الفيفا يهتم بجمع المال قبل علاج القضايا المصيرية

الرئيس الجديد للفيفا يتعامل مع الأمور بنفس طريقة المسؤول السابق

موكب يجوب شوارع سوتشي الروسية للاحتفال بمشاركة الكاميرون في كأس الكونفدرالية العام الماضي في إشارة إلى نبذ العنصرية
موكب يجوب شوارع سوتشي الروسية للاحتفال بمشاركة الكاميرون في كأس الكونفدرالية العام الماضي في إشارة إلى نبذ العنصرية
TT

الفيفا يهتم بجمع المال قبل علاج القضايا المصيرية

موكب يجوب شوارع سوتشي الروسية للاحتفال بمشاركة الكاميرون في كأس الكونفدرالية العام الماضي في إشارة إلى نبذ العنصرية
موكب يجوب شوارع سوتشي الروسية للاحتفال بمشاركة الكاميرون في كأس الكونفدرالية العام الماضي في إشارة إلى نبذ العنصرية

لقد مر عامان تقريباً منذ أن قام الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بحل فرقة العمل المناهضة للعنصرية التي سبق وأن شكلها، معلناً أنها قد أدت مهمتها «بشكل كامل». لكن لسوء حظ الفيفا فإنه بعد مرور ثلاثة أيام فقط على حل فرقة العمل المناهضة للعنصرية، شهد أحد الملاعب الروسية إلقاء موز وترديد هتافات عنصرية بعد مرور ثماني دقائق فقط من إحدى المباريات في إطار مسابقة دوري أبطال أوروبا. ولعل الشيء الغريب يكمن في أن هذا الموز قد ظل داخل الملعب حتى الدقيقة 15 من عمر المباراة، وسط حالة من اللامبالاة وكأن شيئا لم يحدث!
وعلاوة على ذلك، تشير تقارير إلى أن الهتافات العنصرية وكراهية المثلية الجنسية قد أصبحت أكثر شيوعاً في روسيا خلال الموسم الذي سبق انطلاق بطولة كأس العالم المقبلة، وفقاً لتقرير مشترك صادر عن شبكة «فير» لمكافحة التمييز العنصري ومركز «سوفا» الذي يتخذ من العاصمة الروسية موسكو مقراً له. أما بالنسبة للأسباب التي أدت لحل فرقة العمل المناهضة للعنصرية التابعة للفيفا في عام 2016، فقد لا تكون أكثر وقاحة من الذرائع والحجج التي لجأت إليها الفيفا في الإدارات الأخرى. ويجب الإشارة هنا إلى أن مؤسس فرقة العمل المناهضة للعنصرية بالفيفا قد تم احتجازه لمساعدة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في تحقيقاته المتعلقة بالفساد الذي ضرب أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وإذا كنت ترغب في تحديث معلوماتك فيما يتعلق بمصير مسؤولي الفيفا الآن فيتعين عليك أن تعرف أن جيفري ويب قد اعترف منذ ثلاث سنوات بأنه مذنب في جرائم ابتزاز واحتيال وغسيل أموال عندما كان يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم - لكن موعد النطق بالحكم قد تأجل ما لا يقل عن ست مرات. وقد نرى تأجيلا للمرة السابعة في سبتمبر (أيلول) المقبل، ويعني هذا أن ويب قد أطلق سراحه بكفالة منذ ذلك الحين في الولايات المتحدة، لكن ذلك يعني أنه من المفترض ألا يكون قادرا على العودة إلى مسقط رأسه في جزر كايمان، حيث يواجه هناك اتهامات أخرى بالتآمر للاحتيال على الحكومة فيما يتعلق بفضيحة بإحدى المستشفيات هناك.
وفي الوقت نفسه، يمكن القول إن مبادرته لمكافحة العنصرية قد انتهت في وقت مبكر جدا. وقال أوساسو أوبايوانا، عضو بفرقة العمل المناهضة للعنصرية والتي لم تستمر في العمل طويلا، وقت حل فرقة العمل: «كنت أتمنى أن أقول إنني مصدوم من القرار، لكنني لست كذلك لسوء الحظ. ولا تزال مشكلة العنصرية في كرة القدم تمثل قضية شائكة وخطيرة للغاية وتحتاج إلى اهتمام مستمر. أنا شخصياً أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الجاد الذي يجب على فرقة العمل أن تقوم به - وكأس العالم 2018 في روسيا هو أحد هذه الأمور. لكن من الواضح أن إدارة الفيفا تتخذ موقفا مختلفا».
