادة من هذه الأفضلية أم لا.

- فلاديمير بوتين... في سطور
عام 1999 عزل الرئيس الروسي (يومذاك) بوريس يلتسين رئيس وزرائه سيرغي ستيباشين، وعيّن ضابط «الكي جي بي» السابق فلاديمير بوتين خلفاً له.
وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، استقال يلتسين وعيّن بوتين رئيساً للجمهورية في مكانه. ومن ثم أعيد انتخاب بوتين رئيساً عام 2004، وفي العام التالي (2005)، في حدث تاريخي بات أول رئيس روسي يقوم بزيارة إلى إسرائيل.
ولكن في عام 2008، مع تعذر ترشحه - دستورياً - للرئاسة، فإن خلفه دميتري ميدفيديف عينه رئيساً للحكومة. ومن ثم في مارس (آذار) 2012، ترشح بوتين مجدداً لرئاسة الجمهورية وعاد إلى المنصب، وأوكل رئاسة الحكومة لميدفيديف، ولاحقاً انتخب لولاية رئاسية رابعة.
ولد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في مدينة لينينغراد (بطرسبرغ، اليوم)، ثاني كبرى مدن روسيا وعاصمتها القيصرية القديمة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1952. ونشأ مع أسرته في شقة بمجمع سكني شعبي. وإبان فترة دراسته الابتدائية والثانوية أولع بالرياضة ومارسها بشغف. وبعد المدرسة تابع تعليمه الجامعي في جامعة لينينغراد (بطرسبرغ) الحكومية المرموقة وتخرج فيها مجازاً بالحقوق.
في عام 1975 التحق بسلك الاستخبارات (الكي جي بي) ضابط استخبارات، وخدم خصوصاً في ألمانيا الشرقية، وظل في هذا السلك حتى عام 1990، عندما تقاعد برتبة عقيد.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.