وفي الواقع، كان موقف إدارة الفيفا يرى بكل بساطة أن كأس العالم المقبلة لن تشهد أحداثا عنصرية. وقال رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، العام الماضي: «هذه القضية تمثل أولوية قصوى بالنسبة لنا، وسوف نعمل على ضمان عدم وقوع أي حوادث من خلال تبني نهج متشدد». ولتحقيق هذه الغاية، رأينا الاتحاد الدولي لكرة القدم يفرض غرامة قدرها 22.500 جنيه إسترليني على روسيا بعد أن وجه الجمهور الروسي إساءات عنصرية للاعبي منتخب فرنسا خلال المباراة الودية التي جمعت المنتخبين استعدادا لكأس العالم - وفي نفس الوقت فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم غرامة قدرها 16 ألف جنيه إسترليني على أحد لاعبي المنتخب الإنجليزي تحت 20 عاما بسبب تناوله مشروب طاقة تابع لشركة ليست من رعاة الفيفا بينما كان داخل النفق المؤدي للملعب!
ويعني هذا أننا لم نحقق أي تقدم يذكر منذ عام 2004، عندما كانت الغرامة التي فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم على إسبانيا بسبب الهتافات العنصرية من جانب الجمهور خلال إحدى المباريات الودية أمام إنجلترا هي بالضبط نصف الغرامة المالية التي فرضها على منتخب الكاميرون لعدم ارتداء اللاعبين للقميص الصحيح في كأس الأمم الأفريقية التي أقيمت في نفس العام.
ووفقا لتقرير نشر في صحيفة التايمز هذا الأسبوع، فإن الكثير من لاعبي المنتخب الإنجليزي «مستاءون» من التناقض الكبير في تعامل الفيفا مع قضيتي العنصرية ومشروبات الطاقة، ويشعرون بالقلق من أن يؤدي تخاذل الفيفا في التعامل بقوة وحزم مع ملف العنصرية إلى ظهور كثير من الأحداث العنصرية بمجرد انطلاق بطولة كأس العالم الأسبوع المقبل. ومن المؤسف أن نقول إنه يتعين بالفعل على هؤلاء اللاعبين أن يستعدوا من الآن لمثل هذه الأحداث العنصرية والشعور بخيبة الأمل من رد فعل الفيفا.
وتتمثل الحقيقة الواضحة في هذا الأمر في أنه بمجرد إقامة مثل هذه البطولات الكبرى في دول لديها تاريخ سيء في مجال حقوق الإنسان أو التمييز العنصري، فإن الهيئات الإدارية المسؤولة عادة ما تصمت عن هذه الانتهاكات وتكتفي بفرض الغرامات من أجل الحصول على الأموال. وأصبح من المحرج مشاهدة اللجنة الأولمبية الدولية وهي تحاول أن تعقد مؤتمرها الصحافي اليومي خلال دورة الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008 وسط ما يشبه الاستجواب لممثليها بشأن وقوع انتهاكات حقوقية في الأولمبياد والحكم على متظاهرين صينيين مسنين بالأشغال الشاقة في الوقت نفسه!
لكن الجهات المسؤولة لن تتمكن من إيقاف أحداث كبرى مثل دورة الألعاب الأولمبية أو كأس العالم، لأن كل الوعود التي قطعتها على أنفسها هي خارجة عن سيطرتها في حقيقة الأمر، رغم أنها كانت تعلم جيدا التعهدات التي كانت تلتزم بها وهي «تعطي الضمانات اللازمة». وتأتي مثل هذه الأشياء من أعلى السلطات في البلاد، ومن المؤكد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يرى أن ارتكاب سلوك عنصري أو معاد للمثلية الجنسية شيئا محرجا لبلاده! وبالتالي، يتعين علينا من الآن أن نعد جدولا زمنيا لما سيحدث في روسيا، حيث سيخرج علينا كل يوم شخص ما من الفيفا لكي يرد على استفسارات الصحافيين فيما يتعلق بالحوادث العنصرية التي وقعت وسيعمل على صرف الانتباه بعيدا عن الأشياء التي لا يعتزم الفيفا التعامل معها، فضلا عن بعض الأسئلة عن بعض الأشياء الخلافية الأخرى مثل حكم الفيديو المساعد.
ويمكن القول بكل تأكيد إن الاتحاد الدولي لكرة القدم بات يهتم بالقضايا المتعلقة بالتسويق والعلامات التجارية أكثر من اهتمامه بقضايا مثل العنصرية أو رهاب المثلية، وما زال الرئيس الجديد للفيفا يتعامل مع الأمور بنفس الطريقة التي كان يتعامل بها الرئيس القديم.


مقالات ذات صلة

محمد صلاح أمام الفرصة الأخيرة... هل يكسر منتخب مصر عقدة كأس العالم؟

رياضة عربية الآمال كبيرة على محمد صلاح في كأس العالم (الاتحاد المصري)

محمد صلاح أمام الفرصة الأخيرة... هل يكسر منتخب مصر عقدة كأس العالم؟

في مدينة سبوكان الهادئة بولاية واشنطن الأميركية، بعيداً عن صخب المدن الكبرى وأضواء كأس العالم، يستعد المنتخب المصري لخوض تحدٍّ ربما يكون الأهم بمسيرته الحديثة.

The Athletic (سبوكان (واشنطن))
رياضة عالمية منتخب إنجلترا يتدرب في كانساس سيتي (رويترز)

تفاصيل مسروقات منتخب إنجلترا خلال رحلته إلى كانساس سيتي

كان من بين المسروقات في عملية «السطو» التي استهدفت منتخب إنجلترا لكرة القدم، خلال رحلته إلى مقر إقامته في كأس العالم بمدينة كانساس سيتي، أسدان محشوان.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
رياضة عالمية مونتيلا يتحدث عقب المباراة مع أعضاء فريقه (رويترز)

مدرب تركيا بعد الخسارة أمام أستراليا: أشعر بخيبة أمل... سنعوض!

أعرب فيتشينزو مونتيلا، المدير الفني للمنتخب التركي لكرة القدم، عن ثقته في قدرة فريقه على التعويض، وذلك بعد خسارة مباراته الافتتاحية ببطولة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
رياضة عالمية ضربة جزاء سويسرا شهدت جدلاً حول وقوع اللاعب في التسلل قبل سقوطه بالمنطقة المحرمة (رويترز)

«فيفا» يؤكد عدم وجود تسلل قبل ركلة جزاء سويسرا أمام قطر

تسبَّب عطل فني في حالة من الارتباك بين مشاهدي التلفزيون خلال مباراة سويسرا وقطر ببطولة كأس العالم لكرة القدم، المقامة حالياً في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

«الشرق الأوسط» (سانتا كلارا)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج (أ.ف.ب)

الاتحاد الإيراني يضغط على «فيفا» لحظر أعلام المعارضة في المدرجات

ذكَّر رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج، السبت، بأنَّ على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن يضمن عدم ظهور سوى العلم الإيراني في ملاعب كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا (المكسيك))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.